; ذكرى الأربعين لإعلان ميثاق حقوق الإنسان.. لماذا التعذيب؟ | مجلة المجتمع

العنوان ذكرى الأربعين لإعلان ميثاق حقوق الإنسان.. لماذا التعذيب؟

الكاتب المهدي المغربي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-ديسمبر-1988

مشاهدات 46

نشر في العدد 897

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 27-ديسمبر-1988

منذ أيام قليلة احتفل العالم بالذكرى الأربعين لإصدار الميثاق العالمي لحقوق الإنسان ومن يقرأ ذلك الميثاق الصادر في العاشر من ديسمبر 1948 وما تلاه من مواثيق ومعاهدات ونصوص قوانين دولية وحتى ما جاء في مقدمات الكثير من الدساتير يلحظ أنها جميعًا تؤكد على الحفاظ على الحريات الأساسية للإنسان وتدين التعذيب والقمع بمختلف أشكالهما فقد جاء في البند الخامس للإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن التعذيب محرم تحريمًا نهائيًا ومطلقًا وأنه لا يمكن رفع ذلك التحريم لأي سبب مهما كان ولكن شتان ما بين النصوص القانونية والإعلانات الرسمية وما يطبق في الواقع.. إن كل تقارير الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية والمنظمات الوطنية والعالمية المدافعة عن حقوق الإنسان والمناضلة من أجل إزالة التعذيب والقمع والاضطهاد تتفق حول حقيقة مرة وهي أن أكثر من نصف دول العالم تعيش نظامًا کاملًا اسمه التعذيب وتكشف لنا تلك التقارير بين فترة وأخرى عن حقائق ووقائع مذهلة عن ذلك «النظام» المخزي للبشرية جمعاء والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا يتواصل التعذيب والتنكيل ولماذا يستمر الإنسان في إيذاء أخيه الإنسان؟ وهل تعني هذه الاستمرارية أن التعذيب ضرورة تاريخية وشر ملازم للبشرية مهما بلغت من التحضر والرقي؟

ظلمنا الحيوانات

اعتاد الناس أن يصفوا سلوك الأفراد أو الجماعات الهمجي والمتسم بالظلم والعدوان بأنه «سلوك حيواني» نسبة إلى الحيوان وبأنه سلوك غير إنساني أي لا يمكن نسبته إلى الإنسان وكأن الإنسان وحده يتصف بالرحمة والشفقة والعدل ومعاونة الضعيف وفي ذينك التعبيرين تجن على الحيوان ذاته لأن كل الحيوانات تتصرف وفق غرائزها وطبائعها التي جبلها الله عليها ولذلك فهي لا تقتل الحيوانات الأخرى للاستمتاع بالقتل ولا تعذب أبناء جنسها للتشفي وبسبب الحقد ولا تهلكهم ألمًا ولا تعرف سمل العيون وجزع الأنوف وقطع الأطراف ولم تضع آلات التعذيب وتتفنن فيها وهي لا تستطيب متعة جنسية منحرفة ولا تسبب أذى وألمًا لأقرانها وهي لا تضع القنابل ولا تبني المعتقلات ولا تدفع أبناء جنسها إلى الأقبية والزنزانات فالذي يفعل كل هذا هو الإنسان وما أكثر ما تفتق عنه ذهن الإنسان من وسائل وأدوات وأساليب لتعذيب الإنسان نفسه وإيقاع أشد الآلام به وكم من صور التعذيب والبطش والقتل التي سمعنا بها والتي يقشعر لها البدن ويستنكف منها من له ذرة من إنسانية صهر الآدميين في الأفران أحياء أو القاؤهم من الطائرات أو رميهم في الزيت المغلي أو صلبهم حتى الموت فأين هذه الأعمال الإجرامية من السلوك الحيواني؟ وهل تدخل ضمن الطبيعة الإنسانية أم ضمن طبيعة أخرى؟

تطور التعذيب

يفسر علماء النفس والاجتماع التعذيب الذي يمارس على المستوى الفردي أو الجماعي بأنه انحراف مرضي ونتيجة الخروج العقل الإنساني عن خط المنطق والاتزان الطبيعي ويأخذ هذا الانحراف شكل الدكتاتورية عند القادة والحكام وعندئذ يرتدي هذا الانحراف والشطط أردية العنف بمختلف أشكالها وينعكس ذلك تقهقرًا اجتماعيًا وسياسيًا وكلما ازدادت مقاومة الدكتاتوريين ازدادوا غيًا و بؤسًا وفظاظة وشهوة للتسلط ومن هنا نفهم لماذا كان الأنبياء والرسل وكل الديانات السماوية تدعو إلى التسامح ونبذ العنف والإخاء والتعاون لأن مقصدها السمو بالإنسان وترشيده لكن يبدو أن هذا الإنسان على الرغم مما جاء من هدي سماوي وعلى الرغم من الأشواط التي قطعها على درب الرقي المادي والتقدم الفكري ما زال نضجه العقلي لم يكتمل وما زالت تسيطر عليه شهواته ونزواته الشريرة ولم يستطع بعد أن يحافظ على توازنه العقلي ليسمو بنفسه عن التعذيب ويربأ بها عما يشدها إلى أسفل السافلين. 

ورغم ما نشاهده ونسمع عنه من مظاهر التعذيب في عصرنا الحالي فإنه ليس أكثر مما عرفه الإنسان في عصور سابقة فعلى الأقل لم يعد يحتفل في عصرنا فيما يشبه المهرجانات بممارسات التعذيب والقتل مثلما كان يحدث في روما قديمًا عندما كان الخصوم يصلبون ويحرقون في الساحات العامة أو عندما كانوا يقدمون للأسود الجائعة وسط المسارح وضمن استعراضات بهلاوانية أيام العطل والأعياد ولكن لا يعني أن التعذيب الذي يمارس في عصرنا خلف الأسوار وداخل السجون المظلمة هو أقل فظاعة. حقًا لقد أصبح الإنسان اليوم يستحي من المجاهرة بالتعذيب والاعتراف بممارسته له ولكنه ما زال يلجأ إليه ويتفنن فيه مستعينًا بما قدمته له الثورة العلمية وما تقدمه التكنولوجيا الحديثة.

التعذيب مؤسسات

إن القمع الجسدي أصبح اليوم مؤسسة قائمة بذاتها. لها مديروها والقيمون عليها وهم عادة يتمتعون بصلاحيات كبيرة وحيثما غابت الديمقراطية وسادت الدكتاتورية وانتشر الرعب والخوف وجدت مثل هذه المؤسسة عاتية قوية يلاقي على أيدي زبانيتها الأحرار وكل من لم يستطع أن يكظم آهاته مختلف أصناف العذاب الأليم وقد يقتل ويدفن دون أن يعلم عنه أحد شيئًا وكم من سجين ومعتقل سواء في دول أفريقيا أو أمريكا اللاتينية وآسيا أزهقت روحه تحت التعذيب ووري التراب وكأن شيئًا لم يكن. 

إن عددا كبيرًا جدًا من الدول فضحتها منظمة العفو الدولية وفضحت مؤسساتها التعذيبية التي ولا غرابة أن يزيد عدد تلك الدول على تسعين دولة فالأنظمة الدكتاتورية والأنظمة المتسلطة منتشرة في أنحاء المعمورة وهي تمثل مؤسسات تعذيبية وبالتالي لا تمتلك سجلات مشرفة في مجال حقوق الإنسان وتقول منظمة العفو الدولية إنه إلى جانب «الضرب والحرق واقتلاع الأظافر وتعليق السجين من معصميه لساعات طويلة والنقر على الأعضاء التناسلية وسكب الماء الساخن على جسد السجين وإطلاق الكلاب الوحشية عليه إلى جانب كل ذلك هنالك تقنيات تعذيب أخرى آخذة في الظهور والتطور. 

وقد بدأت بعض الأنظمة رصد اعتمادات ضخمة لاستيرادها واستيراد كل أدوات التعذيب المعقدة لإطالة أمد العذاب دون أن يفقد السجين وعيه» ومن جهة أخرى ترسل بعض الدول جلاديها إلى الخارج للتخصص في التعذيب وفنونه وأساليبه الحديثة، ويضاف إلى القمع الجسدي القمع النفسي بإلحاق «مراكز صحية» للمعتقلات والسجون حيث يقع غسل الأدمغة أو الحقن بحقن الهلوسة التي تشوه الشخصية وتحدث بعض العاهات العقلية ونظرًا للسخط العالمي على ما يمارس ضد السجناء والمعتقلين لا سيما سجناء الرأي من تعذيب استنبط أباطرة التعذيب ما سموه بالتعذيب «الأبيض» وهو تعذيب يهدف إلى تحطيم الشخصية دون أن يترك آثارًا على الجسم والغاية من ذلك عدم إثبات المحاكم لوقوع التعذيب على المسجون أو المعتقل.

والمؤسسة التعذيبية لها كوادرها وفتواتها زوار الليل والنهار وجلادوها وهي مرتبطة بوزارة الداخلية في البلد الذي توجد به وهي تعمل في سرية لكن مهما بلغت تلك السرية فإن بعض رموزها يتعرضون أحيانًا للانتقام الدموي أما إذا سقط النظام الدكتاتوري الذي يحتضن مثل هذه المؤسسات فإنه لا ينجو عادة من كوادر هذه المؤسسة ويفلت بجلده إلا من يلوذ بالفرار في الوقت المناسب وأكبر مثال على ذلك ما حدث في تاهيتي على إثر سقوط بيبي دوك وفي الفلبين على إثر سقوط الطاغية ماركوس وفي إيران على إثر سقوط الشاه.

تبريرات

يلجأ كثير من الأنظمة المتسلطة إلى تعذيب المعارضين لنشر الرعب وتكميم الأفواه وللقضاء على أي معارضة مهما كانت وعندئذ يوصف المعارضون بحق أو باطل بالمخربين وبأنهم يعملون لزعزعة الأمن والنظام وكثيرًا ما كانت الأيديولوجيا هي المبرر للجوء إلى العنف ونشر الرعب مثلما فعل ستالين في روسيا فباسم الأيديولوجيا يمارس التعذيب وباسمها يوصف كل تعبير عن الرأي بأنه انحراف وخروج عن الطريق السوي مما يستلزم إعادة المنحرفين إلى الجادة وضمن هذا المفهوم ندرك لماذا كانت تقام معسكرات العمل في «الاتحاد السوفياتي» ومعسكرات «إعادة التربية والتوجيه» في فيتنام وغيرها من المعسكرات التي تقام تحت عنوان تقويم الاعوجاج وإصلاح المنحرفين والغاية منها أولًا وأخيًرا القضاء على أي فكر نقدي.

بعض الدول تقدم تبريرات أخرى للجوء إلى التعذيب حيث تعترف أن التعذيب هو إهدار للكرامة البشرية وانحدار بالإنسانية ولكنها تقول يجب تقديم مصلحة الدولة ومصلحة المجتمع أحيانًا على هذه الكرامة وهذه الإنسانية وهذه النظرة تقوم على سلم أولويات بالنسبة للمبادئ الأساسية وقد تظهر لأول وهلة مقنعة غير أن المدافعين عن الكرامة الإنسانية والمعارضين معارضة مطلقة للتعذيب بجميع أشكاله وفي كل الظروف وكل الأحجام وتحت كل المسميات يقولون كيف يمكن المجتمع أن يبني نفسه ويحافظ على كيانه بالاعتماد على أسس من الاضطهاد؟ وأي سلطة يمكن أن تنسى إلى هذا الحد أنها تستعمل نفس السلاح الذي يحاول الآخرون تحطيمها به وبالتالي فإن نحن دخلنا في منطق الارهاب نكون قد قدمنا له أكبر نصر بأن بينا له عجز الديمقراطيات عن استعمال وسائل غير وسائله. ويضيف أصحاب هذا الرأي بأن أي ثغرة تفتحها في هذا المجال لا بد أن تتسع فنقع فيما نحرص على الابتعاد عنه وتجنبه.

واجب الإسلاميين

لا شك أن المناضلين الإسلاميين هم أكثر الفئات التي تعرضت في عالمنا الإسلامي إلى القمع والاضطهاد والتعذيب وكثير منهم قضى نحبه على أيدي الجلادين وبعضهم لا يزال يقبع في الأقبية والسجون لا لشيء إلا لأنهم كانوا دائمًا يقودون حركات التغيير ويطالبون بالحرية والعدل والمساواة ويتقدمون الثائرين على الظلم والجبروت سواء في العهود الاستعمارية أو فيما بعدها في ظل بعض الأنظمة المستبدة ومن المفارقات العجيبة أن يتهم الإسلاميون بالإرهاب في حين كانت كل أشكال الإرهاب تسلط عليهم لإسكات أصواتهم ولذلك فهم أولى من غيرهم برفع أصواتهم للدفاع عن حقوق الإنسان مستلهمين ما جاء به نبيهم صلى الله عليه وسلم من مبادئ التسامح والعدل والمساواة وما جاء به دينهم الحنيف من حفظ للحريات وفي مقدمتها حرية العقيدة قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: 256) وقال أيضًا: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: 6).

والحرية هي تقديس الكرامة البشرية قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾(الإسراء: 70) إن من واجب الإسلاميين في بلادهم وخارجها أن يعطوا معركة الدفاع عن حقوق الإنسان بعدًا وأن يضموا أصواتهم إلى أصوات كل الذين يخوضون هذه المعركة حتى يقتلعوا ما ترسب في أذهان البعض من اقتران باطل بين التعصب والإرهاب من جهة والدين من جهة أخرى. وأن خوض معركة الدفاع عن حقوق الإنسان وكسر الصمت الذي يلف ممارسات التعذيب في البلاد الإسلامية بالإضافة إلى كونه عملًا إنسانيًا ودينيًا وأخلاقيًا مطلوب من الجميع فهو يسهم إلى حد كبير في ضرب أيديولوجية الدكتاتورية ومحاصرتها والانتصار عليها وبالتالي تحقيق الأهداف الكبرى التي اعتقل من أجلها المناضلون والأحرار وعذبوا. إن أهم مرتكزات الأنظمة الديكتاتورية القمعية بث الخوف والمحاصرة عن طريق الإسكات إسكات المناضلين في السجون وإسكات الجماهير خارجها. 

إن أخشى ما يخشاه المتسلطون هو انطلاق الكلمة الحرة المدوية بعد فك عقدة الصمت ولقد أثبتت التجارب في أنحاء كثيرة من العالم أنه بقدر ما تعلو الأصوات للممارسات اللاإنسانية وتتكاثر وتتعزز يسجل النضال من أجل حقوق الإنسان وكرامة البشر الانتصار تلو الانتصار ولكن من يجرؤ على فك عقدة الصمت ويرفع صوته عاليًا ليستنكر التعذيب والقمع المجاني؟؟ تلك هي القضية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

523

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

582

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8