; ذكرى المولد النبوي الشريف.. محطة سنوية للتأمل والحساب والمراجعة | مجلة المجتمع

العنوان ذكرى المولد النبوي الشريف.. محطة سنوية للتأمل والحساب والمراجعة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1981

مشاهدات 87

نشر في العدد 512

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 20-يناير-1981

ودار الزمن دورته، وهل هلال ربيع الأول للعام الأول من القرن الخامس عشر الهجري، يحمل معه الأريج الطيب الزاكي لذكرى مولد النبي الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فأكرم بها من ذكرى، وأطيب بها من مناسبة! وأعظم بصاحبها المختار الذي كان مولده إيذانًا بمولد خير أمة أخرجت للناس، مثلما كان إرهاصًا بهزيمة الجبارين في الأرض من فرس وروم... في ذلك الزمان.

أي خير أهل مع هلال ربيع الأول في عام الفيل؟! ذاك الذي تذكره جيدًا مكة وأهلها- خاصة– حيث ارتد- عن بيت الله الحرام- ذلك المعتوه أبرهة منهزمًا مقهورًا بعد أن جاءها مفتخرًا مغرورًا؟ وأي إرهاص بما سيكون جاءت به البشري بولادة محمد صلى الله عليه وسلم؟! فتصدع إيوان كسرى، وغاضت مياه «ساوة»، وانطفأت نيران المجوس!!

ألا إنه الخير العميم والرحمة المهداة يملآن الأفاق، ويردان الإنسانية الحائرة المتعبة في هجير العقائد والأفكار إلى واحة الإيمان ورياض العقيدة الصحيحة السمحة.

نذكر كل هذا في كل عام، فتزيدنا الذكرى تمسكًا بصاحبها الكريم، وبما جاء به من حق وعدل ومساواة، ذلك أنها مناسبة عظيمة لمراجعة النفس وحساب العطاء والجني خلال عام كامل، ولمثل هذا المعنى النبيل الكريم رأى المسلمون المتأخرون أن يحتفلوا بهذه المناسبة الكريمة.

وهنا لا بد من وقفة صغيرة.. للرد على تساؤلات قد تعرض في هذا المقام، منها أن بعض المسلمين يرى في الاحتفال هذا بدعة يجب تركها؛ لأنها لم تؤثر عن صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، وهذا صحيح، ولكن المنع لم يرد صراحة، فلا بأس– إن شاء الله– من أن نقيم من هذه الذكرى الكريمة مناسبة للتذكير بفضل النبي- صلى الله عليه وسلم- وعظمة رسالته الخاتمة، والحث على متابعته فيما جاء به أمرًا ونهيًا، والعمل على التطبيق التام لشريعته الغراء، ويقتضي الإنصاف منا أن نعترف بأن كثيرًا مما يجري في هذه المناسبة الكريمة في بعض البلدان الإسلامية ليتنافى مع جلال الذكرى، وشرف صاحبها عليه الصلاة والسلام، ولذلك فهو حرام بلا شك، والفاعلون مأزورون لا مأجورون!!

أما وقد جاءت هذه المناسبة في بداية القرن الجديد، فلا شك أن لها معنى خاصًا يخيم فيها، ويبعث الناظر إليها على التفكر والتدبر، فيرى أن ذكرى المولد الكريم تعود هذا العام والأمة الإسلامية على نية أن تضع قدميها على بداية الطريق الموصلة إلى العزة والكرامة، باستئناف الحياة الإسلامية، والعمل على العودة إلى تحكيم كتاب الله في كل الأمور.

ولكنها تعود وبعض الأجزاء من وطن الإسلام الكبير واقع تحت الاحتلال الخارجي أو الداخلي، يئن من ثقل الضغط الرهيب؛ فلا يجد له من ذاك ملجأً إلا الله!!

وهي تعود فتجدد من عزيمة المؤمنين المجاهدين المصابرين المرابطين على ثغور الإسلام في بلاده، وتشد من أزرهم، وتذكرهم بما قدم صاحب الميلاد نفسه من تضحيات جسام وعطاءات عظام من أجل إقامة هذا الصرح العظيم الذي تستظل بظله الآن ملايين المسلمين في كل بقاع الأرض.

ولذلك، فإن على مسلمي القرن الخامس عشر واجبات ضخمة تلزمهم الأمانة النبيلة بأن يؤدوها على وجهها الأكمل، وفاءً لما قدم نبيهم الكريم لهم وللعالم وللإنسانية جميعًا!! فمنذ ميلاده- عليه السلام- كانت تتوالى الإرهاصات فالبشارات فالدلائل في المعجزات على أن شيئًا عظيمًا سيحدث، ويغير وجه العالم القديم من قتامة الجاهلية الأولى إلى صباحة الإسلام الحنيف.

ولأن المسلمين يواجهون الآن الجاهلية الثانية، وهي أشد وأعتى لأنها تقدم ضلالها في ثوب من علم مدعى، وتقدم مزعوم، يدعم ذلك كله قوة طاغية باغية، وأطماع دنيئة شرهة لابتلاع العباد والبلاد، وكبت الحريات، وسحق العقائد المخالفة!!

لأن المسلمين يواجهون ذلك كله، فإن عليهم أن يرتفعوا إلى ذروة سامية تكافئ تلك الذرا الباغية في القوة والاقتدار، وتفوق عليها نبل المقصد وسمو الأساليب، وإلا كيف يفترق مؤمن وكريم عن كافر ولئيم؟!

فإذا نظرت كيف أخذ محمد بن عبد الله اليتيم الأمي الفقير الوحيد-لكنه الصادق الأمين، القوي بالله المعتمد عليه- كيف أخذ يواجه تلك الجاهلية بالحلم والحكمة والموعظة الحسنة والقدوة السامية، إلى جانب الإعداد والتحضير للمواجهة الدامية... لعلمت أي تدبير عظيم كان عليه، وأي توفيق كريم كان نصيبه، وأي تأييد مبارك كان يأتيه من لدن حكيم خبير.

وإذا أدرك المسلمون ما كان عليه نبيهم، وفهموا الدرس الخالد الذي أعطاه أكرم المعلمين، وتابعوا السير على خطته الكريمة؛ لوصلوا إلى غاياتهم راشدين موفقين بإذن الله.

إن للمولد النبوي الشريف لعبرًا جمة لو أبصر العاقلون، وعقل المبصرون، وإن له لإيحاءاتٍ كثيرة، وتفرضها واقعة المولد نفسها، لما حصل فيها من دلائل أوردتها كتب السيرة، ناهيك عما لحق بها من مواقف مختلفة في مسيرة حياته- صلى الله عليه وسلم، وكلها تدل على أن من كان مع الله كان الله معه، ومن حرسته العناية الآلهية كانت مخاوفه كلها أمانًا، وإن الله حكمة في كل ذلك.

وتعود ذكرى المولد هذه الأيام، والعالم كله يتطلع إلى هذه الرسالة التي جاء بها صاحب الذكرى- عليه الصلاة والسلام- يلتمس فيها ما افتقده في غيرها من الدعوات والمبادئ، وتعود ذكرى المولد، لتخيم بمعانيها الكريمة على مستويات ثلاثة:

1- محليًا: إذ يشهد مجتمعنا في الكويت تحولات ظاهرة، ومحاولات خفية، ففي الأولى نرى الاستعدادات الكثيرة للعودة إلى الحكم النيابي، واستئناف الحياة االديمقراطية في ظل إرادة شعبية تتمثل في مجموعة النواب الذين سينتخبهم الشعب، ونأمل أن يكونوا على مستوى الأمانة التي وكلت إليهم، فيراقبوا الله فيها.

وفي الثانية: نستنبط الدوافع الخفية، وتتلمس النوايا الخبيثة للجهات المتآمرة التي تسعى إلى تعكير الجو الهاديء لبلدنا الآمن، تريد بذلك أن تحول استقراره إلى فوضى وخراب، وأمنه إلى تهلكة وخوف، من أجل مطامع خارجية، وتحقيقًا لأهداف استعمارية لا تخفى! ولكننا– بعون الله– مقابل ذلك كله نتفاءل، ونستمد من ذكرى المولد قوة لمواجهة هذه الهجمة الفاجرة.

٢- إسلاميًا: وعلى هذا المستوى تطل الذكرى الكريمة، فترى لكل بقعة إسلامية همًّا تشغل به، وقضية تعمل لها، تتراوح من أدنى السلم الحضاري إلى أعلاه، فهناك دول ما تزال تحت السيطرة الاستعمارية الخارجية، ودول أخرى تحت سيطرة الإرهاب الداخلي، وتلعب الرياح الخارجية شدًا وجذبًا وتمزيقًا في دول أخرى كثيرة، بعضها ما يزال يحبو في أول طريق التحرر، وبعضها ينتكس من بعد قيام إلى أردأ حفرة يحفرها حاكم مستبد لشعبه المستضعف!! إنها جميعًا أشبه براحة كف ضخمة، حفرت فيها الأخاديد أعماقًا هائلة، وملأتها الندوب والجروح مآسي وآلامًا، وعلى هذه الصورة تطل ذكرى أول مولد في هذا القرن.

فهل يدرت البوادر وظهرت النوايا المخلصة لتغيير هذا الواقع الأليم؟! إننا نستمد من هذه الذكرى آمالًا وعزائم لإيجاد هذا التغيير المنشود والمستعان بالله.

٣- عالميًّا: وعلى المستوى العالمي ما يزال المراقب المسلم يرى للجبارين الأعظمين دورًا فعالًا مؤثرًا في مصائر كثير من الشعوب المستضعفة، ويحز في نفسه أن يرى أيضًا اتفاقهما على اقتسام النفوذ في مناطقها، لامتصاص خيراتها وكبت تطلعاتها!! ويرى دولًا أخرى على هامش الجبارين تتعلق بهما تبعية أو تتبعهما منفعة، رهبة ورغبة، ويرى الدول الإسلامية تكاد تنتثر تحت أقدام الجميع استغلالًا وطمعًا!!

فهل أدرك المسلمون– وذكرياتهم الضخمة العظيمة ما تزال تعاودهم كل حين– ما يراد بهم؟ وهل أدركوا قبلها كنه حقيقتهم، ومدار عزتهم؟! أم لذ لهم المنام والأقوام كلهم قد أفاقوا على تقدم وقوة؟!

إننا لنرجو لأمتنا أن تكون هذه الذكرى محطة كل عام للتأمل والحساب والمراجعة؛ لتنطلق من بعدها عائدة إلى ساحة الحضارة تثبت وجودها فيها، وهل أجل وأكرم من ذكرى الميلاد لتكون ميلادًا حقيقيًا للأمة الإسلامية؟! فيا أيتها الذكرى الكريمة العطرة، إننا ما نزال في تشوق وحنين- كلما عاودنا ذلك اليوم المبارك الثاني عشر من ربيع الأول– إلى العودة إلى المعاني الجليلة التي جاءت بها، وتشرفت الدنيا باستقبالها، معاني المحبة والرحمة والهداية للعالمين.

ويا صاحب الذكرى الكريم سيدنا محمد بن عبد الله، صلى الله عليك وسلم، إننا ما نزال في ذكرى يوم مولدك الكريم في عيد دائم متصل، نعيش تلك المعاني النبيلة التي أرسلك الله بها، وشرفت الوجود بسموها وعظمتها، وإننا ما نزال نحيا على الأمل بعودتها حية من جديد، تعود فتحيي موات النفوس، وتوقظ هاجع الأماني..

 ويا خاتم الأنبياء، وسيد المرسلين، ليس لنا في الختام إلا أن نردد مع القائل:

يوم ميلادك الكريم لنا عيد *** فقد أشرق الوجود وعيد 

سطر الخلد في صحائف مجدًا *** ليست تبلى لأنها بك أخلد

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل