العنوان أسطورة الجيش الذي لا يقهر وحقائق التاريخ
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 26-أغسطس-2006
مشاهدات 84
نشر في العدد 1716
نشر في الصفحة 5
السبت 26-أغسطس-2006
أفرزت الحرب الصهيونية الأخيرة على لبنان العديد من النتائج والدروس المهمة، التي سيقف أمامها الخبراء الاستراتيجيون والمحللون.. لكن النتيجة الأهم التي ينبغي التوقف أمامها طويلًا من قبل الحكومات والشعوب العربية والإسلامية هي: تبدد أسطورة الجيش الذي لا يقهر على أيدي مقاومة شعبية تمتلك أسلحة وعتادًا حربيًا بسيطًا بالمقارنة بالعتاد الضخم والأسلحة المتطورة التي يمتلكها العدو الصهيوني.. كما أثبتت هذه الحرب أن الآلة العسكرية الكبيرة والحديثة ليست هي عامل الحسم الوحيد في المعارك، وأن إمكانية الانتصار العربي على الصهاينة واردة وليست معجزة أو أمرًا خياليًا، كما ظلت وسائل الدعاية الصهيونية تروج وتدعي.. وصدقها المنهزمون والمتقاعسون.
إن حقائق التاريخ تؤكد أن انتصارات الكيان الصهيوني في الحروب السابقة مع الجيوش العربية جاءت كلها بسبب الفساد المستشري في هذه الجيوش، وسوء إعدادها وضعف تسليحها، وتواطؤ بعض الحكومات مع الصهاينة.. ففي حرب عام ١٩٤٨م لقيت الجيوش العربية أول هزيمة أمام العصابات الصهيونية بسب الخيانات والتواطؤ من بعض الحكام الذين سلحوا جيوشهم بأسلحة فاسدة، ودفعوا بها إلى الحرب دون إعداد وتدريب.
وتؤكد حقائق التاريخ أيضًا قيام النظام المصري في ذلك الوقت بتصفية المقاومة
الإسلامية الشعبية، ومحاولة القضاء عليها بعد أن تمكنت من تحقيق انتصارات كبيرة ضد العصابات الصهيونية وتحرير مناطق واسعة من أيدي الصهاينة، بل وتمكنها من الوصول إلى القدس، وحصار أكثر من مائة ألف صهيوني فيها كادوا يموتون جوعًا وعطشًا.. ولولا قبول الدول العربية للهدنة التي فرضها مجلس الأمن في ٢٩ مايو عام ١٩٤٨م لهلك هؤلاء الصهاينة، الذين قال عنهم القنصل الأمريكي بالقدس في ذلك الوقت: إن قرار مجلس الأمن الذي فرض الهدنة الأولى هو وحده الذي خلص اليهود وحال دون سحقهم، ووصف مناحم بيجين هذا القرار في تصريحات نشرتها صحيفة الحياة في ٢٨ ديسمبر عام ١٩٤٨م - هذه الهدنة بأنها أنقذتهم من فضيحة كبرى. ووصفها بعض القادة العرب «المخلصين»، الذين شاركوا في تلك الحرب بـ «الجريمة الكبرى».
ثم تلى ذلك سحب المجاهدين من الإخوان المسلمين من فلسطين بواسطة حكومة النقراشي، والزج بهم في السجون، وحل الجماعة، ثم قتل مؤسسها ومرشدها حتى تخلو الساحة أمام المشروع الصهيوني.
وفي عام ١٩٦٧م وقعت الكارثة الكبرى حيث هزمت قوات العدو الصهيوني ثلاثة جيوش عربية في ستة أيام، ولم يكن ذلك إلا بسبب الفساد الذي استشرى في تلك الجيوش، وسوء إعدادها، وضعف تسليحها، وعمالة قادتها، وانحرافهم الأخلاقي، مما مكن الصهاينة من النصر دون قتال حقيقي.
وفي العاشر من رمضان ١٣٩٣هـ - السادس من أكتوبر من عام ١٩٧٣م عندما تم إعداد الجيش المصري إعدادًا جيدًا.. على تقوى من الله، وبتسليح وتدريب على مستوى عالٍ، وسط تضامن عربي رسمي وشعبي غير مسبوق، استخدم فيه سلاح البترول ضد الانحياز الغربي... هنا حقق العرب نصرًا على الجيش الذي لا يقهر.. لكن مفاوضات الصلح والتطبيع ضيعت هذا النصر الكبير.. لتعيش الأمة فترة من أضعف فتراتها، وسط أوهام ما يسمى بـ «مسيرة السلام» حيث دخل عدد من الدول العربية في اتفاقيات تطبيعية وتبادل للسفراء، معلنين أن السلام خيار إستراتيجي !! ومعترفين أكثر من مرة بعدم قدرتهم على الدخول في حروب مع الكيان الصهيوني.. وانفتح المجال على مصراعيه أمام الدعاية الصهيونية الكاذبة، التي أخذت ترسخ في الوعي العربي نظرية الجيش الذي لا يقهر.. حتى وقعت الحرب الأخيرة في لبنان، ليتفاجأ الجميع بكذب تلك النظرية، إذ لم يتمكن ذلك الجيش بعتاده، وطائراته، وصواريخه، ودعم الولايات المتحدة والغرب عمومًا من تحقيق أي تقدم أمام مقاومة شعبية متواضعة التسليح.. وعاد الجيش الذي لا يقهر من حيث أتى يجر أذيال الهزيمة.
ومن هنا .. فإن العالم العربي والإسلامي مطالب باستثمار هذه النتائج المهمة لتلك الحرب، التي يحاول الإعلام الغربي والصهيوني إخفاء معالمها، وأن يبني خططه المستقبلية على هذه النتائج، وأن تكون تربية الشعوب وإعداد الجيوش على تقوى من الله وعلى قيم الإسلام ومبادئه التي ترسخ العقيدة وتشحذ الإيمان وتصنع قوة لا تعادلها قوة.. قوة تصنع المعجزات، كما حدث في بدر والخندق والأحزاب.. قوة تقهر الجبابرة، وتبدد أساطير الجيوش التي لا تقهر إلى غير رجعة إن شاء الله.
﴿ وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾ (الإسراء: 6:4)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل