العنوان العولمة تضع الإنسانية في خدمة الرأسمالية الجائرة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1999
مشاهدات 56
نشر في العدد 1337
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 09-فبراير-1999
لئن كان بعض المؤتمرات الماضية للمنتدى الاقتصادي العالمي يستدعي الوقوف والتأمل فيما طرح منظموه من أفكار، وما كان فيه موضع نقاش، وما جرى على هامشه من مبادرات وعقد صفقات، خاصة ما ارتبط منها بالشرق الأوسط- فإن آخر جولة عالمية -من تلك الجولات في بلدة دافوس السويسرية في نهاية يناير المنصرم- تستحق وقفة تأملية طويلة، لندرك ما وراء العنوان الرئيس الضخم الذي اختير له بطرح ظاهرة العولمة، للبحث والمناقشة بحضور زهاء (۱٥۰۰) شخصية عالمية من بينها رؤساء دول وحكومات ومسؤولون كبار ورؤساء شركات دولية ضخمة.
لقد انعقد مؤتمر دافوس على الأرضية الرأسمالية الغربية، وإن حمل عنوان «المؤتمر العالمي» وطرح المشكلات بمنظور رأسمالي غربي مهيمن، وإن تردد حديث هامشي عن مشكلات العالم المتخلف، وبحث الحاضرون في السبل التي تحول دون أن تسبب أزمة كأزمة جنوب شرق آسيا ضررًا يلحق بالنمو الاقتصادي العالمي؛ أي بحجم أرباح الشركات والمصارف المالية والدول الكبرى التي تنتمي إليها، وإن ورد كثير من ذلك تحت عنوان «حرية التجارة الدولية» أو عنوان «دفع الأضرار عن الإنسان وعن الأسرة البشرية» وما شابه ذلك من العناوين المضللة.
وبالرغم من وجود عدد من المسؤولين السياسيين والاقتصاديين من بعض البلدان النامية، يبقى أن اجتماع دافوس كان في مجمله اجتماع الطبقة المنتفعة مباشرة من ظاهرة العولمة، وقد يتبع ذلك بعض من يعتقدون خطأ بأن مجرد الارتباط بالمنتفعين يكفي، ولكن من العسير أن نجد من كانت مشاركته مقترنة بأمل حقيقي في تحقيق الفائدة لغير العالم الرأسمالي، أو في تحقيق أسباب الحياة الكريمة للفرد الفقير في عالمنا المعاصر.
لم تنقطع في السنوات القليلة الماضية التقارير والبحوث والدراسات على أعلى المستويات، بما في ذلك ما صدر عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بصدد أن ما تحقق من تحرير التجارة عالميًا عن طريق اتفاقية «جات» الأخيرة والمنظمة العالمية للتجارة- إنما جاء ليزيد الدول الفقيرة فقرًا بمقدار ما كان يزيد الدول الثرية ثراء جنبًا إلى جنب، مع اتساع هوة الفقر والثراء داخل الدولة الواحدة، ومع ذلك يأتي في مؤتمر دافوس من يشتكي من تراجع حركة التصدير في عام ١٩٩٨م، ويطالب بفتح مزيد من الأسواق الاستهلاكية، وإلغاء البقية الباقية من الحواجز التجارية والمواقع الجمركية في مختلف بلدان العالم، بل ومن يردد الحديث عن ضرورة وقف تقديم القروض الإنمائية بصورة نهائية للدول النامية، ليكون البديل الإجباري عن ذلك فتح الأبواب أمام الاستثمارات الأجنبية.
لم يعد أهل «العولمة» أنفسهم يتحدثون عنها إلا من زاوية أن «البقاء للأقوى» مع الدعوة لإسقاط الفواصل والحدود، وتبدأ الضغوط من جانب «الأقوى» كلما ظهرت أي معالم للمقاومة، وقد تأتي تلك الضغوط في الميدان المالي في صورة مضاربات كبرى كما جرى تجاه «النمور» في جنوب شرق آسيا، أو في الميدان الاقتصادي في صورة حصار يحظر الحصول على بعض التقنيات المتطورة، فضلًا عن الضغوط المتصاعدة في الميادين العقدية والفكرية والثقافية، وهو ما شهد تصعيدًا كبيرًا من خلال عدد من المؤتمرات العالمية العملاقة، وما تزال العجلة تدور في الاتجاه نفسه.
ولا يعني التحذير من العولمة إغلاقه الأبواب في وجهها نهائيًا، بل يعني الرؤية الموضوعية لحقيقة المخاطر الكبيرة، والتعامل معها على هذا الأساس جنبًا إلى جنب، مع بذل الجهود للاستفادة من الوسائل التي تتيحها ظاهرة العولمة، ونحن نستغرب أن فريقًا ممن يوصفون بالمثقفين والمفكرين العرب يعثيون على فريق آخر، ويهاجمونه ويتهمونه بالغوغائية والسطحية عندما يحذر من مخاطر ظاهرة العولمة، لا سيما عندما يقول التحذير إن العولمة اتخذت صيغة «الأمركة»، وأنها تجاوزت الميادين الاقتصادية والمالية، وهي خطيرة إلى ميادين أخرى أشد خطرًا بسبب تأثيرها على التوجهات الفكرية والثقافية والسلوكية، وصولًا إلى «مصانع الأفكار والمشاعر» بعد مصانع المنتجات المادية والتقنية.
ظاهرة العولمة بدأت تقسم العالم تقسيمًا جديدًا، فإن صح في النصف الثاني من القرن الميلادي العشرين القول بوجود شرق وغرب وعالم ثالث، أو وجود شمال وجنوب، أو عالم متقدم وعالم متخلف- فإن مسيرة العولمة ستقود إلى تقسيم طبقي خطير، قوامه «أعلى وأسفل»، ويشمل البشرية ككل، مثلما يشمل مواطني البلد الواحد، وهذا بالذات في مقدمة المخاطر التي بدأ البعض في الغرب يدركها، ويحمل عمالقة المال والأعمال المسؤولية عنها.
مقابل تلك المواقف المحذرة من ظاهرة ولدت ونشات وترعرعت في صميم الفكر الرأسمالي الغربي، نستغرب محاولات التهوين من شأن مخاطر العولمة، والدعوة إلى فتح الأبواب على مصراعيها أمامها، ناهيك عن الممارسة العملية لذلك، ذاك بعض ما يؤديه المرتبطون بالغرب أكثر من الارتباط بمقومات وجود أمتهم وبلادهم، بل ليس في الغرب الذي يتبعونه من يصنع صنيعهم، فلا نجد مثل ذلك الولاء يصدر عن غربي فرنسي تجاه أمريكا، ولا أمريكي تجاه فرنسا، ولا ألماني تجاه بريطانيا، ولا بريطاني تجاه أي دولة غربية أخرى، فكأن بعض المتغربين في البلدان العربية والإسلامية بات أشد ولاء لتوجهه الغربي ولعولمة الغرب الأمريكية من ولاء الغربيين أنفسهم لأفكارهم الذاتية، ولأوضاعهم ولعولمتهم، وتلك إحدى الرزايا التي ابتلينا بها في بلادنا.