العنوان وتستمر ازدواجية الغرب ما بقي ميزان القيم عنده مختلًا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-2000
مشاهدات 72
نشر في العدد 1389
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 22-فبراير-2000
لا يزال الغرب يقدم كل يوم دليلاً جديدًا على ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين ورفع الشعارات البراقة الخادعة التي لا يستطيع ساسة الغرب وحكامه الوفاء بها.
آخر تلك الأمثلة تصريحات السكرتير العام لحلف شمال الأطلسي جورج روبرتسون التي بشر فيها العالم بإمكان تكرار العمليات العسكرية التي قام بها حلف الأطلسي ضد الصرب في مناطق أخرى من العالم. إذ قال روبرتسون: ما فعلنا في كوسوفا لن يقتصر على نظام الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسوفيتش ويمكن أن يتكرر مع أنظمة دكتاتورية أخرى في العالم، بغية وضع حد لجرائمهم بحق شعوبهم، ولتثبيت مبادئ الحق والشرعية وحقوق الإنسان».
روبرتسون الذي كان وزيرًا للدفاع في بريطانيا أثناء حملة الأطلسي على صربيا، ثم تولى منصبه الأطلسي مؤخرًا، يضيف إلى ما سبق قوله: لقد قدم قتال كوسوفا صيغة ونموذجًا للشعوب العديدة في العالم بأن فرض القانون الدولي والحقوق الإنسانية أهم من تواجد أنظمة دكتاتورية تمارس الإرهاب والعنف ضد شعوبها، وتنتهك حقوق الإنسان مستعينة بصيغ باهتة من السيادة الوطنية. ويكمل روبرتسون تصريحاته الخطيرة بقوله: إن الأنظمة الدكتاتورية الحاكمة في دول كثيرة ينبغي أن تعاقب وتمنع من انتهاج أساليب تقوم على مبادئ وأسس المصلحة الراهنة».
هذا ما قاله الأمين العام لحلف الأطلسي في مؤتمر صحفي عقب زيارته لبلغاريا، وفي الأسبوع نفسه كان روبرتسون ذاته يقول كلامًا آخر في حديثه لمجلة «درشبيجل» الألمانية. فقد رفض تشبيه القتل والدمار الذي تقوم به القوات الروسية في الشيشان بالممارسات التي قام بها النظام الصربي في كوسوفا، على الرغم من أن ما يحدث في الشيشان يفوق ما حدث في كوسوفا.
وهو في المقابل يتهم المجاهدين الشيشانيين الذين يصدون الهجوم الروسي على بلدهم بأنهم إرهابيون، ويبدي تفهمه للأسباب التي دعت روسيا للاعتداء على الشيشان، وينفي حدوث مجازر جماعية في الشيشان، ثم هو يدعو الشعب الشيشاني إلى الخروج على النظام الشرعي القائم، وإنشاء مؤسسات جديدة لا تطالب بالاستقلال عن موسكو.
أما لماذا يدافع أمين عام حلف الأطلسي عن روسيا، فذلك ما يكشفه جانب آخر من تصريحاته في بلغاريا، حيث قال: «من المستحيل تحقيق الاستراتيجية الأمنية الجديدة في أوروبا بدون روسيا»، وهذا ما يعني بقول آخر: إنه لا بد من استرضاء روسيا والموافقة على جرائمها في الشيشان حتى توافق على تحقيق الاستراتيجية الأمنية للأطلسي في أوروبا.
فأين هي مبادئ الحق والشرعية وحقوق الإنسان التي يزعم روبرتسون أن الحلف يسعى لتثبيتها؟ كيف لا يكون قتل المدنيين الآمنين وكبار السن والنساء والأطفال أثناء الهجوم على العاصمة الشيشانية جروزني ثم بعد انسحاب المجاهدين منها انتهاكًا لحقوق الإنسان؟
وما مفهوم إرهاب الشعوب واستخدام العنف ضدها والديكتاتورية إذا لم يكن ما يحدث في الشيشان أسوأ صوره الراهنة؟
لقد زجت القيادة الروسية بجنودها في معركة راح ضحيتها الآلاف من الروس، وضاعت المليارات من الدولارات في بلد تعاني خزائنه من الإفلاس، فهل تم ذلك برضا الشعب أم بسلطة الديكتاتورية؟
سوف تتكرر تصريحات روبرتسون وأمثاله في الغرب وسوف يستمر رفع الشعارات البراقة الخادعة دون مضمون حقيقي طالما بقيت السياسة عندهم تفتقر إلى المرجعية الأخلاقية، وطالما عرفوا السياسة على أنها فن الممكن- ما يمكن الحصول عليه بأي طريقة وبأي ثمن- وطالما بقيت السياسة بعيدة عن الأخلاق- الغاية فيها تبرر الوسيلة- وطالما كانت فلسفة الحياة كلها عندهم متمركزة حول المادة، مفتقدة إلى منظومة قيم إنسانية تحكم جموحها وتمنع جنوحها.
لقد أعلن وودرو ويلسون، الرئيس الأمريكي الثامن والعشرون، مبادئه الأربعة عشر في أعقاب الحرب العالمية الأولى، والتي ساهمت في إنشاء عصبة الأمم المتحدة، فماذا كانت النتيجة؟ حرب عالمية ثانية بعد عقدين فقط من الزمان. بل استمر التمييز قائمًا داخل الولايات المتحدة نفسها بين السود والبيض والملونين، وهو مستمر حتى اليوم بين مجتمع الصفوة الغني وعموم الناس.
كما أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش عن قيام النظام العالمي الجديد في أعقاب حرب تحرير الكويت، فماذا كانت النتيجة؟ نظام عالمي شرس يستهدف سحق الضعفاء وإفقادهم ما بقي لديهم من عناصر القوة والنمو، وتحويل كل أسباب القوة ومراكز الثروة نحو الشمال الغني وحده.
إن النظام الدولي الذي يدعو له الغرب ينتشر كما نرى بالقنابل الحارقة والصواريخ الفاتكة. يفعل ذلك دعاته ومروجوه وقادته ومسؤولوه، ثم يزعم هؤلاء أن الإسلام هو الذي انتشر ويريد أن ينتشر بالسيف (مع ما في هذه المقولة من بطلان وزيف) وأنه بعد القضاء على الشيوعية أصبح الإسلام هو العدو الأول، كما سبق وصرح بذلك الأمين العام السابق لحلف الأطلسي، وأن الصراع المقبل بين الحضارات سيكون بين الإسلام والغرب كما زعم صمويل هانتنجتون.
لقد ابتعث الله المسلمين ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، أي ليحرروا الناس من الطغاة والمستبدين والضالين المضلين، ثم يتركوا الناس بعد ذلك أحرارًا في اختيار عقيدتهم. وهم حين تتاح لهم فرصة الاختيار، فلن يجدوا سوى الإسلام لأنه نداء الفطرة وهو دين العدل والخير الذي يرفض الظلم ولا يقبل الظالمين.
أما إخواننا في الشيشان الذين خذلهم العالم وتآلبت عليهم قوى الشر وظاهرت عدوهم، وسكت عن نصرتهم أكثر إخوانهم المسلمين، فنقول لهم:
﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (آل عمران: 107)، ونقول لأعدائهم: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (آل عمران: 178).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل