العنوان العمل الخيري .. جزء من رسالة الإسلام العالمية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مايو-2000
مشاهدات 64
نشر في العدد 1401
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 23-مايو-2000
قبل أيام اختتمت الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية أعمال جمعيتها العمومية السابعة واحتفلت بافتتاح مقرها الجديد الذي هو بحق صرح كبير في خدمة العمل الخيري في الكويت وخارجها.
وقد شارك في اجتماعات الهيئة رؤساء، ورؤساء حكومات، ووزراء سابقون، ومسؤولون وعلماء ورجال دعوة وفكر من جميع أنحاء العالم شهدوا بما قدمته الكويت للعمل الخيري ورأوا قيام ذلك الصرح الكبير الذي كان لسمو أمير الكويت اليد الطولى في دعمه، وكذلك محبي الخير من البلد المعطاء، وقد غادر هؤلاء بعد أن أصبحوا سفراء الكويت في أقطارهم يشيدون بما يقدمه أهلها وما تبذله حكومتها من مساعدات، ويرفعون اسم الكويت عاليًا في العالمين.
ومنذ تأسيسها قبل أربعة عشر عامًا، بذلت الهيئة جهودًا كبيرة داخل الكويت وخارجها حتى أصبحت واحدة من قلاع الخير الإسلامية في العالم.. تعمل من أجل المسلمين في شتى أرجاء المعمورة، بل من أجل الإنسانية بعامة، دون تمييز استجابة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم «في كل كبد رطبة أجر».
لقد هيأ الله لهذا العمل رجالًا على رأسهم الشيخ الفاضل يوسف جاسم الحجي الذي يرأس أيضًا لجنة الإغاثة الكويتية المشتركة التي تنضوي تحتها اللجان الخيرية بالكويت، فبذل من وقته وجهده وماله الكثير حتى تبوأت الهيئة هذه المكانة المرموقة وانطلق بها نحو تحقيق رسالة الإسلام السامية للبشرية جمعاء.
إن الدافع الأول وراء قيام هذه الهيئات والجمعيات الخيرية وانطلاقها لنشر الخير في كل مكان، إنما هو العقيدة الإسلامية؛ العقيدة التي تجعل الخيرية جزء من عقيدة الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم، ثم تمتد خيريته قولا وعملا لتشمل الإنسانية كلها، وعن القول يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ (النساء : 114)، كما أن في الحض على الإنفاق آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (الحديد: 7)، ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 274)، ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 134).
كما حفلت الأحاديث النبوية بالحض على تلك المعاني، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «… مَنْ كَانَ فِي حاجةِ أَخِيهِ كانَ اللَّهُ فِي حاجتِهِ، ومَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسلمٍ كُرْبةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بها كُرْبةً مِنْ كُرَبِ يوم القيامةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ الْقِيامَةِ» (متفق عليه).
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل سُلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: تَعْدِلُ بين اثنين صدقةٌ، وتُعِينُ الرجلَ في دابتِه فتَحملُهُ عليها أو تَرفعُ له عليها متاعَهُ صَدَقَةٌ، والكلمةُ الطيبةُ صدقةٌ، وبكل خُطْوَةٍ تمشيها إلى الصلاة صدقةٌ، وتُميط الأذَى عن الطريق صدقةٌ» (متفق عليه).
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إلى جارِهِ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، ومَنْ كانَ يُؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصمتْ» (رواه مسلم).
وقد وضع الإسلام صيغًا وصورًا للعمل الخيري حض عليها ودعا المسلمين للالتزام بها ونقلها من الإطار التوجيهي إلى الممارسة العملية سواء كانت في شكل زكاة أو صداقات أو غير ذلك من وجوه الخير والبر، وأمثلة العطاء الفردي والجماعي للمسلمين مسجلة عبر التاريخ.
ولا تزال الآثار تحكي قصة المعالم الوقفية من دور رعاية وسبل مياه ومستشفيات ومدارس ونزل ضيافة وتكايا وسائر الخدمات الاجتماعية والعامة التي بدأت بوقف الرسول صلى الله عليه وسلم من فيء خيبر، ثم توالت في عهد الصحابة إلى يومنا هذا.. حتى وجدنا من يتنازل عن كل ما لديه أو معظمه أو جزء كبير منه في سبيل الله وحتى وجدنا من يوقف جزءًا من ماله لرعاية البهائم والطير.
هذا الفكر في بنائه النظري والمفاهيمي وهذا النشاط في تطبيقاته المعاصرة يمثل إضافة حقيقية وإسهامًا في بناء رؤية عالمية للعمل الخيري يكون للمسلمين فيها السبق لأنهم أصحاب الرسالة وهم الذين يتعبدون الله بهذه الخدمات التي يقدمونها لعباده.
ومن فضل الله تعالى أن منَّ على الكويت بأن جعلها في مقدمة بلدان العالم الإسلامي التي تتبنى هذه السياسات فنشأت فيها اللجان الخيرية المختلفة وتعددت أنشطتها حتى شملت مختلف مناحي الحياة وانتشرت أعمالها في مختلف القارات، وقد أوغر هذا النجاح صدور قوم يتكلمون ولا يفعلون، ويمسكون ولا يجودون.. فقاموا يثيرون الزوابع حول العمل الخيري يريدون أن يصدوا عن سبيل الله ويبغونها عوجًا، ونشطوا ليوجهوا سهامهم ونصالهم إلى ثلة من أهل الخير، لكن تلك الأفعال والأقوال ما كانت لتوقف المسيرة أو تعطل حركتها، ولو أنصف أولئك المرجفون لما وسعهم إلا أن يمتدحوا تلك النشاطات التي تخدم المجتمع والدولة والإنسانية.
لقد ربط الله سبحانه وتعالى بين إنكار العقيدة وعدم الحض على إطعام المسكين، ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ (المدثر:42-47)، كما جمع بين الرياء ومنع المساعدة ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (الماعون:6،7)، وكفى بذلك زاجرًا لمن أراد أن ينزجر وواعظًا لمن أراد أن يتعظ.
وختامًا تتقدم المجتمع إلى الهيئة الخيرية العالمية الإسلامية ورئيسها الفاضل الشيخ يوسف جاسم الحجي بأطيب الدعاء والرجاء من الله بأن تحقق الهيئة أهدافها الإسلامية الخيِّرة وتستكمل رسالتها الإسلامية السامية: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: 105).