; رأي- الإسلام.. والنظريات الاقتصادية المعاصرة | مجلة المجتمع

العنوان رأي- الإسلام.. والنظريات الاقتصادية المعاصرة

الكاتب علي أوزاك

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1996

مشاهدات 55

نشر في العدد 1183

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 09-يناير-1996

الاقتصاد بمعناه العام، توسط في كل شيء، يعني المشي وسيطًا في كل الأمور، ومعناه الخاص: الاقتصاد في النفقة كما ورد في الحديث: «ما عال من اقتصد، ولا ندم من استشار»، والنظريات الاقتصادية كثيرة ومختلفة، وأنا أقف هنا عند الرأسمالية السوقية، وأقارنها مع النظام الاقتصادي الإسلامي.

 كان لكل نبي مهنة يجريها ويتكسب بها للصرف عليه كبشر في المجتمع، وكانت مهمة محمد ﷺ التجارة قبل النبوة وبعدها مدة ، وكان نبي الإسلام قبل أن يبعث يعيش في مجتمع نظامه الاقتصادي رأسمالية؛ لأن المجتمع الَّذي ولد وعاش فيه محمد عليه الصلاة والسلام كان يقر بملكية الفرد مع معاملة الرِّبَا المنتشرة؛ لأن ميزة الرأسمالية الأصلية هي الملكية، يعني أن الفرد في المجتمع يملك ويتصرف في ملكه كما يشاء، هذا هو الأساس الَّذي تًبْنَىَ عليه الرأسمالية عامة، أما الآن فإن السائد في العالم هو الرأسمالية السوقية، إن سوق التجارة هي التي تعين الأسعار، وتوجه المعاملات التجارية. 

ماذا عمل الإسلام بعد ظهوره في هذه البيئة التي يتعامل فيها الناس بالنظام الاقتصادي الرأسمالي؟

 وماذا عَمِلَ الرسولُ ﷺ بعد أن أُرْسِلَ نبيًا؟

 إن الإسلام لم يغير شيئًا من النظام الاقتصادي السائد في المجتمع. وهو الرأسمالية - غير أنه أتى بشيء واحد، وهو مبدأ الحرام في المعاملات التجارية وغيرها. فمعنى هذا أن الإسلام عمومًا لم يهدف إلى تغيير ما كان عليه العرب قبل الإسلام، بل أتى بمبدأ الحرام، فالَّذي يتعلق بالحرام أبطل، وما لم يتعلق به أبقي، حتى إن بعض العلماء ألفوا كتبًا باسم: «ما وافق عليه الإسلام من العادات الجاهلية».

 ثم زاد على ذلك إخراج الزكاة من المال، وأصبحت الزكاة ظاهرة الإسلام الاقتصادية والمالية.

 إن الإسلام حَرَّم الرِّبَا بقوله تعالى: ﴿ۚوَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّم الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥)، وأنا أكرر وأقول إن أهم شيء في الاقتصاد الإسلامي هو مبدأ الحرام.

 فالإسلام حَرَّم الرِّبَا، وأوصى المسلمين أن يؤسسوا مؤسسة القرض الحسن، كما ورد في القرآن ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ﴾ (المزمل:٢٠).

 في هذه الآية أمر الله تعالى المسلمينَ أن يهتموا بهذه الأوامرِ الأربعة: 

۱- القراءة يعني التعليم والتربية: يجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلم ويعرف القراءة والكتابة، ويقرأ ليعرف ما أمره الله ونهاه عنه. ولكن للأسف الشديد، فإن نسبة الأمية في البلاد الإسلامية أكبر من كل بلاد الدنيا.

٢- إقامة الصلاة: وهي أبرز عبادة بدنية شكراً لله تعالى على نعمه الكثيرة ومنها؛ نعمة العقل.

٣- إيتاء الزَّكاة: وهي أبرز عبادة مالية متعلقة بالغير الَّذي يعيش معه في المجتمع.

٤ - القرضُ الحسنُ: وهو أيضًا عبادة مالية تعم الناس جميعًا، ويهدف إلى التوازن في المجتمع، وعلى ما أظن أن هذا الأمر المهم كان بديلًا للربا، إلا أن المسلمين لم يهتموا بهذه المؤسسة بل أهملوها، لذلك وقع المسلمون في حرمة الرِّبَا، لأن المقارضة احتياج مبرم ولا يمكن للإنسان أن يعيش مكتفيًا بذاته في كل شيء، بل يحتاج إلى المقارضة ولا شكَّ أنهم اهتموا بشركة المضاربة والمرابحة، ولكنهم لم يطوروها.

 فلو طوَّر المسلمون مؤسَّسة القرض الحسن لكانت بديلًا للرِّبَا، والآن لا نجد بلدًا إسلاميًا لم يكن مدينًا للبلاد الغربية لعدم وجود مؤسَّسة القرض الحسن، ثم إننا في إمكاننا أن نأخذَ كلَّ ما فيه جديد من النظريات الاقتصادية؛ لأنه كما ورد في الأثر: «الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق بها»، وليس للعلم دين ولا وطن ولا قومية، بل العلم إنساني ولا مانع من أن يأخذ المسلم العلم من غير المسلم، ونحن نأخذ كل إبداع علمي بشري بشرط ألا يمس بحرام ولا يخل بحلال.

 إذا كان الرِّبَا حرامًا فالمسلم يتوقى ويؤدي زكاة ماله ويمشي في طريق وسط؛ لأن الإسلام دينٌ وسط، ويأخذ ما راه حسنا من النظم الأخرى. 

إذا نظرنا إلى النظم الاقتصادية المعاصرة الآن في العالم وجدنا أن بعضها يوافق الإسلام وبعضها الآخر يخالفه، فنحن نأخذ الموافق ونترك المخالف، وننظر في المخالفة أيضًا، ونسعى في إيجاد حل لصالح المسلمين، وعلى هذا ينبغي أن تكون البحوث على هذا المنوال.

 الشيء الغريب في عالمنا اليوم أن كثيرًا من الناس يظن أن هناك نظامًا اقتصاديًا إسلاميًا مستقلًا عن النظم الأخرى، ويفحص كتب العلماء القديمة، ولا يجد شيئًا، ويستغرب؛ لأنه لا ينظر إلى الأصل الَّذي هو الكتاب والسنة، بل ينظر في الكتب القديمة، ولو أنه نظر إلى أصول الإسلام أي الكتاب والسنة لوجد ما يبحثه، لأن علماء الإسلام القدامى اكتفوا بالكتاب والسنة في النظام الاقتصادي ثم كتبوا في الخراج والزكاة وغيرهما، مثل كتاب الخراج لأبي يوسف، وكتاب الأموال لأبي عبيد وغيرها.

 ومن جهة أخرى أننا إذا نظرنا في المعاملات الاقتصادية بين المسلمين منذ ظهور الإسلام إلى وقتنا هذا، لوجدنا أن المسلمين عامة ما استطاعوا أن يبتعدوا عن معاملات الرِّبَا فيما بينهم كما رأينا في أيام العباسيين الجهابذة الذين يتعاملون بالرِّبَا بين الناس وهم كانوا ناسًا من اليهود..

 لماذا كان هذا؟ لأن علماء الإسلام لم يقيموا بديلًا يبعد الناس عن الرِّبَا في المعاملات اليومية، لأن الأفراد يحتاجون إلى المقارضة، وهي حاجة قد تكون أحيانًا ضرورية، فإذا لم تأت بحل لهذه المشكلة لم تستطع أن تمنع الناس من معاملة الرِّبَا، وهذه الحالة مع الأسف الشديد تستمر الآن في البلاد الإسلامية، والشيء الَّذي يسعدنا هو أن تلك المحاولات في إقامة بنوك. إسلامية تعد بداية جديدة تثلج الصدور ونتمنى دوام هذه المحاولات ووصولها إلى نتيجة إسلامية خالصة.

 في عالمنا الآن أهم شيء بالنسبة للمسلمين هو العلم والتكنولوجيا، وينبغي لنا أن نحصل على العلوم والتكنولوجيا بأية وسيلة كانت لأن رتبة العلم أعلى الرتب والشعوب التي تتخلف عن العلم والتكنولوجيا تتخلف في كل مراتب الحياة الإنسانية.

ضرورة البحوث الاجتماعية

في الحقيقة أن الإنسان حيوان اجتماعي كما قال ابن خلدون، لذلك قبل أن نبحث عن الوضع الاقتصادي في المجتمع ينبغي لنا أن نعرف الإنسان مع مجتمعه الَّذي يعيش فيه، لأن النظام الاجتماعي له طابع أو مؤثر قوي في توجيه الفرد، وإذا لم يملك الفرد ما يحتاج إليه الإدامة حياته اليومية في المجتمع الَّذي يعيش فيه، فإنه لن يذوق طعم الحياة، لأن الرسول ﷺ استعاذ من الفقر فقال:« اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر ......» وهنا نستطيع أن نقول إن الفقر بمعنى المفقور أي المحتاج، والكفر بمعنى الكافر، وكان أدب النبي ﷺ يمنعه من أن يعلن الحقيقة بذلك الأسلوب الحقيقي، وسلك طريق المجاز، والكفر يكون بمعنى كفران النعمة أيضًا.

 تصور شخصًا ذا كيان ذاتي له زوجة وأولاد، وليس له عمل ليتكسب به قوته وقوت عائلته ماذا يعمل هذا المسكين؟ أتفيده صلاته وعبادته أم أنه لو صلى هل يصلي بالشعور؟ لا ... لأن ذهنه مشغول بما عنده من الفقر القاتل، ويرى كل شيء أسود، بل هو حائر لا يدرك ما يفعله من المسؤول عن حال هذا الشخص الدولة والمجتمع.

 والرسول ﷺ كان يهتم بمن لا يملك ما يحتاج إليه، اهتماماً بالغًا كما نعلم من سيرته الشريفة، وكذلك يهتم بمن لا زوجة له؛ لأن هذين الاحتياجين كانا من الاحتياجات الأصلية للإنسان.

 وإذا أجرينا بحوثًا اجتماعية دقيقة في المجتمعات الإسلامية، سنجد أن كثيرًا من الأفراد لا يجد عملًا يتكسب به رزقه، ولا يعرف في هذه الحالة ماذا يعمل ولولا الشعور الإسلامي الَّذي يشجع المسلمين على مساعدة الفقراء لكانت الحالة رهيبة جدَّا.

 هذه هي المشكلة الكبيرة بالنسبة للبلاد الإسلامية، فماذا نستطيع أن نعمل في هذا الموضوع؟

الإجابة: عن هذا السؤال صعبة جدًّا. وتوصيتنا للإداريين في البلاد الإسلامية أن يوجهوا اهتمامهم أولًا إلى التفكير في الموضوع، ثم عليهم أن يهتموا بالمشروعات التي تساعد في إيجاد عمل للناس.

 ونشير هنا إلى أن التقدم والارتقاء لا يتحقق عن طريق الدولة، لأن التجارب التي حققتها الاشتراكية والشيوعية في هذا العصر أثبتت أن نظرية تحقيق الأهداف العلمية والصناعية، والتكنولوجية عن طريق الدولة غير قابلة فعلًا، وأن البلاد التي سلكت طريق الحرية الكاملة للشعب مثل: البلاد الأوروبية والولايات المتحدة، واليابان نجحت في التقدم العلمي، والصناعي والتكنولوجي، وكذلك إذا نظرنا في تاريخ الإسلام في أيام ازدهاره رأينا أن التقدم العلمي والصناعي والتكنولوجي تحقق بواسطة الشعب بطريق تشكيل الأوقاف والمؤسسات الخيرية، كما هو الواقع الآن في البلاد الغربية، فإذن يجب على الدول الإسلامية أن تعطي تلك الحريات للشعوب الإسلامية، ويفتحوا طريق التقدم. فبناء على ذلك لاَ بُدَّ من إعطاء هذه الحريات:

 ۱- حرية التفكر وحرية إفادة ما وصل إليه الفرد من الفكر وحرية تبليغه

٢- حرية الدين والوجدان للجميع.

٣-حرية تشكيل المنظمات الخيرية مثل: الأوقاف والجمعيات.

٤- الحرية التامة في الانتخابات السياسية والرضا لمن ينتخبه الشعب مهما كان الأمر. 

٥- الحرية السوقية التامة في التجارة والصناعة والإنتاج.

 هذه الحريات تدفع الشعب إلى الأمام. وتفتح طريق التقدم للشعب كما وقع في أوروبا، وفي البلاد الديمقراطية.

 وإذا نظرنا إلى المسالة من الناحية الاجتماعية بالنسبة للفقراء نقصد منهم الآن من ليس له عمل يعيش به لا من ليس له إمكان مالي، رأينا أن الفرد يرتكب الجرائم لأجل ألا يهان في المجتمع.

لا ينفع شيء لمن لا شغل له إلا إيجاد عمل ليكسب منه ما يحتاج إليه، لذلك يجب أن يكون هناك بحوث لأجل إيجاد عمل لكل مسلم ذكرًا كان أو أنثى في المجتمع الَّذي يعيشان فيه. 

وأنا أعتقد أن في إمكاننا أن نحل المشكلة إن جعلنا بحوثًا اجتماعية، ثم بحوثًا اقتصادية في نفس المجتمع لإيجاد عمل لكل من لا عمل له في المجتمع، لوصلنا إلى نتيجة سليمة مفيدة؛ لأن المساعدات الخارجية لأي مجتمع لا تأتي بخير، لأن المهم هنا تربية كل فرد ومجتمع على أن يكتفي بذاته حسب شروط المجتمع والبلد اللتان يعيش فيهما الفرد.

 يستنتج من هذا أن كل بلد يجب عليه أن يبحث أولاً مشكلة البطالة، ويسعى لإيجاد عمل لكل فرد من أفراد المجتمع، وإلا لا يمكن لنا أن نتقدم في الصناعة والتكنولوجيا، والَّذي لم يتقدم في العلم والصناعة، والتكنولوجيا في عالمنا الحاضر يكون محكومًا لمن يملك هذه الميزات. 

الرابط المختصر :