; رأي حول زيادة أسعار الكهرباء والماء والبنزين | مجلة المجتمع

العنوان رأي حول زيادة أسعار الكهرباء والماء والبنزين

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1980

مشاهدات 68

نشر في العدد 476

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 15-أبريل-1980

●‏سياسة رفع الأسعار مرتبطة بحل مشكلة المواصلات حتى ينخفض استهلاك الوقود والسيارات.

●ذوي الدخول المتوسطة والمحدودة هم الذين سيتأثرون من زيادة الأسعار.

منذ فترة والحديث لا زال يتردد عن تفكير الحكومة في زيادة أسعار الكهرباء والماء والبنزين حتى ورد ذلك رسميًا ضمن جدول أعمال لجنة الطاقة ولما كان هذا الأمر حيويًا وتنعكس آثاره بشكل مباشر على جميع أفراد المجتمع كان لا بد من تجليته إسهامًا منا بوضع تصور قد يسهم في التوصل إلى قرار حول الموضوع وشعورًا منا بواجب الاهتمام بأمر المسلمين.

سلع ضرورية

وقبل مناقشة دواعي زيادة أسعار الكهرباء والماء والوقود وبالذات البنزين لا بد من التذكير بأن هذه السلع ليست كمالية أطلاقُا بل هي من ضروريات الحياة خاصة في الكويت ولا أظن أحدًا يجادل في أن المأوى والمأكل والملبس والأمن هي الحاجات الضرورية للإنسان وقد اتفقت جميع الأنظمة البشرية والدينية على ضمان هذه الحاجات للإنسان وواضح أن الماء هي أساس الحياة كما أن الكهرباء من لوازم المأوى من جهة ومن لوازم الحياة في الكويت والدول الحارة من جهة أخرى وأما البنزين وأن كان ليس ضرورة للحياة إلا أنه بحكم تطور الكويت العمراني والاجتماعي أصبح ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها.وعليه فأن النظر إلى الكهرباء والماء والبنزين على أنها سلع وحاجات ضرورية يجب ألا يغفل عن التفكير بزيادة أسعارها.

  • دواعي الزيادة

وتشير مصادر حكومية مختلفة إلى أن بقاء أسعار هذه السلع ثابتة لمدة طويلة مع زيادة أسعار المواد الأخرى باضطراد لم يعد مقبولًا كما أن رخص هذه المواد أدى إلى ‏إسراف المواطنين في استهلاكها.

وذهبت بعض المصادر إلى القول بأن رخص أسعار البنزين يعتبر من أهم أسباب أزمة المرور وثمة سبب أخر مفاده أن الدولة بتحملها فرقا كبيرًا بين سعر التكلفة ورسم الخدمة قد عودت المواطن على الاعتماد على الدولة وأنه أن الأوان لأن يشعر المواطن بالمسؤولية وأن يسهم مع الدولة في تحمل تكاليف العيش الرغيد والحياة الهانئة الميسرة.‏

وقبل مناقشة هذه الأسباب لا بد من الإشارة إلى أن أشعار المواطن بضرورة الإسهام في تكلفة الحياة الهانئة التي يعيشها وضرورة الإحساس بالمسؤولية تجاه المجتمع والإقلاع عن عادة الإسراف فالاستهلاك شيئان لازمان ولهما دلائل كثيرة من أخلاق الإسلام وقواعد الشريعة فالمسؤولية الفردية والاقتصادية في النفقة من المبادئ الأساسية في النظام الإسلامي.‏

ولكن هل ينطبق هذا على حالة الكهرباء والماء والبنزين؟

‏والحقيقة التي أشرنا إليها آنفا من إن هذه السلع هي سلع ضرورية ترد هذا التساؤل فتوفير السلع والخدمات الضرورية للمجتمع هي من واجبات الدولة الأساسية بغض النظر عن قيمة تكاليفها.

  • الأسعار ومعدل الاستهلاك 

وأما دعوى أن رفع الأسعار سوف يؤدي إلى خفض الاستهلاك فيمكن مناقشتها في ضوء الحقائق التالية:

‎١‏ -أن معدل استهلاك الكهرباء والماء مرتبط بأحوال المناخ والطقس في البلاد فالحقيقة أن طبيعة طقس الكويت الحار والمتقلب يجعل المواطن بحاجة ماسة إلى الكهرباء للإنارة والتكييف وتشغيل الأجهزة الكهربائية المختلفة كما تجعله بحاجة ماسة إلى الماء لأغراض النظافة المختلفة وأما ماء الشرب فهو أساسي لاستمرار الحياة ولا يتأثر إلا قليلًا بالطقس. وواضح أن الطقس والتحكم فيه أمر صعب لا قبل للدولة ولا المواطن بتغبيره.

‎٢‏ -أن معدل دخل الفرد في الكويت هو من أعلى المعدلات في العالم وهذا يعني ببساطة ارتفاع مستوى المعيشة واستعداد الفرد لزيادة استخدامه للمعدات والأجهزة التي تتطلب معدلًا عاليًا من استهلاك التيار الكهربائي حتى لو ارتفع سعر هذا التيار كثيرًا.

3 -أن استهلاك البنزين مرتبط كذلك إلى حد ما بحالة الطقس فالجو الحار يجعل المواطن يفضل السيارات الكبيرة المكيفة مهما كلفت من ثمن. وإذا رفعت أسعار البنزين فأنه بمكن القول إن طبقة أصحاب الدخول العالية جدًا والتي تقدر بحوالي ‎٢٠‏% من السكان لن يتأثر استهلاكها للوقود مطلقًا مهما زادت الأسعار وأن طبقة أخرى تتمثل حوالي ‎40% من السكان لن يتأثر معدل استهلاكها للبنزين إلا إذا ارتفعت عن حد معين ولنقل مثل معدلات الأسعار في الدول الغربية ولا شك إن هذا مستبعد في الكويت على الأقل في الظروف الحالية. وهكذا فأن حوالي ‎٤٠‏% من السكان وهم ذوو الدخول المحدودة ومعظمهم من الوافدين هم الذين سيتأثرون بزيادة أسعار البنزين. وطالما إن مشكلة المواصلات لم تحل فإن هؤلاء سيفضلون اقتناء السيارات الخاصة من الأحجام الصغيرة وهذا ما يفعلونه حاليًا، بسبب ارتفاع أسعار الوقود في البلاد التي جاء منها حيث لا يخفى إن هؤلاء يسافرون بسياراتهم الخاصة لقضاء أجازات الصيف في مواطنهم، وإذا كان هنالك توجه نحو شراء السيارات الصغيرة الاقتصادية من قبل ذوي الدخول المتوسطة والعالية فهو بسبب أزمة المرور خاصة في العاصمة.‏

ويتضح من جملة ما سبق أن أسعار الماء والكهرباء والبنزين مرتبطة بحالة الطقس في البلاد وإن دفعها لا يؤدي إلى خفض الاستهلاك بسبب تركيبة المداخل الفردية لأفراد المجتمع.‏

  • الأسعار وأزمة المرور‏ 

تتصور بعض مصادر الحكومة أن رفع أسعار البنزين سيؤدي إلى استخدام السيارات بشكل اقتصادي سليم. وإلى حل أزمة المرور. وإذا تبين مما سبق أن استهلاك البنزين وبالتالي استخدام السيارات مرتبط بحالة الطقس ومستوى الدخل فأن رفع أسعار البنزين لن يؤدي إلى التقليل من استخدام السيارات وبالتالي لا يحل مشكلة المرور.‏

ومشكلة المرور كما تعلم إدارة المرور مشكلة قائمة بذاتها ولها أسبابها الخاصة. ونحن نعتقد أن عدم وجود شبكه مواصلات منظمة تنظيمًا جيدًا وتلبي حاجة المواطنين تمامًا في مثل طقس الكويت سوف تدفع المواطن لاستخدام السيارة الخاصة مهما ‏كان دخله منخفضًا ومهما كلفه ذلك. ولا ننسى أن طبيعة الكويت كبلد غني وتجاري متقدم تقرض كثرة استخدام السيارات الخاصة.

فالعائلة التي ربها تاجر وأفرادها مهندس ومدرس وموظف لا بد لكل واحد من هؤلاء من سيارة بل لا بد للأولاد في كثير من الحالات من سيارة لقضاء حوائجهم نظرًا لعدم تفرغ رب العائلة أو أفرادها الموظفون لذلك.‏

وما دمنا لسنا بصدد معالجة أزمة المرور فأننا نكتفي بالإشارة إلى أنها مشكلة خاصة بمعزل عن معدل أسعار الوقود.

  • زيادة الأسعار وإيرادات الدولة

وثمة مسألة أخرى تتعلق بموضوع زيادة أسعار الكهرباء والماء والبنزين وهي أثر ذلك في إيرادات الدولة. أن رفع الأسعار سيزيد من إيرادات الدولة بدون شك. ولكن ما حجم هذه الزيادة وما نسبتها إلى إيرادات الدولة الأخرى.‏

تشير الإحصائيات إلى أن إيرادات الكويت من الماء والكهرباء قد قفزت من حوالي 9.5‏ مليون دينار عام ‎٧٤‏ إلى حوالي 16.2 مليون دينار عام ‎٧٩‏ وفي نفس الفترة كانت المصاريف 16.8‏ مليون و41.3‏ مليون على التوالي، إي أن ‏التكلفة الفعلية لخدمات الكهرباء والماء عام ‎٧٩‏ تعادل حوالي ‎٢٥‏ ‏مليون دينار وفي ضوء التحليل السابق وباعتبار الزيادة المقترحة في الأسعار فأن إيرادات الحكومة عن هذه الخدمة ستكون طفيفة.وإذا أخذنا بعين الاعتبار إن إيرادات الدولة من النفط تعادل ‎٩٥%‏ من مجمل الإيرادات فإن إيرادات زيادة أسعار الماء والكهرباء والبنزين المقترحة تشكل نسبة تافهة جدًا من مجمل إيرادات الدولة.

الإسراف عادة سيئة 

وما دام أن معدل الاستهلاك للماء والكهرباء والبنزين لا يتأثر كثيرًا بالأسعار، فإن السبب الأساسي كما يبدو لنا في الإسراف وسوء استخدام النعم التي أفاء الله بها علينا إنما يكمن في عادة الإسراف السيئة. وما دمنا مسلمين نقرأ آيات الله الناهية عن الإسراف وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تأمر بالاقتصاد في النفقة، فإننا نرى أن القيام بحملة إعلامية مركزة ومستمرة حول العادات الضارة والمخالفة لأصول الإسلام كالإسراف واللامبالاة، كفيلة بإيجاد وعي عام لحسن استخدام الثروات والنعم.‏

لا لزيادة الأسعار 

والخلاصة أنه نظرًا لأحوال المناخ القاسية في الكويت ومستوى الدخول فيها وعدم حل مشكلة المواصلات حلا جذريًا فإن أية زيادة في أسعار الماء والكهرباء والبنزين ستنعكس بشكل ضار ومؤذي على ذوي الدخول المنخفضة والمحدودة فقط ولذلك فإنه إنصافًا للحقيقة وإنشادًا لتحقيق العدالة بين مختلف فئات المواطنين يجب استبعاد زيادة أسعار هذه السلع الضرورية في الظروف الحالية التي ناقشناها.

الرابط المختصر :