العنوان رأي في بعض أفكار سيد قطب
الكاتب شيروان الشميراني
تاريخ النشر السبت 22-ديسمبر-2001
مشاهدات 63
نشر في العدد 1481
نشر في الصفحة 43
السبت 22-ديسمبر-2001
عمر التلمساني: الذين يعرفون سيد قطب ودماثة خلقه يدركون أنه لا يكفر أحدًا.. إنه داعية من عيون دعاة المسلمين
لا يختلف اثنان- ممن يعيشون واقع الصحوة الإسلامية المعاصرة والمتتبعين لتطور الفكر الإسلامي- على تأثير وفاعلية أفكار الشهيد سيد قطب في تغذية عقل وقلب أبناء هذه الصحوة المباركة وكنتيجة طبيعية لضخامة الأثر الذي تركه «سيد» حدث خلاف حاد في فهم وتفسير بعض ما يمكن التعبير عنه بالمفاصل الفكرية لسيد قطب، وكل يفهم «سيد» في هذه المفاصل على خلاف ما يفهم صاحبة ومن جملة ما دار الخلاف حوله ولا يزال مفردة «الجاهلية» فالبعض يأخذها على أنها جاهلية الأفراد والمجتمعات متخذين من ذلك ذريعة للقيام ببعض الأعمال المنكرة، وآخرون يرون خلاف ذلك. وسبب الخلاف على ما نرى أنهم وقفوا على منبر كان من المفروض أن يكون «سيد» هو الواقف عليه، ففسروا أقواله تفسيرًا بعيدًا عن غايته فكان «سيد» بذلك مظلومًا ولم يتركوه ليجلي لهم غايته وفهمه المستلهم من روح القرآن لمفردة الجاهلية.
للجاهلية أكثر من معنى وأكثر من مجال في اللغة والاصطلاح يقول العلامة الراغب الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن- مادة جهل الجهل على ثلاثة أضرب:
الأول: وهو خلو النفس من العلم.
الثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه.
الثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادًا صحيحًا أو فاسدًا. أما في الشرع فهي تكون:
أولاً: في الجانب العقائدي والوحدانية، كاعتماد منهج في الحكم بقبالة منهج الله، فالحكم كما يقول الإمام البنا معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول لا من الفقهيات والفروع وهذا الفهم حدده الباري سبحانه ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 50)
وهو من خصائص الألوهية، فإعطاء هذا الحق لغير الله كفر وخروج من الدين ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65) فليس هو موضع اختبار ولا هو من النافلة، وإنما هو إيمان أو فلا إيمان.
وبناء على المعنى الثالث للأصفهاني: إن الحكم بغير ما أنزل الله والمفروض أن يحكم به كفر بغض النظر عن اعتقاد الحاكم.
ثانيًا: جاهلية ممارسة الحياة اليومية، كما ورد في القرآن ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ﴾ (الأحزاب: ۳۳).
ثالثًا: جاهلية المعصية كقول النبي ﷺ لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية».
وهذان الأخيران لا يكفر أصحابهما، مع أنه لا يمنع من وجودهما في المرء كثرة صلاة وصيام، فالجاهلي بالمعنيين الأخيرين ليس بكافر وإنما هو عاص لأوامر إلهية محددة.
بكلمة أخرى إنه مسلم عاص وهذا إطار يجمع أفراد مجتمعاتنا بصورة عامة، إلا أن يوجد من يذكر معلومًا من الدين بالضرورة بعد التبيان وإقامة الحجة عليه.
بعد هذا التوضيح لمفردة الجاهلية لنعد إلى سيد قطب واستعمالاته لها، ما غايته المعنى الأول الذي لا يشك أحد في كفر من رد منهج الله في الحكم أم المعنيين الأخيرين؟
يقول رحمه الله في معالم في الطريق ص ١٠ ما نصه: إن العالم اليوم يعيش في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها.. هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية، إنها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض: أربابًا.
فسيد يقول هنا إن الجاهلية من ناحية الأصل وليس الفرع وعلى أخص خصائص الألوهية، فجعلوا من البشر أربابًا فهذه التعبيرات واضحة، إنها جاهلية في الاعتقاد، في الجانب الذي يقف كفر الإنسان وإيمانه على صحته أو عدم صحته، والله سبحانه ذكر ذلك عندما قال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65)
المصدر الذي يقنن للحياة
إضافة إلى هذا ومع هذا الوضوح فإنه لا يقصد أفراد المسلمين بل يقصد المصدر الذي يقنن للحياة.. ولنا دليل واضح من سيرة حياته فعندما كان يقضي أيام حياته في سجون الطغاة في مصر سئل هل أنتم ترون أن وجود الأمة الإسلامية قد انقطع منذ مدة طوية ولا بد من إعادتها إلى الوجود فأجاب رحمه الله: لا بد من تفسير مدلول كلمة الأمة الإسلامية التي أعنيها. فالأمة المسلمة هي التي يحكم كل جانب من جوانب حياتها الفردية والعامة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، شريعة الله ومنهجه وهي بهذا الوصف غير قائمة الآن، وإن كان هذا لا يمنع من وجود الأفراد المسلمين، لأنه فيما يختص بالفرد الاحتكام إلى عقيدته وخلقه- وفيما يختص بالأمة الاحتكام إلى نظام حياتها- كله «1» فسيد هنا يقر ويعترف بإسلامية الأفراد في داخل مجتمعاتنا فهم مسلمون أما أصحاب السلطات الذين ينبذون كتاب الله وراء ظهورهم فهم محل كلامه، ثم إنه ما أراد الحكم على الناس ولم ينصب نفسه قاضيًا لتوزيع الأحكام على أفراد المجتمع بالكفر والإلحاد والردة، وإنما أراد توضيح الرؤية ووصف الطريق وطبيعته ليعلم الدعاة أين يضعون أقدامهم ومع من يتعاملون ليس أكثر.
ينقل عنه في كتاب «لماذا أعدموني»: «إنه لما جمع الله بينه وبين الشخصية الإخوانية «عبد الرؤوف أبو الوفا» في السجن، أبلغه الأخير: نحن منزعجون لأن ليس في نيتنا تكفير الناس والظاهر من كلامه أنه فهم سيد خطأ، يقول رحمه الله، فقلت له: إننا لم نكفر الناس وهذا نقل مشوه، وإنما نحن نقول: إنهم صاروا من ناحية الجهل بحقيقة العقيدة، وعدم تصور مدلولها الصحيح، والبعد عن الحياة الإسلامية- إلى حال تشبه حال المجتمعات في الجاهلية- فالمسألة تتعلق بمنهج الحركة الإسلامية أكثر مما تتعلق بالحكم على الناس «2»
ويقول الأستاذ محمد قطب ولقد سمعته أكثر من مرة يقول «نحن دعاة ولسنا قضاة إن مهمتنا ليست إصدار الأحكام على الناس ولكن مهمتنا تعريفهم بحقيقة «لا إله إلا الله» لأن الناس لا يعرفون مقتضاها الحقيقي وهو التحاكم إلى شريعة الله كما سمعته أكثر من مرة يقول: إن الحكم على الناس يستوجب وجود قرينة قاطعة لا تقبل الشك، وهذا أمر ليس في أيدينا، ولذلك نحن لا نتعرض لقضية الحكم على الناس فضلاً عن كوننا دعوة ولسنا دولة دعوة مهمتها بيان الحقائق للناس لا إصدار الأحكام عليهم «3».
إضافة إلى هذا فبعد لقاء بين سيد قطب وعمر التلمساني المرشد الأسبق للإخوان المسلمين، علق الأستاذ التلمساني على فكر سيد قطب بعد ذلك اللقاء في كتابه «ذكريات لا مذكرات» بالقول الفصل فقال: والذين يعرفون سید قطب، ودماثة خلقه وجم أدبه وتواضعه ورقة مشاعره يعرفون أنه لا يكفر أحدًا، إنه داعية من عيون دعاة المسلمين فظلمه من أخذ كلامه على غير مقاصده، والعجيب الغريب أن البعض يرد على سيد فهمه في هذا الموضوع، وكان المفروض حسب مقتضيات المنهج العلمي في دراسة الأفكار والأشخاص أن يعيدوا إلى فهم سيد أصالته ونقاءه ووسطيته. والأعجب من هذا هناك من يقول إن الإمام الهضيبي في كتابه «دعاة لا قضاة» رد على جملة من أفكار سيد قطب، ولكن الحقيقة أن الإمام رحمه الله رد على فهم بعض الشباب لأفكار سيد قطب لا عليه هو خاصة وأن الحاجة المناضلة زينب الغزالي تقول في كتابها «أيام من حياتي» إنها أعطت فصول كتاب «معالم في الطريق» عندما كان سيد يكتبها في السجن للإمام الهضيبي فقرأها كلها ووافق عليها وقال: «لقد حصرت أملي كله في سيد قطب»، إذن فالإمام لم يرد على سيد وإنما على بعض من حملوا كلام سيد معاني لا يحتملها وذهبوا بها غير مذهبه ثم إن الحكومة المصرية التي شجعت هذا النوع من التفكير وكانت تشجع على استخدام كلمة جماعة التكفير.
وختام حديثنا كلام للأستاذ المرشد محمد حامد أبو النصر في معرض جوابه عن سؤال وجهته إليه صحيفة «السياسي المصري»، وهو: ما هو رأيكم في قول الشهيد سيد قطب بأن المجتمع الإسلامي مجتمع جاهلي بعيد عن الإسلام وأننا لا نعيش في دار الإسلام ولكننا نعيش في دار الكفر؟ فأجاب فضيلته بالقول: كتابات الشهيد سید قطب رحمه الله- أسيء فهمها بصورة تدعو للاستغراب ولا أعتقد أنه- رحمه الله- قصد تلك المعاني التي أشرت إليها.
المصادر:
«1» الموتى يتكلمون ص133
«2» لماذا أعدموني ص137
«3» الفكر الحركي، مصطفى الطحان ص175