العنوان رؤية «الإسلام هو الحل»... هل تتعارض مع مبدأ المواطنة؟
الكاتب اسماء زيادة
تاريخ النشر السبت 25-يونيو-2011
مشاهدات 69
نشر في العدد 1958
نشر في الصفحة 38
السبت 25-يونيو-2011
تجاوب المصريين مع الدين منسجم مع حقيقتهم وليس ناتجًا عن قدرة أي جماعة على الإقناع أو التغرير كما يزعم الزاعمون
العلمانيون واليساريون والليبراليون يمارسون ضد الإسلاميين ما كان يمارسه النظام البائد من حرب كلامية زائفة
في ظل الحالة الفكرية العجيبة التي تفرزها الرؤية الأحداث ما بعد الثورة المصرية المباركة، يوقن المتأمل أن الإشكالية الكبرى هي إشكالية ثقافية وفكرية عميقة، وهي أيضًا حرب كلامية زائفة تستغل فيها العبارات المفزعة من أمثال، استغلال الدين في السياسة.. ودعوى، تأجيج الطائفية... على حين يصر البعض على القول بأن «الإسلام هو الحل»... والتساؤل المغرض، ماذا إذا قال المسيحيون: «المسيحية هي الحل»؟
على أنه إذا كان مفهومًا بشكل ما أن يدشن الحزب الحاكم (سابقًا) مجموعة التثقيف السياسي له داخل حزبه لترديد هذه المقولات بصورة غاية في اللا علمية أو عدم الموضوعية كأنما هو شريط أمروا بحفظه وترديده على العامة في حملة إعلامية تستهدف العقول بأمور لا حقيقة لها إلا الترويج والتبرير الكاتب لمقولاتها، ومصادراتها لكل قيم العقل والفكر والحرية والمواطنة وترهيب الناس والأمة من كل محاولات الإصلاح التي تسمى إليها كل قوى الخير في الوطن.. إذا كان مفهوماً أن يفعل الحزب الحاكم (سابقًا) ذلك، فإنه لا يكون مفهوما، ولا مبررا بحال من الأحوال ما تفعله القوى الوطنية التي لا نشك في وطنيتها ورغبتها في إصلاح الوطن وانتشاله من مستنقع الاستبداد، وضياع الحرية، تلك القوى التي ينبغي عليها أن تحدد أولويات العمل الوطني الصحيح، وليس من أولوياته على كل حال أن تطالب جماعة الإخوان المسلمين بالتخلي عن شعارها، بل وأيديولوجياتها المبدئية.
علاقة الدين بالسياسة: وعلى الرغم مما ندعو إليه من ضرورة أن تنحي الـ القوى الوطنية القناعات الفكرية، والخلفيات الأيديولوجية الخاصة بكل فصيل على حدة في هذه المرحلة من مراحل النضال الوطني من أجل الحرية واسترداد الإرادة الشعبية - التي زيفها الحزب الحاكم (المنحل) تزييفًا متعمدًا وممنهجًا رصدته وتابعته الدنيا بأسرها صوتًا وصورة على الرغم من هذا الذي أدعو إليه فإنني أجد الحاجة ماسة - إلى إيضاح بعض الأمور المتعلقة بحقيقة الدين في هذا الوطن مسلميه ومسيحييه وبطبيعة علاقة الدين الإسلامي بالسياسة من جانب آخر، وبدعوى تعارض فكرة - ولا - أقول شعار - الإسلام هو الحل مع حقوق المواطنة لإخوتنا الذين لا يدينون بالإسلام في هذا الوطن، ودعوى تأجج الطائفية بسبب من ذلك.
وأول ما أريد التأكيد عليه وتقريره أن التدين في المصريين فطرة وطبيعة جبلوا عليها، وفي سبيل الدين ومن أجله سالت دماؤهم رخيصة، ولا أستشهد الآن بالمسلمين بل بالمسيحيين من أهل مصر التي لا تحسن ولا تعرف أن تعيش بغير دين تؤمن به، وتناضل من أجله، وانظروا التاريخ:
تنكيل واضطهاد
إنه قبل مجيء الفتح الإسلامي لمصر كان أغلب أهلها على النصرانية، وكانوا تحت الحكم الاستعماري الروماني الوثني الذي حاول جاهدًا أن يخرج أهل البلاد عن معتقدهم الذي ارتضوه، فلم يفلح رغم كل محاولات التنكيل والبطش التي سال فيها الدم غزيرا في المدائن والقرى.
ولما اعتنق الرومان بعد ذلك النصرانية على مذهب في الإيمان لم يعرفه المصريون، وحاول الرومان أن يُجبروا المصريين مرة أخرى علي اتباع مذهبهم في النصرانية لم يفلحوا أيضا رغم التنكيل والاضطهاد، والملاحقة التعذيب وجاء الفتح الإسلامي على هذه الحال.
جاء الفتح الإسلامي حاملاً مسؤولية البلاغ، وأمانة تعريف العالمين بهذا الدين الذي ما كانوا يحملون غيره بضاعة إلى الدنيا، وبمنهجيته في عرض الرسالة إن تسلموا فلكم ما لنا، وعليكم ما علينا، وإن لم تسلموا فالجزية يتقوى بها المسلمون في مقاتلة الرومان المستبدين والمستعبدين لكم، مع إراحة المصريين من النصارى من أعباء هذا القتال وإلا فالحرب حتى تخلوا بيننا وبين الناس نعرض رسالتنا عليهم، وتمنحونهم الحرية ليختاروا ، بلا إكراه، ولا إجبار.
حرية العقيدة
ويقرر التاريخ أنه لما منح الناس حريتهم تحولت الأغلبية منهم إلى الإسلام طواعية وبقي من بقي منهم على دينه النصراني طواعية وحرية كفلها لهم الدين والحكم الإسلامي الجديد .
ولما أراد غير الجادين من الباحثين والمستشرقين تفسير هذا التحول الكبير إلى الإسلام بأنه كان محاولة للتخلص من دفع الجزية، كان أبلغ رد عليهم أن يقال: إن هؤلاء المصريين من النصارى الذين استرخصوا دماءهم في سبيل معتقدهم، لا يتركون دينهم لأجل الا يدفعوا بضعة قروش، إلا أن يكون العقل متقبلاً لأن يستسهل الإنسان بذل روحه، ويستصعب دفع فروش.
وإنه لما غفل ولم يتنبه وال سفيه من ولاة المسلمين إلى حقيقة أن الإسلام جاء إلى الشعوب هداية ودعوة لا جباية واستغلالاً، وهاله أن موارد الدولة قد نقصت بسبب دخول الأعداد الكثيفة من المصريين في الإسلام، استبقى الجزية على من أسلم من النصارى ومع ذلك فقد ظل الناس يدخلون الإسلام بحريتهم وقناعتهم متحملين الظلم الذي يمارسه هذا الوالي وأمثاله حتى جاء عمر بن عبد العزيز مرة فكتب إلى هذا الوالي: ويحك إن محمدًا بعث هاديًا، ولم يبعث جابيًا، ضع الجزية عمن أسلم، فارتفع الظلم عن الناس.
محاولات بائسة
ما أريد أن أقوله هنا: إن التدين عند المصريين والحفاظ والإصرار على ما يؤمنون به ويعتقدونه أصل أصيل في فهم الشخصية المصرية من المسلمين ومن النصارى على حد سواء... وعليه، فأي محاولات بائسة وفاسدة لعزل المعتقد عن حياة الناس في السياسة والاقتصاد والاجتماع، وفي الفكر، وميادين الأخلاق والآداب هي محاولات بائسة ومفتعلة لن تجد لها على الأرض حقيقة.
وهل سيرضيهم أن أمثل لهم وأدعوهم إلى متابعة شيء من التصريحات الدينية للمستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل»، بل أن يتأملوا في اسم حزبها الذي تنتمي إليه: «الحزب المسيحي الديمقراطي؟ إن تجاوب المصريين مع الدين، ومع من يرفع رايته إنما هو تجاوب مع حقيقتهم هم، وليس تجاوبًا مع أي من كان مهما بلغ من محبتهم له، كما أنه ليس مجرد ناتج لقدرة أي جماعة على الإقناع أو التغرير كما يزعم الزاعمون، كما أنه ليس كما يروجون بأنه تجاوب احتجاجي، لا يعني المحبة للإسلاميين بقدر ما يعني الكراهية للحزب الحاكم، كما قال بعض المعارضين، بل وجوقة الحزب الحاكم نفسه ..
الهامش
(۱) كان هذا المقال قد كتب في ظل الانتخابات المصرية الأخيرة التي أجريت في ۲۸ نوفمبر ۲۰۱۰م لاختيار نواب مجلس الشعب في ظل النظام البائد والعجيب أن تبقى نفس معانيه ومفرداته قائمة بعد سقوط النظام، وتمارسه اليوم مع الإسلاميين القوى الوطنية الليبرالية واليسارية والعلمانية...بشكل يدعو لكثير من الدهشة والاستغراب!!