; رؤية إسلامية للنظام الاقتصادي الغربي.. محاولات تبرير الفقر | مجلة المجتمع

العنوان رؤية إسلامية للنظام الاقتصادي الغربي.. محاولات تبرير الفقر

الكاتب د .أحمد عبدالحميد غراب

تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1986

مشاهدات 58

نشر في العدد 795

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 09-ديسمبر-1986

  يحاول النظام الرأسمالي الغربي- على لسان مفكريه و«علمائه» الاقتصاديين- تبرير ظاهرة الفقر، واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء في مستوى المعيشة، وذلك بعدة تبريرات، من أهمها ما يلي:

۱- محاولة تبرير الفقر بزيادة النسل:

     ومن أشهر أصحاب هذه المحاولة اقتصاديان متعاصران في القرن التاسع عشر، وهما: دافيد ريكاردو (۱۷۷۲- ۱۸۲۳ م)، وتوماس مالتوس (١٧٦٦- ١٨٣٤ م)، وقد اتفقا على الزعم بأن انخفاض مستوى الأجور -وبالتالي مستوى المعيشة بين العمال- إنما نشأ من تزايد أعدادهم، أي من زيادة النسل في الطبقات العاملة (والفقيرة بوجه عام).

     فهذا التزايد (وعدم تحديد النسل) هو السبب الرئيسي في فقرهم؛ لأن كثرة أعدادهم أدت إلى تخفيض أجورهم، ومن ثم إلى انخفاض مستوى معيشتهم. 

     وإذن فليس الرأسمالي هو الظالم، وليس النظام الرأسمالي هو المسئول، بل العامل نفسه، والفقير بوجه عام، هو المسئول عن تعاسته وفقره.

     ويمتد هذا التبرير إلى محاولة تبرير الفقر في العالم الثالث بزيادة السكان، ومن هنا نفهم سر الحملات المحمومة لتحديد النسل هناك، وبخاصة نسل المسلمين، حتى يصيروا أقلية لا وزن لها في بلادهم، كما يحدث في إندونيسيا، والهند، وغيرهما.

     بل إن هذا التبرير يأخذ طابعًا شريرًا في السياسة التي تقوم على استخدام الطعام كسلاح سياسي لتجويع الشعوب التي لا ترضخ لسياسة الغرب بوجه عام، ولعقاب الشعوب التي لا تمارس تحديد النسل بوجه خاص.

     ولتنفيذ هذا العقاب يترك الفقراء ليموتوا جوعًا (في مجاعات تبدو في الظاهر طبيعية وهي في حقيقتها مخططة، وبخاصة عن طريق إثارة الحروب الأهلية والمحلية بين السكان)؛ وذلك للحد من تكاثرهم الذي تعتبره الدول الغنية خطرًا عليها، وتسمى هذه السياسة سياسة قارب النجاة LIFE BOAT POLICY.

     ويفضل أحد مؤيدي هذه السياسة من الغربيين تسمية أخرى لها، وهي: أخلاقيات قارب النجاة LIFE BOAT ETHICS، ويلخص هذه «الأخلاقيات» بقوله: «لا بد أن نقذف ببعض ركاب السفينة إلى البحر وإلا غرقنا جميعًا»، بينما يكشف مؤيد آخر عن دافع الانتقام والتشفي وراء هذه السياسة فيقول: «إننا سنضطر إلى أن نترك الناس يموتون جوعًا في المجتمعات التي فشلت في تحديد نسلها».

موقف الإسلام من هذا التبرير:

     إن الإسلام يرفض تبرير الفقر بزيادة السكان؛ فقد أخبرنا الله -تعالى- في العديد من آيات القرآن الكريم أن الأرض واسعة، وأنها مليئة بالثروات من كل نوع (كالثروات الطبيعية، والحيوانية، والزراعية، والمعدنية)، وبمصادر الطاقة والقوة (كالماء، والشمس، والحديد)، وأن كل ذلك مسخر لمصلحة الإنسان، ومن ثم فرزق الله واسع ، ونعمه لا تحصى، وقد قال -تعالى-: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا (سورة هود: 6)،كما أخبر الله -تعالى- عن الأرض أنه: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا (سورة فصلت: 10)؛ولذلك حرم الله قتل الأولاد خشية الفقر فقال -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ (سورة الإسراء: 31)، وقد اقتضت حكمة الله وهدايته الناس للأخذ بالأسباب أن يقترن الرزق بالسعي لكسبه كما قال -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ (سورة الملك: 15)،وكذلك اقتضت حكمته -تعالى- ورحمته بالناس أن يجعلهم مستخلفين في الرزق، ومن ثم أمرهم بالإنفاق منه على الفقراء، على أن يكون ذلك من حقوقهم كما قال -تعالى-: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ (سورة الحديد: 7)،وقال -تعالى-: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (سورة المعارج: 24-25).

     وإذن فدعوى تبرير الفقر بزيادة السكان دعوى زائفة، وقد أثبت العلم الحديث زيفها بالأدلة العلمية القاطعة، وأن في الأرض ثروات تكفي أضعاف سكانها، وأن المشكلة لا تكمن في قلة الرزق، بل في حرمة الكسب، وسوء الإنفاق؛ أي تكمن في جشع الأغنياء واستعمالهم لوسائل الكسب الحرام، ولا سيما الربا والاحتكار والاكتناز، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وإسرافهم في الإنفاق على أنفسهم، وبخلهم على غيرهم بما آتاهم الله من فضله، وبعبارة أخرى: إن المشكلة لا تكمن في قلة الثروة أو نضوب مصادرها، بل تكمن في طرق اكتسابها، وسوء إنفاقها.

وتتأكد هذه الحقيقة بالإحصاءات التالية: 

  • البلاد الغربية الغنية: سكانها ١/٤ سكان العالم، ودخلها ٤/٥ دخل العالم. 
  • بلاد العالم الثالث الفقيرة: سكانها 3/4 سكان العالم، ودخلها 1/5 دخل العالم. معظم سكان العالم 3/4 لا يجدون الكفاية من الطعام، والمسكن، والكساء، والتعليم، والعلاج. 

     ويرتبط الفقر في العالم الثالث بانتشار الأمية والجهل والمرض، بينما أغنياء الغرب يأكلون بشراهة، ويحيون حياة الإسراف والترف.

  • في الأعوام الأخيرة كان العالم ينتج حوالي (۱۳۰۰) مليون طن من الطعام سنويًا، يستهلك أغنياء العالم الغربي وحدهم نصف هذه الكمية من الطعام سنويًا. 
  • أما حيوانات الأغنياء فتستهلك 1/4 كمية الحبوب التي ينتجها العالم سنويًا (في شكل حبوب أو لحوم)؛ أي ما يساوي استهلاك كل سكان الهند والصين. 
  • هناك أراض شاسعة صالحة للزراعة، ولكنها لا تزرع، أو لا تزرع كما ينبغي، بالرغم من وجود المال والوسائل العلمية والتكنولوجية لاستثمارها، وتبلغ مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في العالم (٢٥٠٠) مليون هكتار، يزرع منها (١٤٣٠) مليون هكتار فقط، ومعظم الأراضي الصالحة للزراعة (٩/١٠) تقع في العالم الثالث.
  • في أمريكا اللاتينية (7 %) من الأغنياء يملكون (٩٠٪) من الأراضي الزراعية، وفي آسيا 1/5 السكان يملكون 3/5 الأرض، وفي أفريقيا يملك ٤/٤ السكان أقل من (٤%) من الأرض. 
  • تشجع كثير من الدول الغربية مزارعيها على عدم زراعة بعض أراضيهم، وتقدم لهم التعويض المالي عن ذلك، للحفاظ على ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وعلى سبيل المثال في سنة ۱۹۷۲ دفعت الحكومة الأمريكية أموالًا للمزارعين ليمتنعوا عن زراعة (٦٠) مليون فدان بالقمح، مما أدى إلى ارتفاع أسعاره.
  • تقوم حكومات السوق الأوروبية المشتركة بتخزين كميات هائلة (يطلق عليها لفظ جبال MOUNTAINS) من الزبد، واللحم، والحبوب؛ أي تقوم باحتكار الطعام للحفاظ على ارتفاع أسعاره. 
  • من المعروف أن بعض الدول الغربية تقوم بإتلاف كميات كبيرة من المحاصيل الزراعية لتحقيق نفس الهدف.

لئلا نكون كغثاء السيل:

     وإذن فليست كثافة السكان أو زيادة النسل هي السبب الحقيقي في الفقر، بل إن زيادة النسل في الحقيقة ثروة بشرية تلعب دورًا فعالًا في محاربة الفقر، إذا أحسنت تربية النسل، وأحسن استخدام طاقاته أي إذا ربي تربية إسلامية.

     ومن ثم فالإسلام يدعو إلى زيادة النسل، ولكن هذه الزيادة ليست مجرد زيادة كمية، بل هي ترقية نوعية أيضًا؛ وذلك لأن الإسلام يوجب تربية النشء تربية إسلامية، تخرج منهم الأجيال التي تلتزم بالإسلام، وتطبق منهجه، وتقيم حضارته؛أي تحقق الحياة الطيبة على وجه الأرض، وهذا يقتضي الجهاد لشتم هيمنة الإسلام في الأرض، وتكون كلمة الله هي العليا.

     وبدون هذه التربية، وهذا الجهاد يصبح المسلمون -كما هم اليوم- كثرة «كغثاء السيل».

     إن الدعاة إلى تحديد النسل يجهلون أو يتجاهلون أن الأولاد في الأسر الفقيرة في العالم الثالث ليسوا مجرد «عبء اقتصادي»، وليسوا مجرد أفواه تأكل، وأمعاء تستهلك، بل هم في الحقيقة ثروة بشرية لا تقدر بثمن بالنسبة لأسرهم ومجتمعاتهم.

     فبالنسبة لأسرهم يقومون منذ سن مبكرة بأعمال كثيرة وهامة لمساعدة آبائهم في الحقل وأمهاتهم في البيت، ويصبحون عونًا ماليًا وإنسانيًا لوالديهم عند المرض أو العجز عن العمل أو كبر السن، ولا سيما في مجتمعات ليس فيها ضمان اجتماعي أو تأمين صحي، ولا تعتبر الحياة فيها -بوجه عام- متعة للفقراء، أو مزية للمستضعفين، لأن المنع والمزايا في تلك المجتمعات تحتكرها القلة من الأغنياء والأقوياء، أي أولى النعمة والسلطة، والموالين لهم: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (سورة الجاثية: 19).

     وأما بالنسبة لمجتمعاتهم فهم يكونون الأيدي العاملة، والطاقات العقلية والروحية الهائلة، التي تحتاجها المجتمعات الإسلامية أشد الحاجة في السلم والحرب، للتعمير والجهاد.

الرابط المختصر :