; رؤية من قريب لأحداث ساحل العاج.. المؤسسة الكنسية أقرت خطة لبقاء كرسي الرئاسة محتكرًا بأيدي النصارى | مجلة المجتمع

العنوان رؤية من قريب لأحداث ساحل العاج.. المؤسسة الكنسية أقرت خطة لبقاء كرسي الرئاسة محتكرًا بأيدي النصارى

الكاتب عبدالقادر سيلا

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-2000

مشاهدات 76

نشر في العدد 1393

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 28-مارس-2000

  • باريس غير مقتنعة بقائد الانقلاب الجديد لكنها تفضله على «واترا» المسلم المشكوك في ولائه لها.

  • حكومة بيديه أدخلت البلاد في أجواء تصفية عرقية حتى أصبحت الهوية الوطنية هاجسًا يطارد المسلمين.

لا شك في أن اسم الرئيس هنري كونان بيديه ينبو غير معروف على مسامع عدد من القراء، بيد أن اسم بلاده ساحل العاج، معروف لدى معظم مستهلكي القهوة والكاكاو، فساحل العاج من الدول الإفريقية النادرة بجنوب الصحراء التي استطاعت تحقيق إنجازات مهمة في مجال الاقتصاد والبنية التحتية والتعليم، وذلك بفضل ثرواتها الطبيعية المتنوعة، خصوصًا ثرواتها الزراعية، وهي أول دولة منتجة للكاكاو، وتصدر القهوة الجيدة والموز الممتاز، ومحصولات زراعية أخرى؛ فضلًا عن إنتاجها للأخشاب.

تهطل في هذا البلد ذي الخمسة عشر مليون نسمة الأمطار بغزارة، ويتكاثف هطولها كلما اتجهنا صوب الوسط والغرب، فيما تتناقص كميتها بالمناطق الشمالية المتاخمة لجمهوريتي مالي وبوركينا فاسو.

وإثر اكتشاف المستعمر الفرنسي لثروات ساحل العاج الطبيعية استقدم إليه اليد العاملة من الدول المجاورة، وخصوصًا من بوركينا فاسو الذي اقتطع طرفًا من أراضيها تعسفًا لضمها إليه، وكان هؤلاء العمال نواة ازدهار ساحل العاج، ويتمتعون بكامل حقوقهم، فهم الذين حولوا الغابات الكثيفة والأدغال الوعرة والأحراش الشائكة في هذا البلد إلى جنان مثمرة، وحدائق خضراء، يتفيأ خيراتها العاجيون، ويعيشون في بحبوحة رغيدة. 

وقد انتهج الرئيس الأسبق هوفيت بوانييه سياسة متزنة ذكية، امتازت باتباع نهج الحياد بين الأجناس المستوطنة في بلاده، فساد السلام والوئام، وعم الأمن والاستقرار، وتقلص شبح التوتر بين الفئات المستوطنة، وقل التنافر بينها؛ حتى حسب الناس أن جرس الاندماج بين الطوائف قد رن، فعرفت البلاد خلال ثلاثة عقود نوعًا من الرخاء؛ حتى أصبحت قطبًا يجذب المستثمرين والعمال.

سياسة هنري بيديه

قبل وفاة الرئيس هوفيت بوانييه كان قد عين على رئاسة الوزراء رجلًا مسلمًا من الشمال يتمتع بكفاءة فنية عالية، وحنكة سياسية نادرة، فنجح في تحسين الوضع الاقتصادي لبلاده، ويدعى ألسان درامان واترا، والاسم محرف من العربية «الحسن عبد الرحمن واترا».

وكان على رأس مجلس الأمة في الفترة ذاتها هنري كونان بيديه، وينص دستور ساحل العاج على أنه في حالة عجز أو استقالة أو وفاة الرئيس يقوم بأعمال رئاسة الجمهورية بالوكالة رئيس مجلس الأمة إلى حين انتهاء فترة الرئيس السابق، وإثر وفاة الرئيس هوفيت بوانییه نشبت خلافات بين رئيس الحكومة المسلم ورئيس مجلس الأمة بخصوص تأويل بعض بنود الدستور، وتمت تسويتها بالمصالحة، وإبرام اتفاق بينهما مؤداه أن يمتنع السيد واترا عن ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية لعام ١٩٩٥م، على أن يبقى له حق الترشيح مستقبلًا.

وما إن انتخب الرئيس هنري كونان بيديه رئيسًا للجمهورية سنة ١٩٩٥م، حتى شرع في تمهيد الطريق لحرمان منافسه المسلم من ترشيح نفسه لانتخابات عام ۲۰۰۰م، فسعى إلى تعديل قانون الانتخابات، ونسج الدسائس، واختلق العوائق، وسن القوانين العنصرية الجائرة، مما أدى إلى اشتعال الفتنة بين مواطنيه.

أسباب سقوط بيديه

تشابكت عوامل عدة قادت إلى سقوط الرئيس بيديه، لعل أبرزها تدهور الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ حتى وصلت الأمور إلى طريق مسدود، فلم يكن هناك بد من انفجارها. 

يُعد ساحل العاج من أغنى دول غرب إفريقيا الناطقة بالفرنسية وأكثرها تقدمًا وأوسعها بنية تحتية، فلديها من شبكة الطرق ما لا تدانيها أي دولة في المنطقة؛ إضافة إلى ناتج قومي متنامٍ، وقد ساعدها في تحقيق هذا النمو القياسي بالنسبة للمنطقة توافر المواد الطبيعية لديها، واليد العاملة الرخيصة، فانجذبت إليها رؤوس الأموال، وتصاعد الاستثمار، وازدهر الاقتصاد، وتكثفت الحركة الإنتاجية.

وشارك في هذه الإنجازات مختلف فئات وطوائف المجتمع العاجي، وسائر أقاليمها، ونشط فيها مزارعون وتجار أثرياء في الشمال المسلم، مثلما أسهم فيها مزارعون مسيحيون من الوسط والجنوب والغرب، وحققوا جميعًا ومعًا إنجازات في عدد من المشاريع الإنمائية. 

هذا البلد الذي كان يحلم به شباب منطقة الساحل لثرائه، تحول في عهد الرئيس بيديه إلى جحيم للأجانب وللمسلمين الشماليين، وأصبح بؤرة لنبذ وكره الغير، فتنامت إجراءات القمع والمطاردة ضد العاجيين المسلمين؛ حتى أصبحوا غرباء في وطنهم. 

واصل الرئيس بيديه هذه السياسة بتعنت شدید؛ حتى أقحمته في المأزق، فمن جهة، ازداد تدهور الاقتصاد الوطني من جراء البذخ والتبذير في وقت تدنت فيه أسعار الكاكاو والبن في الأسواق الدولية، فتقلصت بذلك السيولة لدى الدولة، ومن جهة ثانية صادف هذا الهبوط الحاد في أسعار المواد التصديرية، فشو الرشوة في المحيط المباشر للرئيس بشكل فاحش. 

ومن فضائحه اكتشاف اختلاس الأموال العامة التي تورط فيها موظفون كبار ثمانية عشر مليارًا من الفرنك الإفريقي معونة من الاتحاد الأوروبي.

رافق ذلك عجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها الدولية من جراء تراكم الديون الداخلية والخارجية المقدرة بالمليارات من الدولارات، وبلغت الأزمة المالية أوجها عندما لاح في الأفق خواء خزائن الدولة، واحتمال عجزها عن دفع رواتب الموظفين.

فعوضًا عن أن ينكب المسؤول الأول في الدولة على بحث حلول لهذه القضايا الأساسية؛ كرس جهوده لمحاربة أبناء الشمال فأنشأ لهذا الغرض جهازًا خاصًّا لمطاردتهم، وتجريدهم من جنسيتهم؛ حتى أصبحت الهوية الوطنية هاجس أبناء ذلك الإقليم.

ولتنفيذ هذه السياسة أصدر أمين عام الحكومة ألفونس كابو في ٢ نوفمبر ۱۹۹۹م مذكرة رسمية وجهها إلى الوزارات، يأمرها فيها بإحصاء المسؤولين في مختلف إدارات الدولة، وعلى وجه التحديد، مديرو الدواوين ورؤساؤها والمكلفون بالمهمات، والمستشارون والفنيون والمديرون العامون والقادة العسكريون والقضاة، تطلب من كل فرد من هؤلاء تحديد تاريخ میلاده وبنوته الكاملة.

تصفية عرقية 

هذه المذكرة أثارت زوبعة من الامتعاض خالقة حالة نفسية حادة لدى المواطنين الشماليين، ودافعة إياهم إلى اتهام حكومة بلادهم بتهيئة أرضية لتصفية عرقية واسعة النطاق، وإبعاد أولئك الذين تشكك الإدارة في هويتهم العاجية، وهي تعلم علم اليقين استحالة تمييز أبناء ساحل العاج من أبناء جمهورية مالي، بمجرد الاعتماد على الأسماء العائلية؛ لوجود الأسماء نفسها في أقطار عدة، وكونها متجذرة فيها؛ نظرًا لعدم وجود حدود حقيقية بين تلك البلدان قبل مقدم الأوروبيين؛ بل حتى بعد والقبائل وضع الحدود المصطنعة ظلت العشائر تنتقل من بلد لآخر وتقيم في قطر ثم لا تلبث أن تهجره لتقطن حيث تشاء. 

كيف تسمح حكومة إفريقية لنفسها، والحالة هذه بانتهاج سياسة مبناها التمييز بين مواطنيها على أساس واهٍ؛ أدت إلى زرع البغضاء والقلق الدائم. 

وبخصوص هذه السياسة الإثنية كتبت صحيفة لوباتريوت من الواضح اليوم أن السلطة لن تعين أبدًا في الوظائف المهمة في الجيش أو في الإدارة الذين لا ترضى الحكومة بآبائهم، للاحتياط، فمهما كانت نجابتك ومواهبك، وذكاؤك وإخلاصك ونزاهتك يُستشار أولًا اسم عائلتك عوضًا عن استشارة أحوال خدماتك. هذه هي الجمهورية الإثنية جمهورية تقوم قيمها على صفاء الدم مطلقًا.

فتنامي كره الأجانب وتنظيم مطاردة مسلمي الشمال وزرع التشاحن بينهم وبين غيرهم أسرع في تأكل نظام الرئيس بيديه وتدميره، في الداخل؛ مما أفضى إلى القضاء عليه في آخر المطاف. 

ولقد علق أحد سكان مدينة أبديجان على هذه السياسة بسخرية قائلًا: الإنسان العاجي هو كل من أسهم بالسخرة في نماء ساحل العاج بعرق جبينه في مزارع القهوة والكاكاو، وهو كل من خلقت سراويله جراء جلوسه على مقاعد المكاتب في تسيير الإدارة، نعم لبناء البلاد، لكن حذار إذا طالب بأكثر من ذلك كتطلعه إلى الترشيح لرئاسة الجمهورية.

ويبدو أن الدافع الحقيقي من وراء هذه المضايقات والانحرافات والاختراقات للدستور يكمن في الخوف من الديمقراطية والحريات السياسية التي أصبحت شعوب إفريقيا لا تساوم فيها، في حين لم يجن أحد منفعة من نشر الأفكار العنصرية لاستحالة وجود قبيلة أو مجموعة من قبيلة نقية الدم.

ويقول العارفون بأصول الرئيس بيديه: إنه ينحدر من قبيلة تقطن في جمهورية غانا، وإن أباه هو الذي هاجر إلى ساحل العاج، ويظهر أنه نسي أو تناسى هذه الحقيقة، فظل مصرًا على خططه إلى أن اضطره انقلاب عسكري إلى التخلي عنها قسرًا، لم تفلت أي فئة من العاجين المسلمين من اضطهاده؛ بل تطاول الأمر إلى أئمة المساجد، فقد صرح الإمام جيغيناسيسي لجريدة لافا بالقول: ففي أطراف مساجدنا نتعرض لمضايقات الشرطة؛ حيث تمارس بشكل مباغت التحقيقات في بطاقات الهوية والإقامة، فهل هذا هو علمانية الدولة.

ويضيف أحد المسلمين: إنه مجرد لبس «بويو» اللباس التقليدي لدى المسلمين الساحليين؛ يجعل المرء عرضةً لمضايقات شديدة، وتفتيش دقيق وشبهات عديدة

الدوحة الكثيفة تخفي الغاب

قد يطول البحث في الوازع الحقيقي وراء تلك التصرفات التي تتجاوز حدود الخوف من الديمقراطية، ويبدو أن الصحافة تتواطأ في إخفائها مع جهات مشبوهة، فالذي يختفي وراء الغابة هو هذا الصراع المرير بين الإسلام والمسيحية، فقد قررت هذه الأخيرة ألا تسمح لمسلم بتسلم الحكم في ساحل العاج، فسعت إلى وضع العراقيل أمام أي شخص منتسب إلى الديانة الإسلامية يسعى إلى رئاسة الجمهورية العاجية، ويقال بهذا الشأن إن مؤسسة التنصير وضعت خطة تهدف إلى بقاء كرسي الرئاسة محتكرًا بيد المسيحيين وحدهم في الدول التالية ساحل العاج، وبنين، وتوجو وبوركينا فاسو.

بهذا المنظار ينظر المنصرون إلى منطقة الغرب الإفريقي مع الإصرار على تنفيذ خططهم، وهو ما يفسر تعنت الرئيس بيديه، وتماديه في إهانة رجل ليس له ذنب سوى كونه مسلمًا يتطلع إلى كرسي رئاسة الجمهورية.

فالسيد واترا الذي سحبت منه الجنسية العاجية، سبق أن تقلد مناصب عالية في بلاده، فكان رئيس الحكومة في عهد الرئيس هوفيت بوانييه، وكان رئيس بنك المجموعة الإفريقية الغربية، ونائب رئيس البنك الدولي، كل ذلك باسم ساحل العاج، فمجرد ترشيح مسلم للانتخابات الرئاسية لساحل العاج يعد تحديًا للكنسية، يتحتم رفعه بالحيلولة دون تحقيق الترشيح نفسه بكل الوسائل، ولو اقتضى الأمر التزوير.

وهناك مؤشرات تقوي هذه النتيجة فعندما أصدرت حكومة ساحل العاج قرارًا بسحب الجنسية العاجية من السيد واترا مصحوبًا بحكم قضائي يقضي بالقبض عليه لمحاكمته بتهمة التزوير، كان المعني بالأمر حاضرًا في العاصمة الفرنسية، فلم تحرك فرنسا ساكنًا،  وتم حبك سيناريوهات القضية على مرأى ومسمع من باريس، فلم تحاول إطفاء فتيل الفتنة، وأكثر من ذلك حاولت إفشال الحركة الانقلابية بتثبيط عزيمة القائمين بها.

وقد أغضبتها مبادرة رجالها إلى إطلاق سراح أنصار السيد واترا من السجون، وإلغاء قرار سحب الجنسية منه، ودعوة حزبه إلى المشاركة في الحكومة الانتقالية، كل ذلك إن كان يفند المزاعم القائلة: بأجنبية وترا في ساحل العاج، فإنه دليل قاطع على مساندة الرئيس جاك شيراك لزميله المخلوع.

على أن محاولة باريس إفشال الانقلاب ألقت ظلالًا قائمة على مستقبل العلاقة بينها وبين النظام الجديد في أبديجان معكرة الصلات الحميمة بين البلدين. 

ففي الحقيقة كانت حركة ٢٤ ديسمبر ۱۹۹۹ م مفاجئة لفرنسا فأربكتها؛ إذ لم يخطر ببالها أن انتفاضة بهذا الحجم البسيط قادرة على الإطاحة بحكومة يعتقد أنها ذات جذور متينة. 

وكان من حسن حظ الانقلابيين تغير موقف فرنسا من سياسة بعض القادة الأفارقة الذين يطرأ على عقليتهم تغيير، فلم يفهموا أن فرنسا جاك شيراك غير فرنسا الرؤساء الذين سبقوه؛ إذ يتقاسم الرئيس الفرنسي الحالي السلطة مع رئيس وزراء يتمتع بأغلبية كبيرة في مجلس الأمة، الأمر الذي يستدعي تشاورهما في أي تدخل عسكري في إفريقيا. 

أضف إلى ذلك أن جنود الصف - الذين كانوا النواة الأولى للانقلاب – استدعوا لقيادة وتأطير انتفاضتهم ضابطًا متقاعدًا، كانت له خصومات مع الرئيس المخلوع الذي كان قد أمره بإنزال الجيش في الشارع لإخماد انتفاضة شعبية كانت قد اندلعت عام ۱۹۹٥م، إثر انتخابات تلك السنة، فرفض باعتباره قائدًا عامًا للقوات المسلحة، وقال كلمته المشهورة في ندوة صحفية: الجيش مكلف بحماية حدود البلاد، وليس لإخضاع الشعب، فغضب عليه الرئيس، فأقاله من منصبه، فجاء دور الضابط المتقاعد لينتقم من خصمه، ويقيله من منصب رئاسة الجمهورية. 

لا شك أن الرئيس بيديه أسهم إلى حد بعيد في خلق المشكلات بمحاولته خلقها لغيره، كما يبذل جهدًا لحلها؛ بل كرس جل اهتمامه على قضية واحدة هي إعادة انتخابه في أكتوبر عام ٢٠٠٠م، فاختلق لهذا الغرض فلسفة «العاجية النقية» مسممًا جو الحوار السياسي؛ إذ لم تتبلور أي شيء فيما عدا التذمر الشديد والمعارضة القوية لسياسته. 

وبرغم كون الرئيس بيديه استفاد كثيرًا من سابقه، إلا أنه لم يستطع استقطاب مواطنيه حوله ولا أعضاء حزبه، ولعل بقاء هذا الأخير صامتًا بعد الإطاحة به يغني عن كل تعليق؛ مما يبرهن عن فقدان نظامه أي قاعدة حقيقية بسبب غياب الشفافية في قراراته واحتقاره للمبادئ الديمقراطية ومؤسساتها القائمة في بلاده، رافضًا الاستجابة لمطامح وتطلعات أبناء ساحل العاج، لتصميمه على القضاء على خصومه السياسيين مراعاة لأدنى اعتبار.

وحتى دول الجوار تنفست الصعداء بسقوط الرئيس بيديه، وكان استنكارها للانقلاب مجرد مجاملة؛ إذ استمراره في السلطة سيفضي لا محالة إلى انفجار قد تصل شرارته إليها، خصوصًا أن لبعض تلك الدول رعايًا في ساحل العاج، يعدون بمئات الآلاف.

سيناريوهات المستقبل

على أن اختفاء نظام الرئيس بيديه لا يعني بالضرورة حلولًا لمشكلات المسلمين، فالأحرى فتح الطريق أمامهم نحو رئاسة الجمهورية؛ بل لا يزال الطريق طويلًا نحو القصر الجمهوري بأبديجان، لكن الشيء الجديد هو أن الانقلاب فتح أمامهم ولأول مرة إمكان التطلع إلى الاضطلاع بمهام رئيس الدولة في بلادهم، ولذلك من السابق لأوانه التصفيق لانتصار لم يتحقق بعد، ولا سيما أن الدسائس تحاك في الخفاء لتنحية المسلمين عن رئاسة الجمهورية العاجية.

وهناك سيناريوهات لهذه التنحية لعل أهمها احتمال ترشيح زعيم الانقلاب للانتخابات القادمة، مثلما فعل قبله عسكريون بعد استيلائهم على الحكومة، وهو احتمال وارد فبعد إقالة رئيس الجمهورية وحل مجلس الأمة، وتعليق الدستور وسائر مؤسسات الدولة السياسية، لم يفصح الرجل القوي في ساحل العاج عن نواياه الحقيقية، ولم يعلن عن موعد محدد لإجراء الانتخابات العامة، ولا يستبعد ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية، وقد كان يكتفي بالقول إنه أتى لإعادة ترتيب شؤون البلاد، واستقرار الأمن، والقضاء على الفساد، وتنظيم انتخابات نظيفة ونزيهة وحرة.

قائد الانقلاب

ويشار إلى أن الجنرال روبرت جيه قائد الانقلاب، يتمتع بشعبية واسعة قد تكون عقبة أمام أي مسلم يترشح لرئاسة الجمهورية، وفضلًا عن ذلك، فإن باريس غير راضية لترشيح المسلم السيد واترا لاتهامها إياه بالولاء لواشنطن على حسابها، ولا ينبغي الاستهانة بعداء فرنسا لمترشح الرئاسة ساحل العاج، باعتبار هذا البلد إحدى الدول الأربع التي تحظى برعاية خاصة من قبل الحكومات الفرنسية المتعاقبة، وهي: السنغال، وساحل العاج، والجابون، والكاميرون، فأي نظام فيها لا بد له من تأييد ومباركة باريس ليدوم طويلًا.

قد لا تحبذ فرنسا أن ترى الجنرال جيه رئيسًا منتخبًا لجمهورية ساحل العاج، ولكن لاعتبارات أخرى تفضله على المترشح المسلم ألسان درمان واترا الحسن عبد الرحمن واترا. وبهذا الشأن يرد اسم مترشح ثالث هو لوران باجبو زعيم الحزب الاشتراكي العاجي، والمعارض الشهير للرئيس الأسبق هوفيت بوانييه وعضو الاشتراكية الدولية الذي يمتلك صلات وثيقة ببعض الأوساط الاشتراكية الفرنسية، إضافة إلى أنه مسيحي، وبهذه الصفة فهو مقبول لدى الكنيسة وفرنسا معًا.

 وقد بدأت وسائل الإعلام بترويج بعض الأفكار الهادفة إلى التشكيك والتخويف من ترشيح واترا، وتتحدث عن ميزات يتمتع بها قائد الانقلاب المسيحي لكونه من المنطقة الغربية من البلاد. فرئاسته للجمهورية ستكون عامل توازن بين الشمال المسلم والوسط الأرواجي المسيحي، فيما تتخوف من مغبة فوز مسلم من الشمال في الانتخابات لاحتمال حدوث قلاقل بين المسلمين والمسيحيين. 

كل هذه الأقاويل ما هي إلا توطئة لتنحية المسلمين عن رئاسة الدولة، وانفراد النصارى بها.

ولا أعتقد أن الطائفة المسلمة بساحل العاج تقبل هذه الخدعة وتطاوع مخططات أعدائها، فتتخلى عن حقها المشروع في تولي أعلى سلطة في بلادها، وتنهزم قبل بداية المعركة بعد أن قاست الويلات في ظل نظام لم يتورع عن نزع الجنسية عن أفرادها، وطردهم وتشريدهم. 

ومهما يكن من أمر، فقد سجل المسلمون العاجيون أول انتصار لهم على خصومهم بوقوفهم صفًّا مرصوصًا ضد تحول ساحل العاج بلدهم إلى جمهورية إثنية مسيحية عنصرية .

الرابط المختصر :