; رؤية نهضة مصر "أم الدنيا " بناء نظام سياسي راشد | مجلة المجتمع

العنوان رؤية نهضة مصر "أم الدنيا " بناء نظام سياسي راشد

الكاتب ا. محمد سالم الراشد

تاريخ النشر السبت 21-مايو-2011

مشاهدات 54

نشر في العدد 1953

نشر في الصفحة 8

السبت 21-مايو-2011

شكلت الثورة المصرية علامة بارزة في تاريخ الثورات العربية التي بدأت في تونس مرورا بمصر ومازالت مستمرة في ليبيا واليمن وسورية، والرياح قادمة، فالثورة المصرية ذات دلالات قيمية وأخلاقية عالية ونتائجها مستمرة لم تتوقف والثمرة المرجوة من هذه الثورة أن تستطيع أن تشكل واقعا سياسيا ومدنيا جديدا يقوم على أساس العدل والحرية والمساواة والكرامة الإنسانية للشعب المصري، وأن تكون قيم الإسلام مرجعيته، وأن تستطيع روح الثورة أن تسطر رؤية لبناء مجتمع مصري جديد ناهض ونهضة مصرية جامعة. وقد أبدينا وجهة نظرنا في الأعداد السابقة في أولويتين هما: بناء الإنسان المصري الجديد  و نحو عقد اجتماعي جديد ، واستكمالا للأولويات التي نحاول تأصيلها في سيناريو مصر أم الدنيا .. فإننا في هذا العدد، نؤسس الأولوية الثالثة: وهي بناء نظام سياسي راشد ...

● الدولة الجديدة: الإطار النظري

في رؤيتنا، أن الحكم وسياسة الناس من أهم الأعمال الاعتبارية، والتي لها مكانة عظيمة في ديننا، فالحاكم العادل مع النبيين والصديقين والشهداء، والإمام العادل من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والدولة التي أسسها رسولنا صلي الله عليه وسلم  كانت قدوة ومنهاجا في السياسة، كما قال عليه الصلاة والسلام وتبعه من بعده في ذلك صحابته على أساس هذا المنهاج في خلافتهم الراشدة خلافة على منهاج النبوة ... كما قال النبي صلي الله عليه وسلم    فيما أخرجه أبو داود : «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء»، وعليه، فإن من أتى من بعدهم كانوا مأمورين بالسير على نهج تلك الخلافة الراشدة لأنها تقوم على أساس حاكمية الكتاب والسنة وقانونية الشريعة الإسلامية، ودستورية الاختيار وإقامة العدل بالحق، وكفالة الرأي والتعبير وسياسة الناس والمسؤولية عن الأمة، وإقامة فرائض الإسلام والجهاد.

ومنذ سقوط الخلافة العثمانية، وسيطرة الاستعمار الأجنبي، ومن بعدها حروب التحرير الوطني، وبعد استقلال الأوطان العربية.. تمكن قانون الأجنبي في السياسة وإدارة الحكم مما أوجد حالة من النظام السياسي المرتهن قانونيا وعمليا واقتصاديا للأجنبي.

ومصر ليست حالة خاصة من دون هذه الأقطار العربية، فقد سيطرت الحالة التغريبية على نظام الحكم فيها، وطورت مناهج في السياسة والاقتصاد والتعليم والثقافة.. بما يعزز تمكين أساليب الحكم العلماني والليبرالي فيها واليوم تعود مصر من جديد لتبني لنفسها نظاما سياسيا جديدا قادرا حرا، ملتزما بمرجعية الأمة في مصر وهي الإسلام، وأن يحررها من العقود والالتزامات الأجنبية المهينة لمصر وشعبها وأن يعيد لمصر موقعها وريادتها ويحرر سيادتها ويؤسس نهضة جديدة.

● المبادئ العشرة للدولة والنظام السياسي الراشد

 في إطار اتجاهات إدارة الدولة الحديثة والجديدة، وفي إطار مرجعيتها وهويتها : فإن النظام السياسي الجديد للدولة يجب أن يقوم على مبادئ عشرة، هي:

١ - نظام سياسي دستوري ذو مرجعية إسلامية ويستفيد من تراث العصر بما لا يخالف هذه المرجعية، وهوية عربية وطنية تتبنى الديمقراطية العادلة، وتتعاون فيها السلطات جميعا، ويُعزّز فيها دور المجتمع المدني، ويطبق فيها القانون، ويلتزم بالعدل لمواطنيه ومساواتهم ويحقق التعاون والتكامل والتكافؤ في مستوى السلطات والمسؤوليات بين السلطات الثلاث التشريعة، والتنفيذية والقضائية.

٢- الالتزام باحترام وخدمة المواطنة كاملة، وذلك باحترام حقوق المواطنة والشعب المصري ورعايته، وتوفير كفايته، واستخلاص حقوقه، وإطلاق طاقاته، وتنمية إمكانياته والحفاظ على أمنه وتعليمه، وتنمية كيانه العقلي والمعنوي والمادي.

٣- الأمن الوطني المسؤول؛ خادم للشعب مخلص للوطن، ملتزم بالقانون قادر وكفء، تنمى إمكاناته وقدراته، وتطور خططه لحماية الشعب والوطن والأمة، ويستوعب في إطاره المخلصون والصالحون.

٤- دولة العلم والإيمان والعمل: إن من أوجب واجبات النظام السياسي الجديد : توظيف العلم والإيمان والعمل لنهضة الوطن، ونشر التعليم وتربية الشعب على العزة والكرامة والاهتمام ببرامج الإيمان الدافعة لتوظيف الدين لخدمة مشروع الوطن والأمة، وتشجيع العمل المنتج البناء، وإطلاق الطاقات للتنمية.

٥- إدارة فعالة راشدة  تمكين الحكم الرشيد بالإدارة المتطورة ومعالجة خلل الإدارة السياسية ونظام الحكومة وهيئاتها ومعالجة البيروقراطية والأطر الرسمية، ودعمها بالتقنية الحديثة.

 ٦- اقتصاد قوي على أساس مشروع تنموي وذلك بإعادة هيكلة اقتصاد الدولة لتمكين المال في دورة حقيقية منتجة قادرة على معالجة الفقر والديون والبطالة، وتوفير فرص العمل، وتشيد المشاريع النهضوية، وتحرير المال من سيطرة البنوك الأجنبية وفتح السوق الإنتاجية على حساب السوق الاستهلاكية. 

٧- سوق حرة مسؤولة وملتزمة بضمانات اجتماعية للشعب ومشاركة في البناء  حيث يتم إعادة بناء سوق واعدة على أساس قوانين تكسر الاحتكار، وتستدعي التنافس الخلاق، وتتيح فرص تطوير وتحسين الإنتاج وتخلق سوقا مصرية مميزة ملتزمة بالشفافية والقانون طاردة للفساد، ومنفذة لتطوير الطبقة الوسطى، ومسؤولة عن توفير احتياجات وضمانات اجتماعية للطبقات الفقيرة في المجتمع، ومعنية للإبداع في مجال الاقتصاد التنافسي لرجال الأعمال.

٨- اسيتعاب القوى الجديدة فالدولة منوط بها أن تستكشف تلك الطاقات في حركة المجتمع التي أشعلت الثورة المصرية قد أطلقتها قطاعات القوى الجديدة وهي: الشباب، والمرأة، ومواقع المنتديات الاجتماعية والإلكترونية، وعالم الفضاء، ومؤسسات الحقوق المدنية، هذه الخماسية لابد وأن تستوعب في برامج الدولة، وأن تستفيد من إمكاناتها وطاقاتها، وتصنع لها هياكل وبيئات إيجابية لعمل بناء نهضة مصر الجديدة.

٩ - الدور الريادي في الواجبات القومية  وهو واجب أصيل في الدولة المصرية؛ إذ إنها كانت حصن ودرع الأمة العربية والإسلامية، وقلبها النابض في حيويتها وحضارتها وتضامنها وجهادها ومقاومتها ... وإعادة هذا الدور هو علامة بارزة للنظام السياسي الجديد .

١٠ - تعزيز إستراتيجية الموقع والموارد والإمكانات لبناء العلاقات الدولية والنهضة الحضارية:  إن الدولة المصرية الجديدة ستقاس بمدى قدرتها في تعزيز إستراتيجيتها وموقعها ما بين العالم القديم والجديد، وهي الرابط الجغرافي فيما بين أفريقيا وأوروبا وآسيا، وسعيها لتوظيف إمكاناتها من الموارد المائية والطبيعية والثروات وإطلاق طاقاتها البشرية (۸۰) مليون نسمة  لتبني منها مشروعا لعلاقات دولية حضارية مميزة ناهضة.

● النظام السياسي الراشد الإطار العلمي هناك مجموعة من البوابات المهمة والتي يولج فيها لإقامة نظام سياسي راشد ومسؤول.

- البوابة الأولى : امتلاك الرؤية إن أهم ما يميز أي نظام سياسي هو أن يمتلك رؤية سياسية للحكم الرشيد ورؤية مدنية للنهضة؛ لذا فإن كفاءة أي نظام هو أن يختار رئيسا أو حزبا أو مجموعة سياسية أو فريقا تكنوقراطياً قادراً على بناء مستقبل زاهر لأمته ولدينا نموذجان النموذج الماليزي بزعامة الرئيس السابق مهاتير محمد حزب أمينو الوطني، والذي بدأ برؤية سياسية واضحة المعالم، هدفه منها إقرار نظام سياسي متكامل ومتماسك داخليا، بالرغم من اختلاف العرق الماليزي والصيني والهندي وهي المكونات الرئيسة لشعب ماليزيا مع ممارسة سياسة قائمة على الديمقراطية والتعددية والاتحادية وتداول السلطة، كما ويمتلك رؤية مدنية ( ٢٠٢٠) لبناء ماليزيا الحضارية، منها أصبحت ماليزيا الآن أكبر دولة في العالم الصناعة الموصلات الإلكترونية مع صناعة السيارات والطائرات والأدوات التكنولوجية الجديدة 

- أما النموذج الثاني: فهو النموذج التركي بقيادة السيد رجب طيب أردوغان، وأيضا استطاع عبر حزب العدالة والتنمية أن ينشئ رؤية سياسية متدرجة ومتزنة، قادرة على أن تتعايش من خلالها العلمانية مع التوجهات الإسلامية المحافظة، والجيش مع الأحزاب المدنية، والأكراد والأقليات مع الأكثرية الطورانية كما وأنشأ رؤية مدنية صفرت مشکلات تركيا مع جيرانها، وجعلت تركيا بلدا حضارياً متقدماً قادرا على صناعة كل مستهلكاته، وقد ارتفع الدخل القومي للفرد من (۱۰۰۰۰) دولار إلى (۲۵۰۰۰) دولار، وأصبح الاقتصاد التركي سادس اقتصاد في أوروبا، و (۱۷) على المستوى العالمي، ويسعى الرئيس «أردوغان» بمشروعه الاقتصادي الجديد وهو بناء قناة إسطنبول طولها (٥٠) (كم) وعرضها (١٥٠م) لوصل مياه البحر الأسود ببحر مرمرة، ويقيم على أساسها مدينة جديدة يزيد سكانها على مليون نسمة، ويؤمن مئات الآلاف من فرص العمل، وتحريك الاقتصاد التركي.. إن هذين النموذجين الناجحين في توفير تعايش وطني سلمي وأمان معيشي واقتصادي متقدم، ليضع أمام مصر تجربتين مهمتين لنظام سياسي ذي رؤية سياسية ومدنية. ففي مصر منذ قرون، كان محمد علي باشا يمتلك رؤية سياسية ومدنية، استطاع من خلالها إقامة مصر الكبرى تعايش فيها المسلمون والمسيحيون، ونهضة مدنية نقل من مدينة خلالها الإمكانات التركية والأوروبية لبناء عامرة في مصر، لكن في العقود الأخيرة كانت رؤية «عبد الناصر » فاقدة للرؤية السياسية التي تحدث التعايش فأسس دكتاتورية العسكر ولم تكن هناك الرؤية المدنية، فكان البديل بناء القومية العربية لتحرير الأراضي العربية هي الرؤية المدنية، والتي فشلت بسبب تهالك الرؤية السياسية.. ومن بعده أتى «السادات» الذي حاول بناء رؤية السلام على حساب الأراضي العربية، والقضية المركزية للأمة في فلسطين.. أما «مبارك» فقد بنى رؤية الحكم الجمهوري الوراثي على حساب بيع الوطن والممتلكات العامة والأمن القومي للأجنبي وطبقة المنتفعين.

إن من أهم التحديات التي تواجه النظام السياسي القادم هو قدرة الدولة والمواطنين في مصر الجديدة أن يختاروا رئيسا وفريقا قادرين على أن يضعوا مع الشعب رؤية سياسية واعدة وآمنة، ورؤية مدنية ناهضة تعبر بمصر إلى مصاف الدول العالمية المتقدمة، وتقدم نموذجا سياسيا تعايشيا إنسانيا، ونموذجا حضاريا مدنيا قادرا على استيعاب الهوية الإستراتيجية والإمكانات والطاقات والعلاقات النهضة جامعة هي رؤية مصر أم الدنيا …

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 146

111

الثلاثاء 17-أبريل-1973

كتاب (دفاع عن الشريعة)

نشر في العدد 2087

61

الثلاثاء 01-سبتمبر-2015

نيجيريا

نشر في العدد 1166

62

الثلاثاء 12-سبتمبر-1995

التاريخ للكفاح الوطني واجب