; رؤية نهضة مصر «أم الدنيا» (1) | مجلة المجتمع

العنوان رؤية نهضة مصر «أم الدنيا» (1)

الكاتب ا. محمد سالم الراشد

تاريخ النشر السبت 16-أبريل-2011

مشاهدات 116

نشر في العدد 1948

نشر في الصفحة 12

السبت 16-أبريل-2011

شكلت الثورة المصرية علامة بارزة في تاريخ الثورات العربية التي بدأت في تونس مرورًا بمصر وما زالت مستمرة في ليبيا واليمن وسورية والرياح قادمة، فالثورة المصرية ذات دلالات قيمية وأخلاقية عالية، ونتائجها مستمرة لم تتوقف، والثمرة المرجوة من هذه الثورة أن تستطيع أن تشكل واقعًا سياسيًا ومدنيًا جديدًا يقوم على أساس العدل والحرية والمساواة والكرامة الإنسانية للشعب المصري، وأن تكون قيم الإسلام مرجعيته، وأن تستطيع روح الثورة أن تسطر رؤية لبناء مجتمع مصري جديد ناهض، ونهضة مصرية جامعة.

مصر تاريخ من الحضارة والمدافعة الحضارية؛ فمصر بتاريخها الحضاري الكبير وموقعها الاستراتيجي المهم، وإنسانها المعطاء قد استوعبت المتغيرات الدولية والحضارية على مرور القرون والأزمان، مرورًا بالحضارات القديمة في مصر، فمنذ أن دخلت مصر في عهد الإسلام الحضاري بقيادة الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه سنة (٢٠ هـ- ٦٣٩م) وهي تتقلب بين فصول الحضارة وبين مدافعتها لصراع الحضارات الباغية، فقد كانت مصر قلعة صلاح الدين ومأواه بعد تطهير بيت المقدس من الصليبيين عام ۱۱۸۷م، وحاضرة عهده المنير، وشهدت المنصورة العامرة «عاصمة محافظة الدقهلية –مصر» في ۱۱ فبراير ١٢٥٠م استسلام «لويس التاسع عشر» ملك فرنسا على يد فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ، وسجن في دار القاضي ابن لقمان، وبعد هذا الاستسلام انحط الغزو الصليبي لمصر إلى الأبد.

ومصر الصامدة هي التي دمرت جيش المغول وهزمتهم في معركة «عين جالوت» بقيادة قطز في ٢٥ رمضان ٦٥٨هـ الموافق 3 سبتمبر ١٢٦٠م، وكانت صرخة واإسلاماه صرخة غيرت الزمان والآفاق؛ حيث عزز هذا الانتصار عودة الأمة العربية والإسلامية لخلافتها وتماسكها، وتوجت على مصر حكم المماليك لقرنين كاملين.

ومرورًا بعهد محمد علي باشا الذي أسس مصر الحديثة ما بين (١٨٠٥- ١٨٤٨م)، حيث انتقل بمصر لتقود عصر نهضة المسلمين، ومكن للاستقرار، وقضى على الإنجليز في معركة «رشید»، ونظم الحياة السياسية والعسكرية والمدنية بشكل جديد، وأطلق عالم الصناعة في مصر ليصبح اقتصاد مصر متطورًا، وقاومت مصر في القرن العشرين المستعمر الأوروبي بثورات ۱۹۱۹م، و١٩٥٢م، وحرب القناة وفلسطين، وخاضت في سبيل أمتها جميع الحروب بين خسارة وانتصار (١٩٤٨ - - ١٩٥٦ -1967- ۱۹۷۳م)، إلا أن اتفاقية «كامب ديفيد» أوثقت مصر، وأوقعتها في بئر من الفساد السياسي والمالي، وتم تدمير اقتصاد مصر، وأسرها تحت الهيمنة الأمريكية وديكتاتورية الطاغية المتدثر بعصابة امتصت ثروة مصر، وحولتها إلى ملكية خاصة، إلى أن حرّرتها ثورة الشباب، ثورة ٢٥ يناير ۲۰۱۱م ليطلع فجر جديد على مصر وعلى الأمة العربية، لذا فإن آمال العرب والمسلمين متعلق بمصر وثورتها، لتسطر عهدًا جديدًا من نهضة الأمة العربية الإسلامية.

التعامل مع معطيات الثورة وبنائها:

إن أية ثورة من الثورات ستجد شرائح من الناس حولها:

الحلفاء: وهم رفاق الثورة وجماهيرها الذين سارت خلفهم جموع الشعب المصري، فأيدوها وامتزجت عواطفهم وعقولهم وجهودهم معها وهناك حاليًا أكثر من 7 مجموعات متحالفة في ائتلافات يسمى بـ«ائتلاف الثورة»، ومن المهم أن تشكل هذه الائتلافات قلب الثورة وملهمها، وتحافظ على مسارها من التفرق والاختلاف والاختراق.

الحالمون من الشعب: وهؤلاء غالبية الشعب المصري الذي سعد بالثورة، وورث أحلامها، فهو مستعجل على النتائج، ومتلهف للتغيير، ويريد أن يصل إلى مبتغاه بالسرعة الممكنة، لذا فإن على الثورة أن تخاطب العقل الثوري فيه بعد هدوء عاصفة التغيير؛ حتى يصل إلى أرض الواقع، وأن يكون الخطاب الإعلامي لهؤلاء بسيطًا وسريعًا وفعالًا حتى لا يحبط الشعب المصري، ويعتقد أن حلمه قد طار في واقع الأحداث.

المخالفون والمنافقون: وهؤلاء الذين وقفوا يرقبون النصر أو الهزيمة، فلما رأوا أن النصر قد لاح انضموا للثورة من أجل مخالفتها ومزاحمتها على أغراضها وأهدافها، وأرادوا أن يكون لهم سبق الكسب من هذه الثورة، وقد حاولوا التشكيك في نتائجها، ووقفوا ضد التصويت على التعديلات الدستورية بغية التقليل من نجاح هذه الثورة، وما زالوا يراهنون على فشلها وتخويف الشعب من سيطرة الإسلاميين على الثورة ومكاسبها.

الخاسرون: وهم بقايا النظام السابق الذي اصطلى بناره الشعب المصري، وهؤلاء ما زال بعضهم في الجسم المدني للنظام السياسي وآخرون يخططون في الظلام، وبعضهم تخفى بعباءة المنافقين يظاهرون الناس بتأييدهم للثورة وقلوبهم مع النظام السابق.

فالحلفاء: عليهم أن يؤمنوا بالمشتركات، وأن يتعاونوا على الغايات، ويسعوا بعمل موحد وقائمة من الإنجازات المشتركة.

والحالمون: تتضح الحقيقة لهم بخطاب إعلامي واقعي ودعوتهم لبذل الجهد والالتزام بقيم الثورة والصبر مع الأمة المصرية لإنجاز مقصودها.

والمخالفون المنافقون: كشف حقيقتهم، وحبالهم بالحسنى وإبعادهم عن قيادة الأمة المصرية.

والخاسرون: إقامة الدعوى عليهم وعلى كبرائهم، أو المصالحات العادلة التي تعطي للشعب حقه، وتعيد هؤلاء إلى إنسانيتهم ووطنيتهم واحترام الثورة والأمة.

أهمية التغيير الذي قامت به الثورة المصرية:

لذا، فإن عالم العرب وحتى المسلمين في العالم يترقبون من نموذج الثورة المصرية الكثير، إن العالم متوثب لينظر ماذا تفعل مصر فيقرر الآخرون المسار، وذلك للأسباب التالية: 

الأول: إن مصر هي قلب الأمة العربية والإسلامية، وجسدها النابض بحيويتها وأن مسار التاريخ أثبت أن لحظات الانكسار أو الانحسار للأمة متى ما كانت مصر فيه مستضعفة أو مستلبة الإرادة ولحظات المدافعة والتغيير والانتصار متى ما كانت مصر قوية ناهضة.

لذا، فإنه من المتوقع أن تكون «مصر الثورة» الجديدة، لها دور كبير في تغيير مواقع وموازين القوى الإستراتيجية في العمل والعلاقات الدولية، ولها تأثير في مشاريع التغيير العولمية القادمة على المنطقة العربية والإسلامية.

ثانيًا: إن حجم التوقعات على مستوى التغيير في الداخل المصري سيؤثر بشكل مباشر على حجم التغيير في الداخل العربي، فمصر تستطيع بطبيعة قدرتها وإمكاناتها الثقافية والفكرية والإعلامية أن تخلق تيارًا تغييريًا على مستوى الوعي والثقافة؛ مما يؤدي إلى تعديلات في بنية النظام السياسي العربي من الداخل، وإعادة رؤيته ليواكب متطلبات العدل والحرية والكرامة الإنسانية، ويسعى بالتنمية إلى آفاق عالمية.

وثالثها: إن موقع الحركة الإسلامية الأم وهي «جماعة الإخوان المسلمين» في مصر، وهذه الحركة هي الرائدة في بسط الفكر الوسطي وقيادة العمل الإسلامي البناء للأمة، ومتى ما ساد هذا الفكر الوسطي على حساب الأفكار المتطرفة أو المفرطة بالدين؛ عادت للأمة وسطيتها في العمل والإنجاز والتبليغ والريادة، وعندما تصف الحركة الإسلامية إمكاناتها وقوتها مع الحراك الوطني ليجسد في مصر حراكًا تغييريًا هادفًا نحو غايات الإسلام الذي يسعى لبناء الأمة في المكان والزمان، ولتكون مصر هي قائدة هذا التغيير وهذا البناء بجهود هذه الحركة المباركة والآخرين.

ورابعها: إن مصر اليوم مقبلة على شراكة سياسية واجتماعية لصناعة نموذج حضاري «سياسي -اجتماعي -اقتصادي» توافقي ينعكس آثاره على المنطقة بأسرها، ينتشل الإنسان المصري من عبودية الدكتاتوريات والامتهان، وسيطرة الإقطاع الرأسمالي العولمي على بشريته، ليكون حرًا كريمًا، ولبناء دولة حضارية ذات مرجعية إسلامية، تحترم فيها الأديان والأعراف، وتلتزم بالقانون، وتطلق آفاق التنمية، ويجد الجميع فيها دورًا حضاريًا.

وخامسها: وهو أن مصر ستعود ريادتها للقيام بدورها في إعادة ترتيب الأمن القومي العربي، واصطفافه في محور الأمة، لا تنحاز للولايات المتحدة بغربها المهيمن المتوحش ولا لمشاريع الطائفية أو العرقية، وإنما إعادة تصليب محور الأمة العربية وإعادة القطبية الفلسطينية إلى وضعها الأساس، ناصرة للمقاومة، متدافعة مع المشروع الصهيوني في المنطقة تواجه مشاريع التمزيق والتهميش والضعف، وهي المسؤولية التاريخية التي كانت مصر هي الرائدة فيها والمعول عليها بعد الله لهذه الأمة.

وسادسها: إن نموذج الثورة المصرية الجديدة سيكتب قيمًا جديدة تميزت بالصدق والصبر والأخلاق والترفع عن الصغائر، والسعي للمشتركات، وانعدام الذات لصالح الوطن، لذا فإن قاموس أخلاق الثورة يجب أن يبسط نفسه على الحياة الاجتماعية والسياسية والمدنية في مصر، ومن ثم سينعكس ذلك مباشرة على جميع الثورات في اليمن وليبيا وسورية.. وغيرها، بما يشكل نموذجًا قيمًا يجدد نفسه في أي مكان وأي زمان.

لذا، فإن مساهمتنا في هذه السلسلة من المقالات هي محاولة لوضع سيناريو الرؤية نهضة مصر الجديدة، وقد أطلقت على هذا السيناريو «مصر أم الدنيا»، فهي حقيقة أم الدنيا لإمكانياتها البشرية، وموقعها الاستراتيجي وثرواتها الطبيعية، وموقعها السياسي، وسنتابع في الحلقات القادمة -بإذن الله- الخطوط العامة لهذا السيناريو بما نعتقد أنه يقدم لشباب مصر ورجالها إضافة متواضعة يمكن التمعن فيها لتمكين مصر لتكون فعلًا «أم الدنيا»..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

604

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية