العنوان رئيس محكمة الاستئناف الشرعية القاضي أحمد ناطور يؤكد:
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2005
مشاهدات 86
نشر في العدد 1655
نشر في الصفحة 26
السبت 11-يونيو-2005
الأوقاف الإسلامية في فلسطين صودرت بالكامل!
أطالب بتسليم المساجد كلها للمسلمين ... و نحن قادرون على ترميمها و حماية حرمتها
أحيي جماهيرنا التي تهب لحماية المقدسات.
لماذا لا يعتقل الكيان الصهيوني المجموعة المتطرفة التي تهدد الأقصى؟
قلبي يعتصر حزنًا على ما آلت إليه الأوقاف الإسلامية.
مساجد ومواقع إسلامية ضاعت في زماننا إلى غير رجعة.
في ظل تزايد انتهاكات قوات الاحتلال الصهيونية للمقدسات والأوقاف الإسلامية في البلاد، وفي حين أنها تسطو على هذه المقدسات بحجة إعادة ترميمها إلا أن الجميع يقف صامتًا عاجزًا عند مصادرة هذه المقدسات بعد ترميمها، فبعض المساجد تحول إلى ملاهٍ وبارات! والبعض الآخر تحول إلى كنيس يهودي، ويبقى حال المسلمين هكذا.. فكيف سنواجه الأجيال القادمة وقد فرطنا في أعز ما نملك؟! رئيس محكمة الاستئناف الشرعية في القدس.. القاضي أحمد ناطور يزيد علينا الأحزان ويجدد علينا المواجع في هذا الحوار:
هناك فتاوى قمت بإصدارها لمنع مواصلة الانتهاك والاعتداء على المقدسات الإسلامية.. ما أهمية ودور الفتاوى في الحفاظ على المقدسات الإسلامية في البلاد؟
- إن الفتاوى التي أصدرناها منذ سنة ١٩٨٦ تعتبر نقطة تحول في فهم الناس، وكذلك مفاهيم المؤسسات الرسمية تجاه الأماكن المقدسة، سواء كانت مقابر أو مساجد لأنها أوضحت - بما لا يدع مجالاً للشك - الحكم الشرعي بشأن الحفاظ على حرمة المقابر وعلى قدسية المساجد، لذلك فقد قلنا - بعد استعراض الآراء الفقهية على مختلف مذاهب أهلها: إن حرمة المقابر قائمة دائمة إلى أن تقوم الساعة، وليس لأحد أن يزيل هذه الحرمة، لأنها جزء من العقيدة.
وأين مصلحة المسلمين في خراب المقابر؟
عندما نأخذ موضوع فتح القبور نجد أن الفقهاء يؤثرون مصلحة الحي على فتح القبور, ويشترطون في ذلك امتلاء السهل والوعر بالقبور أولًا، ثم ببلاء الميت تمامًا، أي بتحوله ترابًا ثم بقيام مصلحة المسلمين! ونرى أن هذه الإمكانية النادرة لا تتناسب - بأي حال من الأحوال - مع مقابر بلادنا، حتى القديمة جدًا منها، خذ على سبيل المثال المقبرة المملوكية في يافا، فقد كانت هياكل الموتى كاملة تمامًا, فكيف يقال إنها بليت؟! إن أهمية هذه الفتاوى في تصورنا بالغة؛ لأن من شأنها وضع حد لنوايا من يريد أن يرى بالمقدسات الإسلامية صيدًا سهلًا، فلم يعد هناك من يدعي أن المقابر القديمة والمساجد المهجورة قد صارت مباحة بحكم الشريعة نفسها, إن هذه الفتاوى مهمة لأن المتعهدين وبعض المسؤولين كانوا يبررون عملية الاستيلاء على المقابر, أن هذا مسموح به في الشريعة الإسلامية، أرجو أن تكون فتوانا قد وضعت حدًا لهؤلاء.
من ناحية أخرى، فإن قانون الصهاينة الذي يعتبر الاعتداء على المقابر جريمة, يشترط لاعتبارها كذلك أن تتوافر لدى المعتدي المساس بمشاعر المؤمنين من أصحاب المقبرة، وغني عن القول أن هذا المعتدي الذي يدافع عن نفسه بالقول إن المقابر «المندرسة»، لا حرمة لها في الإسلام، وبالتالي لم يكن لديه نية للمساس بمشاعر المسلمين، يكون قوله مسموعًا من وجهة نظر القانون, ذلك لأن النية شرط في اكتمال عناصر الجريمة. من ناحية أخرى، فإن الفتاوى هذه التي تثبت حرمة المقابر والمساجد تعتبر اليوم أساسًا لأحكام المحاكم النظامية في حماية هذه المقدسات، فحين تقدم إلى المحاكم، فإنه من المتوقع أن تعيرها اهتمامًا لكونها تبين الحكم الشرعي بهذا الشأن، أو تقطع قول كل خطيب, وتضع حدًا للتقولات التي لا سند لها.
ما الفتاوى التي أصدرتها وأثرت في اتخاذ القرار، وساهمت في الحفاظ على المقدسات والأوقاف الإسلامية؟
- قرارنا بالنسبة لإفشال بيع مقبرة الجماسين في يافا, كان من أهم هذه الفتاوى, حيث إن البيع ألغي بسببه، حتى بعد أن بيعت المقبرة، وذلك بموجب قرار من محكمة العدل العليا، وكذلك مقبرة الشيخ مؤنس في يافا, ومقبرة بئر السبع ومقبرة الرشراش, ومقبرة كفر سابا ومقبرة عاقر ومقبرة الشيخ عز الدين القسام، وجامع الطابية في يافا، وموقفنا الحازم لحماية مقبرة الاستقلال في حيفا.. إضافة إلى كتب واحتجاجات عديدة تبين موقفًا راسخًا بهذا الشأن مثل إعادة بناء المسجد الفاروقي في بيسان، وفتح جامع الحمة، والزيب وبئر السبع وعسقلان وغيرها كثير.....!
منذ أصدرت فتوى بخصوص مقبرة إجزم، توقف العمل في بناء شقق سكنية يهودية على أرض المقبرة, هل تعرضت إلى ضغوط لتغيير الفتوى أو هذا النهج من قبل أطراف معينة؟
- إن القاضي مستقل في عمله، وليس لأحد أن يتدخل فيه, إن ما أقوله هو الحكم الشرعي كما أراه وأفهمه، وليس لأحد أن يحاول تغيير الشرع بأية حال، أو أن يستخدمه في غير غايته, لا أريد أن أتحدث عن أعباء هذه الوظيفة, ولكن أقول إننا لا نخالف القانون إن نحن قلنا الحق حتى لو كان مرًا في مذاق البعض.
• هل هناك قانون ينص على وجوب الحفاظ على المقدسات والأوقاف الإسلامية؟ وهل ينفذ هذا القانون على أرض الواقع؟
- هناك ذكر لهذا الأمر في قانون الجنايات, ولكن لمزيد الأسف, لم أسمع أن نص القانون يطبق في حالات الاعتداء على المقدسات الإسلامية، فهناك العديد من الشكاوى المقدمة ضد مشبوهين, حتى بهدم مساجد، كما جرى لمسجد وادي الحوارث مثلًا، إلا أنه لم يحاكم أحد، لقد توجهت مرارًا وتكرارًا إلى وزراء الشرطة المتعاقبين منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وكذلك لوزراء الأديان على اختلاف أسمائهم، ثم إلى رئيس الكيان الصهيوني بإلحاح ليأمروا الشرطة بإجراء تحقيقات في هذه الاعتداءات ثم تقديم المشبوهين إلى المحاكم، إلا أن الوضع ليس مرضيًّا أبدًا.
• هل اقتراح المحكمة العليا بتحويل مسجد بئر السبع إلى مركز ثقافي تربوي مقبول؟
- لا أريد أن أتطرق إلى أمر مطروح الآن أمام المحكمة، ولكن رأينا بالنسبة لهذا المسجد أعطي حتى قبل فتح القضية أمام المحكمة، وهو أنه كباقي المساجد - إنما هي بيوت الله، ولا يجوز استخدامها إلا للصلاة، وقد قلت ذلك بشكل مفصل أمام اللجنة التي عينت من قبل المحكمة العليا للتحقيق في مسألة الجامع.
• تعرضت لحملة تحريض واسعة من بعض الصهاينة بسبب فتواك بخصوص ملف مسجد بئر السبع الكبير, ما سبب هذه الهجمة التحريضية؟
- هذا نوع من الصراع المستديم بين الخير والشر، أنا أتوقع من مثل هؤلاء مثل هذا التصرف السوقي، ولكني لا آبه لهم ولا يهمني ما يقولون، نحن نقوم بواجبنا تجاه دين الله أولًا والمسلمين ثانيًّا، ومادام ضميرنا مرتاحًا لما نقول ونفعل فلا يبقى لنا إلا أن نتطلع إلى رضا رب العالمين، فهو غاية المنى والمراد.
بعثت برسالة إلى الكيان الصهيوني حذرت فيها من مغبة الاعتداء على المسجد الأقصى المبارك, هل تلقيت ردًّا؟
- نعم، لقد تلقيت ردًّا من سكرتير الحكومة يقول فيه: «الشرطة تعمل كل ما تستطيع من أجل الدفاع عن المسجد الأقصى وحمايته من تهديدات مجموعات متطرفة، وإنها تقيم اتصالات عمل وثيقة مع كافة الجهات المسؤولة عن الحرم وتستعد وفقًا لذلك»، كما بلغني رد من رئيس الكيان، يقول فيه: «إنه بعد أن تقصى الأمر مع الجهات الأمنية، فإنه يبلغني أن الجهاز الأمني والشرطة يريان في منع إمكان المساس بالمسجد الأقصى مهمة أولى، وهم يعملون باستمرار من أجل تحري وإحباط أية نية من طرف عناصر متطرفة لتنفيذ هذا الاعتداء، كما أنهم يعون تمامًا الأبعاد الخطرة المترتبة على عملية الاعتداء على هذا المكان المقدس وهم يقومون بكافة الإجراءات اللازمة والجهود من أجل إحباط ذلك».
أنا أعتقد أنه كان من واجبنا جميعًا أن نطلق هذا التحذير, كي يعي القاصي والداني خطورة يقومون بكافة الإجراءات اللازمة والجهود من أجل إحباط ذلك.
أنا أعتقد أنه كان من واجبنا جميعًا أن نطلق هذا التحذير كي يعي القاصي والداني خطورة الموقف, وكي يتحمل المسؤولون مسؤولياتهم، نحن نرى أن حديث المسؤولين في الدولة عن الخطر الداهم الذي يهدد المسجد الأقصى من قبل هؤلاء المتطرفين، بدءًا بوزير الأمن ومرورًا برئيس الأمن العام، في حديث رسمي أمام البرلمان، ثم التحقيق الذي أجرته جريدة هآرتس, لم يدع مجالًا للتكهن بالنسبة لخطورة الموقف, لذا، فإننا نرى أنه ما دامت احتمالات وقوع الجريمة عالية - كما يصفها المسؤولون - فإنه يجب عليهم اعتقال المشبوهين أو منعهم من دخول الأراضي المحتلة أصلًا.
ما الدور الذي يمكن أن تقوم به المحاكم الشرعية للإسهام في المحافظة والدفاع عن المقدسات الإسلامية؟
- لقد أصبحت المحاكم الشرعية قلعة الحماية المقدسات, وهذا هو دورها أمام الله وأمام جمهور المسلمين, إن المحاكم الشرعية هي صاحبة الولاية العامة على الوقف وهي المسؤولة عن سلامته وفقًا لأحكام الوقف الشرعية، كما أنها المسؤولة عن أعمال المتولين وتنصيبهم وعزلهم ومحاسبتهم، لقد كان في المحاكم الشرعية في فلسطين كوادر خاصة للاهتمام بأمورها، إلا أن هذه الكوادر لم تعد قائمة الآن، مع ذلك فإن المحاكم تقوم بدورها ما استطاعت في هذا الميدان, كما أن المحاكم ستنظر في أي طلب يقدم إليها لتنصيب متولين على أوقاف شاغرة من أجل حمايتها والدفاع عنها. والحقيقة المرة هي أن معظم الأملاك الوقفية قد صودرت من قبل الكيان بموجب قانون أملاك الغائبين، ولم يعد هناك ما تديره المحاكم الشرعية مباشرة، ومما يؤسف له أن المحكمة العليا قد قررت منذ سنتين تقريبًا أن الوقف المصادر لا يخضع لسلطة المحاكم الشرعية، لأنه لم يعد وقفًا، على حد قولها وقول القانون.
ما السبل التي من خلالها يمكن المحافظة على المقدسات الإسلامية في البلاد؟
- إنه لمن المؤلم حقًا أن نجد أنفسنا في حال يتوجب علينا فيه أن ندافع يوميًّا عن مقدساتنا وإن لم نفعل فإنها ستضيع, وكان من المفروض أن تكون مهمة صيانة المقدسات مهمة الدولة أولًا, ثم أن تكون جزءًا من وعي الجمهور اليهودي العام, بمعنى آخر, كنت أظن أن الجمهور سيحافظ على المقدسات، ليس لأن هذا مكتوب في القانون، بل لأنه واجب تمليه عليه إنسانيته, ولكن للأسف الشديد فإن الموظف المسؤول عن قدسية القبور في وزارة الأديان - الذي كان يتوجب عليه أن يعنى بحماية القبور الإسلامية كما يفعل بالنسبة للقبور اليهودية - لا يهتم بذلك وكأن الأمر لا يعنيه.
لقد اتفقت في السابق مع رئيس الكيان على أن نتسلم مئة وعشرين مسجدًا من المساجد المصادرة للمسلمين, منها مسجد صفد وطبريا وقيسارية وأخرى عديدة، ثم اتفقنا مع الحاخام ملكيور على ذلك، إلا أنهما تقاعسا عن التنفيذ, وكذلك مسجد قيسارية, بهذه المناسبة أعود وأطالب بتسليم هذه المساجد كلها للمسلمين, فنحن قادرون على ترميمها وحماية حرمتها، كما نطالب بإعادة المساجد - التي قُلبت كنسًا كمسجد يبنا واليهودية وغيرها - كما نطالب بإعادة بناء المساجد المهدمة مثل مسجد وادي الحوارث وأم الفرج وغيرها.
كيف ترى التجاوب الرسمي وكذلك الشعبي مع ملف الأوقاف والمقدسات في الداخل الفلسطيني؟
- أريد أن أقول إن قلبي يعتصر حزنًا على ما آلت إليه الأمور بالنسبة لمصير الأوقاف الإسلامية هنا، فهناك مساجد ومواقع تعتبر شواهد تاريخية على مستوى التاريخ الإسلامي عامة، ويعز عليّ أن تضيع في زماننا إلى غير رجعة, أقول لكم بصراحة إن هذا الأمر يؤرق منامي, ولست أدري كيف سيجيب جيلنا عن تساؤلات أبنائنا. ماذا فعلنا كي نحفظ مسجد أبو العون ومقام السيدة سكينة والجامع الأحمر، ومقام أبي هريرة والنبي روبين وغيرها كثير؟ إن مصادرة الأوقاف الإسلامية ستبقى معضلة هذا الزمان, وأنا لا أعرف لها مثيلًا في العالم, مع العلم أن أحدًا لم يمس أيًّا من أوقاف الطوائف الأخرى!.