العنوان رائد الخير
الكاتب فيصل مولوى
تاريخ النشر السبت 23-سبتمبر-2006
مشاهدات 70
نشر في العدد 1720
نشر في الصفحة 30
السبت 23-سبتمبر-2006
نبأ وفاة الأخ الحبيب أبي بدر كان له على قلوب محبيه وعارفي فضله وقع الصاعقة، وفجر مشاعر الحسرة والألم مع أصدق عواطف الحب والتقدير.
لا أبالغ إذا قلت: إن المسلمين لم يعرفوا في تاريخهم الطويل رجلًا جمع في نفسه كل خصال الخير كما كان أبو بدر. ليس ذلك لأن الله أعطاه قدرة مالية استخدمها في مصالح الأمة، لكنه كان شخصية نادرة تتمتع بوعي إسلامي شامل تلقاه في رحاب الحركة الإسلامية المعاصرة، واستفاد مباشرة من أعظم رواد العمل الإسلامي المعاصر الإمام الشهيد حسن البنا بالإضافة إلى مزايا حباه الله إياها من الجدية في مواجهة الأمور، والدأب في معالجة القضايا، والتمحيص في دراسة المشكلات والتأني في اتخاذ القرارات والعزيمة الماضية في التنفيذ، فضلًا عن الصبر الجميل أمام كل بلاء.
هل يمكنك أن تجد رافدًا من روافد العمل الإسلامي في كل بقاع الأرض لم يكن لأبي بدر علاقة معه، اطلاعًا واهتمامًا ومشاركة ودعمًا؟! كلما دخلت إلى مكتبه المتواضع رأيت المئات من الملفات المتعلقة بجمعيات ومؤسسات عاملة في كل أرجاء الدنيا، وهي ملفات تتجدد بشكل شبه يومي -لم يكن أبو بدر ليتخلى عن مسؤوليته لغيره- مهما كان مشغولًا، فهو يدرس بنفسه كل ملف، ويستقبل أصحابه، ويناقشهم في شؤونهم كأنه أعلم بها منهم، ومهما وصلته التقارير ممن يثق بهم فهو لا يكتفي بها، بل يريد أن يتحقق بنفسه من كل الأمور.
كانت الوفود تأتيه من كل بلاد العالم وتبدأ به؛ لأنهم يعلمون أنه مفتاح الخير في بلد الخير -الكويت- وأكثر التجار لا يطمئنون إلى مساعدة أي جمعية إلا بعد أن تنال مساعدة أبي بدر، فهو لا يعطي عادة أي مساعدة إلا بعد تدقيق وتمحيص لا يجد الآخرون الوقت اللازم للقيام به.
نفس كبيرة
وأبو بدر ليس أقل حرصًا على أعماله وتجارته، لكنه ينتزع الوقت اللازم من راحته، ويشعر باطمئنان الضمير عندما يستمع ويناقش ثم يقدم المساعدة المناسبة؛ لأن هذا التبرع وما سيأتي بعده من أهل الخير واقع في محله الشرعي، وهو دعامة لعمل إسلامي يرضي الله تعالى ويساعد في نهضة هذه الأمة. ولعل هذا هو سبب تعب هذا الجسد المجاهد.
وإذا كانت النفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجساد
وقد حملني مسؤولية ثقيلة عندما كان يشترط على كل وفد يأتيه من لبنان أن يحمل تزكية لمشروعه من هذا العبد الفقير، ورغم ما بيننا من ثقة قديمة امتدت حوالي أربعين سنة، فقد أوصاني مرارًا وأكد علي ألا أعطي أي تزكية إلا بعد التأكد الكامل من صحة المشروع وضرورته للمسلمين، وقيامه على أسس صحيحة من النواحي القانونية والرسمية والتنظيمية، فضلًا عن القواعد الشرعية.
ورغم حرصي الشديد على الالتزام بهذه المطالب حتى كان بعض الإخوة يظنون أنني أتشدد عليهم لأني لا أريد إعطاءهم التزكية المطلوبة، فإنه كان يعيد دراسة المشاريع ويناقش أصحابها، وكم فاجأني -يرحمه الله- باتصال هاتفي يسأل عن مشروع معين أو شخص معين ليطمئن قبل تقديم المساعدة وقد سألني مرارًا عن أمور لم يخطر ببالي التدقيق فيها، وكنت أقوم بالتحقيق اللازم حولها ثم أبلغه النتيجة.
شمولية العمل الخيري
يتميز العمل الخيري عند أبي بدر بشمول يتسع لكل جوانب العمل الإسلامي، لم يكن مقتصرًا على إغاثة المحتاجين من الأيتام أو الأرامل أو الفقراء، ولم يكتف بمساعدة المرضى وما يتعلق بذلك من المستوصفات والمستشفيات، بل كان ينظر أيضًا إلى أهمية الدعوة الإسلامية التي تقوم على قواعد سليمة من العقيدة الصحيحة، والفقه الأصيل والوسطية الملتزمة، فيرى في كفالة الدعاة بابًا من أهم أبواب الخير، ويجد في بناء المدارس والمعاهد الإسلامية على اختلاف أنواعها ضرورة لبناء جيل جديد، يستأنف لهذه الأمة نهضتها الإسلامية، بل هو يشعر أن العمل السياسي الإسلامي يحتاج إلى الكثير من التسديد والتأييد، حتى ينجح في استعادة هذه الأمة إلى رحاب الإسلام العظيم، ولم يكن يبخل على حركات المقاومة في كل بلاد العالم الإسلامي، ويعتبرها جهادًا في سبيل الله حيثما وجد عدو يحتل شيئًا من أرض المسلمين أو أوطانهم.
إنه أبو بدر، ثمرة من ثمرات شجرة الخير الوارفة التي زرعها والده الرجل الصالح علي عبد الوهاب يرحمه الله. لقد أوصى الوالد عند وفاته بثلث ماله صدقة لله تعالى، إنه عمل صالح بنية خالصة لله وجدت أثرها في ذلك الابن البار الذي أراد اتباع أثر والده في عمل الخير، فأمسك هذا الثلث واستثمره مع تجارته، وراح ينفق ريعه في سبيل الله.
لعل كثيرًا من الجمعيات الإسلامية كان يستغرب عندما يعلم أن تبرعات أبي بدر كانت أقسامًا متعددة، منها ما يسميه «ثلث علي عبد الوهاب»، وربما كان كثير منهم لا يعلم معني ذلك، ولم يسأل عنه. ولقد سمعت من المقربين إلى أبي بدر أنه كتب وصية مفصلة منذ سنوات، ولم أعلم شيئًا عن مفرداتها، ولكني أظن أن الرجل يسابق أباه في عمل الخير، وأعتقد أنه سابق إن شاء الله ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ (آل عمران: ٣٤)، ﴿أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (المؤمنون: 61).
يا أبا بدر، ستبكيك الكويت رجالها ونساؤها، شعبها وأمراؤها، أرضها وسماؤها فلك في كل ناحية أثر لا يمحى، ولك في كل مؤسسة خيرية جهد لا ينكر، وأنت الناصح حين تستشكل المسائل، وأنت العامل حين يجد الجد.
كنت ركن الإصلاح الركين، وأمل المجتمع بيقين، ولذلك استمر إخوانك وأبناؤك أوفياء لك ولجهادك، وبقيت عاملًا معهم، رئيسًا الجمعية الإصلاح الاجتماعي، حتى لقيت ربك راضيًا مرضيًا.. ستبكيك أمهات الشهداء وذوو المرضى والأرامل والفقراء.. سيبكيك المجاهدون في كل بلد إسلامي.. سيبكيك العلماء وقد كنت لهم نعم الأخ والأب.. ستبكيك المعاهد والمدارس والمساجد والمستوصفات والمستشفيات والمؤسسات، بل سيبكيك كل حجر من أحجارها ؛ لأنه يحس أنه فقد عزيزًا كان له دور في بناء هذه الصروح لله تعالى وفي استمرار عملها بما يرضيه.
لقد فقدت أخي من قريب، وفقدت قبله أمي وأبي، وكنت أشعر بألم عميق، وهأنذا اليوم: أقف أمام روحك الطاهرة، يتجدد في أألمه إلا قلبي جراح فراق الأحبة، ولا يخفف الأمل بلقاء آخر في جنات النعيم ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 88-89) إنه الأمل برحمة الله، وأنت من أهلها إن شاء الله، وأضرع إليه تعالى أن يمن علينا جميعًا بهذه الرحمة، فهو وحده الرحمن الرحيم، ورحمته وسعت كل شيء ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ (النساء: 175).
إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾.
عزاؤنا أن شجرة الخير قد نمت وترعرعت وأثمرت وحان قطافها، لعلنا نسعد بهذا القطاف إن بقي شيء من الأجل.