العنوان رابطة الإيمان
الكاتب محمد أبو سيدو
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أبريل-1997
مشاهدات 77
نشر في العدد 1244
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 01-أبريل-1997
يظن البعض أن السعادة في كثرة الأموال، ولكن الإسلام نظم هذه القواعد وجعل الغنى في القناعة ولو بالقليل يقول الشاعر:
ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد
فكم من إنسان يملك الملايين لكنه في شقاء دائم، فتراه خائفًا قلقًا لا يعيش سعيدًا، مشغول البال، والسبب تلك الملايين التي يملكها، فهو يخاف عليها من الضياع ومن السرقة، تراه في هم وغم لا ينام الليل هنيئًا، وهذا مشاهد وملحوظ، بل قد يكون المال سبب هلاكه وضياعه فهو لا يعيش حرًا، وصدق رسول الله ﷺ: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة»، ولعلاج هذه التعاسة وضع رسول الله ﷺ قواعد متعددة لهذا الأمر فيقول ﷺ: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا ومتعه الله بما أتاه.. وقال ﷺ: «من أصبح منكم آمنًا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها»، ويقول الشاعر:
النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنى يطغيها
وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها
فلابد للإنسان أن يشعر بنعم الله من الصحة والأمن والعافية من كل بلاء.
والقرآن الكريم يوجه نظر الإنسان إلى أن المال هو ملك لله، وأن الإنسان نائب عنه في الإشراف عليه، فلا يجعل أن يعصي ربه بما استودعه من مال، يقول جلت عظمته ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: 7)، ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ (المنافقون: 10)، ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: 33).
وهذا يجعل المسلم لا يتأخر عن تنفيذ أمر الله في ماله الذي استودعه إياه.. والقرآن الكريم يحض على الإحسان، ورغب فيه بأسلوب في غاية الروعة، من ذلك قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ (البقرة: 245).
فأي تلطف من الله في هذا التعبير حتى يجعل الإحسان بمثابة الإقراض لله والذي يقترض هو المحتاج والله غني عن العالمين.
هذه لمحات تبين لنا كيف يتحقق الأمن تحت رابطة الإيمان الخالص في المجتمع الإسلامي على اختلاف الألوان والأجناس، فالوطن للمسلم هو المكان الذي يقيم فيه ويتخذ فيه طريقة كسب عيشه لا ينظر إلى مولده أو البلد الذي نشأ فيه.
جاء الإسلام فالغي العصبيات والثغرات التي أيقظها أعداء الأمة في نفوس ضعاف الإيمان.
بهذا الأمن العام في جنبات المجتمع المسلم يتجه الناس إلى العمل الجاد دون خوف من أحد لأنهم أمنون على أنفسهم «لقتل امرئ مسلم أعظم عند الله من زوال الدنيا»، «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (التوبة: 71).
هذه المعاني الربانية تفرض الأمن على المجتمع المسلم، وتحفظ أوطان المسلمين من أن يعمها الفساد.
ومن أبرز الفضائل الإسلامية بعد التكافل الاجتماعي والتي تقوي روح التأخي، وتؤكد التساوي بين الناس هو التواضع.
ولما كان التواضع من الأخلاق التي تملا القلوب محبة وإخاء أمر الله رسوله الكريم ﷺ بأن يخفض جناحه للمؤمنين رغم مكانته الرفيعة وعظم شأنه ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحجر: 88).
ومن دعوته ﷺ إلى التواضع ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال «من تواضع لله رفعه». وقال أيضًا: «من تواضع لله رفعه، فهو في نفسه صغير، وفي أعين الناس عظيم، ومن تكبر وضعه الله، فهو في أعين الناس صغير وفي نفسه كبير، حتى لهو أهون عليهم من كلب أو خنزير»، ويحذر رسول الله ﷺ من التكبر فيقول: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر».
فكان رسول الله ﷺ يجلس حيث ينتهي به المجلس بين أصحابه، وسار الصحابة على منهج رسول الله ﷺ، فهذا أبو بكر رضي الله عنه يحلب الشاة لجيرانه، وكان عمر يحمل قربة الماء.
وقصة عمر رضي الله عنه حين قدم إلى بيت المقدس مشهورة، إذ كان يتناوب الركوب هو وخادمه، وكانت النوبة الأخيرة قبيل الوصول أن يركب الخادم الناقة، ويكون عمر هو الذي يقودها ماشيًا، وكان عمر بن عبد العزيز مثالًا، حيث كان يصلح السراج، فقال أحد الضيوف: أقوم إلى المصباح فأصلحه، فقال عمر: ليس ذلك من كرم الضيافة، وقال قولته المشهورة «قمت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر».
وعندما جاء رسول ملك الروم فوجد عمر ابن الخطاب رضي الله عنه نائمًا تحت الشجرة فقال: «حكمت فعدلت فأمنت فنمت»، وصدق الشاعر حيث يقول:
أمنت لما أقمت العدل بينهمو قنمت نوم قرير العين هانيها
فالتفكر في كون الله وفي مصير الإنسان يجعلنا دائمًا نسير في طريق التواضع، ونتخذه منهجًا في حياتنا، فالإنسان مهما كان له سلطان وجاه فهو راحل وتارك ذلك إلى زوال، وأن الأرض وما عليها لله الواحد القهار.
محمد أبو سيدو
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل