العنوان راشد الغنوشي: بعد قرار الإفراج .. العنف تهمة ملفقة تلصق بالإسلاميين
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-سبتمبر-1984
مشاهدات 46
نشر في العدد 682
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 11-سبتمبر-1984
كانت البلاد سائرة إلى قتال الكل ضد الكل.
لقد استبشر أنصار الاتجاه الإسلامي وكل القوى الوطنية والديمقراطية المناضلة من أجل الحريات العامة والفردية في إطلاق سراح قيادة الاتجاه الإسلامي.
ولقد كان قرار رئيس الدولة، والصادر في 1 أوت ١٩٨٤، استجابة وتلبية لمطلب شعبي ملح تترجم في سلسلة من التحريات والمبادرات والحملات الإعلامية التي قامت بها جل الصحف المعارضة والمستقلة.
قد تشهد الأيام القادمة تطورات عدة على مستويات مختلفة، وقد تسترجع الساحة السياسية ديناميكيتها المفقودة وقد يأخذ الحوار الوطني المرجو منعرجًا جديدًا...
السجن مؤسسة وحشية:
- نود في بداية هذا الحوار أن نطرح عليكم سؤالًا يتعلق بوضعكم السابق باعتباركم مواطنًا تونسيًا دخل السجن، فما تقييمكم بعد هذه السنوات الثلاثة المؤسسة السجن في المجتمع؟
- هذا سؤال مهم جدًا فهذه المؤسسة – السجن- مع أنها تمثل عالمًا بأسره، وهو عالم لا يفصله عن العالم الخارجي سوى بعض الجدران والأبواب، ولكنه عالم مجهول وهو ليس مجهولًا فحسب، بل إن جل الأفكار التي لدينا حول هذا الموضوع هي أفكار مغلوطة وفي حاجة إلى كثير من التصحيح بل وإلى تغيير جذري.
لو أخذنا مثلًا رواد هذه المؤسسة أي السجناء ولا أتحدث هنا عن المساجين السياسيين لأن هؤلاء - رغم أوضاعهم السجنية المتردية - فإنهم يتمتعون بميزات كثيرة لا يتمتع بها سجين الحق العام، ورغم تأكيد السلطة أن المساجين السياسيين هم مساجين حق عام، فإنها في الواقع تعاملهم معاملة خاصة. فأنا إذًا أتحدث هنا عن مساجين الحق العام الذين يعاملون بما يتنافى وأبسط القواعد الأخلاقية والإنسانية الطبقية في السجن أكثر وأعمق مما هي عليه في المجتمع وفي السجن تجارة رائجة لكل ما يخطر على البال.. مما هو نافع وضار وأكثر من كل هذا، ففي السجن لا سلطان للقانون، ورغم أن سلطان القانون في مجتمعنا محدود، ولكن المسافة بعيدة بين احترام القانون في السجن وخارج السجن، فالسجين لا يتمتع بأي حق من حقوقه الإنسانية، بل ظل السجن أمدًا بعيدًا بدون قانون، فسلطان الحارس وإدارة السجن سلطان مطلق، ولقد عشت أنا وإخواني طيلة ثلاث سنوات حرب أعصاب، فمن الصباح إلى المساء وخاصة في السجن المدني لا نسمع إلا صوت الجلد وبدون أي تحديد للكم وبدون أي تحديد للكيف ولا للإدارة إذ يجلد السجين حتى يغمى عليه ويصب عليه الماء ليجلد مرة ثانية، وهنا بين قوسين ألفت نظر المثقفين في بلادنا الذين كثيرا ما استاؤوا من بعض حدود الإسلام واستنكروها، وشنوا حملات عليها كحد الجلد، مع أن حد الجلد في الإسلام له ظروفه الخاصة، وكمه المحدود وكيفيته الخاصة، على حين أن السجن الذي وضع كبديل عن الجلد لم يمنع الجلد، فهذا يبدأ منذ لحظة الاعتقال وفي المركز ثم يتواصل الجلد في السجن وبدون توقف لا نتحدث بعد ذلك عن الاكتظاظ حيث لا يجد السجين مكانًا يتسع لبدنه وفي كثير من الأحيان تقضى الحاجات في المراحيض بدون أي حاجز...
إن ملف السجن يحتاج إلى بيان كثير حتى ينتبه الرأي، ويدرك هذه المأساة، إني أكاد أقول إن أوحش مؤسسة في بلادنا، بل إن أوحش مؤسسة اخترعتها الحضارة هي مؤسسة السجن، فهي تدمير لجسم الإنسان. - هذا في أحسن أشكالها - وتدمير لنفسية الإنسان ولعقل الإنسان، وكفى الإنسان اعتداء أن يحرم أهم مقوم من مقومات آدميته وهي حريته، فيحشر في مكان ضيق فيضيق عالمه وتضيق نفسيته ويضيق الوجود من حوله، ولا يصبح لحياته أي معنى، ولذلك أقول إن مؤسسة السجن لا تزال تعيش في نفسي، ولا أحسب أنها ستختفي طالما ظلت هذه المؤسسة تدمر كيان الإنسان بدون أي تحديد، وبدون أي قانون، والسلطان المطلق فيها لإدارة لا تعرف غير الجلد ولا تعرف غير القمع وحتى السجين السياسي نفسه لا ينجو من هذا، فقبل أسبوع من إطلاق سراحنا تعرض مجموعة من إخواننا للقمع بالرغم مما يحيط بالسجين السياسي من ضمانات تتمثل في ضغط الرأي العام.
هذه المؤسسة الوحشية - السجن - ليس لها أي دور إصلاحي، إنها تدميرية على كل المستويات، والعجب العجيب أن المثقفين وقوى المعارضة رغم تعرض أجزاء منها لمحنة السجن لا يلبث هؤلاء أن ينسوا مأساة السجين.
ولقد شعرت في نفسي بتحول كامل إزاء سجين الحق العام، لقد كنت أنظر - كسائر المواطنين في هذه البلاد - إلى أن السجين مجرم خاصة ونحن عشنا في سجن قومي - سجن برج الرومي - حيث توجد نخبة القتلة والمجرمين من المحكوم عليهم بعشرين سنة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.. لقد كنت أعتقد أن هؤلاء قد تمخضوا للإجرام، وأنهم قد فقدوا أي معنى إنساني لذلك، عندما كان يمر بجانبي أحد هؤلاء كان بدني يقشعر ولكن عندما عاشرنا هؤلاء رغم الحواجز العديدة التي وضعتها إدارة السجن بيننا، ولست أدري هل هم خائفون علينا منهم أم خائفون عليهم منا. وعلى كل حال فلقد تمكنا بوسائل شتى من الاتصال ببعض أولئك واكتشفت أننا كنا مخطئين تمامًا، والمجتمع معنا، وظالمين لهؤلاء، بل وجدت نماذج تحمل معاني من الرقة وقيمًا إنسانية ومعاني من الرجولة، ما أحوج مجتمعنا لأن يسترجع بعضها، وكثير منهم سرعان ما صلح أمره وتحول إلى نموذج يقتدى به في تقواه وصلابته الإيمانية مما أقلق إدارة السجن، فاستدعت فريقًا من المحققين لتحقق كيف حدث هذا التحول، وكيف استطاع ما تسميه بالإخوانجية من تسيس السجن، ووقع تحقيق معهم كيف بدأوا يصلون وكأن الصلاة ليس مخاطبًا بها السجين، ليس مدعوًا إليها أو إلى أي معنى إنساني!!! فعذب جانب منهم تعذيبًا شديدًا وثبتوا أكثر من كثير من السياسيين، مما يجعلني أشعر بأني أحمل أمانة تبليغ مأساة هؤلاء إلى المجتمع، فالسجن يتنافى مع طبيعة الإنسان ويتناقض مع الإسلام جملة. فرسالة الإسلام هي تحرير المجتمع ولقد حدد الله سبحانه وتعالى مهمة خلاصة الرسل في أنه: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ﴾(الأعراف:157) فمن المهمات الأساسية للنبي أن يحطم الأغلال التي يرزح تحتها البشر، والسجن هو أغلظ قيد وأثقل حمل يتوه به الإنسان و يدمر فطرته، ولكن رحمة الله سبحانه وتعالى بنا كانت كبيرة، فلطف الله خفف عنا وطأة السجن وجعل هذه السلبيات يتحول جزء كبير منها إلى إيجابيات رغم الآثار النفسية السلبية التي لحقت بنا. وذلك ما يجعلني أؤكد أن السجن كالقتال أمر بغيض ولكن أبغض منه الرضى بالظلم والذل، ولذلك قال النبي يوسف عليه السلام: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ﴾.(يوسف:33)
نحن والأحزاب السياسية:
- في إطار الحملة الإعلامية التي شنتها السلطة قبيل إدخالكم السجن حاولت تهميشكم قدر الإمكان، وذلك بإنشاء تحالف «ديمقراطي» موجه ضدكم، ولقد أثبتت هذه السنوات الثلاث أن هذا التحالف لم يقع، بل الذي حدث بالفعل هو أن جل المعارضات والمستقلين وقفوا بجانبكم، فهل فاجأكم هذا الموقف وهل غير نظرتكم تجاه الساحة السياسية في البلاد؟
- أنا هنا أعبر عن موقفي وشعوري، إنني لم أشعر بتحول كبير في موقف القوى السياسية في نظرتها «للاتجاه»، رغم تلك الدعوة الصريحة والملحة التي وجهت إليها من قبل النظام مع ما تحمله من إغراءات وتهديدات، ذلك أن علاقاتنا مع القوى السياسية في البلاد كانت متينة قبل السجن ولم تقف عند هذه الاتصالات الشخصية، بل تجاوزت ذلك إلى لقاءات رسمية وإلى بعض المشاريع، وإن ظلت محدودة الأسباب لا تعود إلى الاتجاه الإسلامي، إذ كنا نأمل أن تصل هذه المشروعات إلى مستويات أعلى ولكن لبعض إخواننا في بعض الاتجاهات الأخرى ظروفهم الخاصة، والمهم أننا لم نكن مجهولين لديهم ولم يكونوا مجهولين لدينا، وأحسب أن هذا عامل أساسي في الفشل الذريع الذي لاقته دعوة النظام في الإقبال على هذا التحالف الذي أسميه أثيم، لأنه تحالف ضد مصالح المعارضة نفسها، لأنه تحالف في النهاية ضد مصالح الشعب المتضرر من كثير من السياسات ومن كثير من المواقف، ومن جملتها السياسة التي اتخذها النظام إزاء الاتجاه الإسلامي، لأن المستهدف فيها ليس هو الاتجاه الإسلامي كطرف سياسي، بل المستهدف فيها هو الحرية والديمقراطية والمستهدف فيها في النهاية هو هذا الشعب.
- لقد تجذر شعار الديمقراطية في صفوف الاتجاه الإسلامي بصفة كبيرة خلال هذه السنوات الثلاث الأخيرة فهل كان هذا التجذر تكتيكيًا أم استراتيجيًا؟
- لم تكن دعوتنا إلى الديمقراطية دعوة أملتها علينا ظروف السجن، إذ كانت هذه الدعوة صريحة وواضحة قبل السجن، وكان إعلان ٦ جوان ۱۹۸۱ تتويجًا لهذه الدعوة والسجن لم يأت إلا لتعميق هذا التوجه، فالبلاد سائرة إلى قتال الكل ضد الكل، إن لم تسلم كل الأطراف بحق كل الأطراف في حق الوجود على حدٍّ سواء، وما يترتب عن هذا الحق من حقوق أخرى فالسجن إذًا جاء ليعمق هذه القناعة لا لينشئها.
لا فصل بين الدين والدولة:
- لقد صرحت بعض الأوساط في السلطة قبل مدة من الانفراج الأخير أنها لا تمانع في أن يكون للاتجاه الإسلامي وجود شرعي شريطة أن يفصل بين الدين والسياسة، بحجة أنه لا سبيل في تونس العربية المسلمة لوجود حزب إسلامي لأننا كلنا مسلمون، لأننا عندها سندخل في متاهات التكفير والحكم على النيات والعقائد فما تقييمكم لهذا الرأي؟
- ما أحسب أن السلطة نفسها اليوم ما تزال محتفظة بهذه الدعوة للإسلاميين ليتخلوا عن مقولة أساسية ومبدأ شمول الإسلام والذي ينطلق من مبدأ التوحيد، قلت ما أحسب أن السلطة جادة إن هي حافظت على هذه الدعوى، لأنها تدرك أن هذه ليست هي طبيعة الإسلام، وكم مسؤول في هذه الدولة له أعمال فكرية أكدت مرارًا عديدة هذه الطبيعة الشمولية للإسلام في بعده الحضاري والسياسي، لهذا فأنا لا أعتقد أن السلطة ما زالت محتفظة بهذه الدعوى، فهي حتى وإن لم تكن تدرك الإسلام كما ندركه نحن فهي مدركة أننا لن نتحول عن هذه القناعة قط، وأننا دعينا إليها مرارًا فكان جوابنا واحدًا أننا متمسكون بمبادئنا ونطلب ممن يريد أن يتعامل معنا أن يتعامل معنا على أساس هذه المبادئ، ونحن لا نرضى حمل الآخرين على أن يتخلوا عن مبادئهم فنرجو منهم أن يبادلونا المعاملة نفسها.
هذا من ناحية، أما أن صفة الإسلامية التي نلحقها بحركتنا نجعلها حكرًا علينا ونسلبها عن الآخرين، فهذا قد أبدأنا فيه القول وأعدنا مؤكدين أن المسألة لا تعدو أن تكون تعريفا للحركة، والمعروف أن كل تعريف الحركة أو لشيء ما يركز على الجانب الغالب، فعندما نقول: إن هذا اشتراكي فإن ذلك لا يعني أنه غير ديمقراطي، وإن القول بأن هذا دستوري فلا يعني أن غيره غير دستوري، فالأحزاب تغلب صفة ما من باب تسمية الكل بالجزء، إن كان هذا الجزء هو أظهر ما في ذلك الكل، فضلًا عن ذلك فللكل أن يسمي أشياءه وأبناءه ومنتجاته كما يشاء شرط أن تحدد مضامين هذه التسميات حتى تزول الإشكالات. ونحن قد أكدنا أكثر من مرة أن صفة الإسلامية لا تعني الاحتكار ، وأننا لا نشك في إسلام هذا الشعب رغم ما يبدو على سطحه من مفاسد هي من آثار التبعية والغزو الفكري والاستعمار القديم والحديث، إذًا فمسألة التكفير التي أُلحقت بهذه الجماعة تندرج ضمن الدعاية المضادة التي شنتها السلطة علينا، وقد يكون شاركها في ذلك بعض المفكرين وبعض السياسيين، وأحسب أن ذلك ناتج عن نقص في استيعاب المفاهيم الإسلامية وعن تأثر بما هو سائد عن مفاهيم الدين كما يدركها الغرب، ولكن رفضنا المقولة الفصل بين الدين والدولة لا يعني بحال أن من لا يشارك في الاتجاه يفقد الصفة الإسلامية، والأهم من ذلك أننا لا ندعي أن كل ما نقوله أو نفعله أو نبرمجه وأن مواقفنا هي تعبيرات عن الإسلام، ينبغي أن يأخذها الناس مسلمة وأن من عارضها فقد عارض الإسلام، إنما هي اجتهادات بشرية وككل اجتهاد هو معرض للصواب والخطأ، وكما نعطي لأنفسنا حق الاجتهاد ضمن إطاره الشرعي فللآخرين أيضًا أن يجتهدوا وأن يتعاملوا هم بدورهم مع الإسلام، نقول من الناحية النظرية إن هذا التعامل هو حر ولكننا نرى أن للإسلام شروطًا للتعامل معه لكي يكون هذا التعامل ملتزمًا وجادًا.
في هذه المناسبة أتعجب مما نسبته بعض الصحف إلينا من تصريحات ومن مواقف لم تصدر عنا قط، مثل التصريح بأننا قد التزمنا بمبدأ فصل الدين عن السياسة، وأحسب أن الاتجاه الإسلامي يفقد مبرر وجوده أن هو وافق على مثل هذه المقولة.
مجلة الأحوال الشخصية: هل هي مكسب؟
- تعتقد بعض الأوساط في السلطة وخارجها أن الاتجاه الإسلامي قد يهدد المكاسب العصرية للبلاد وأسطع مثال يوردونه للتدليل على زعمهم هذا، هو مجلة الأحوال الشخصية وقضية تحرير المرأة ويدعون أن الاتجاه الإسلامي يريد أن يعود بنا إلى عهود الحريم وتعدد الزوجات ... إلخ، وهم يعتمدون في هذا على بعض المقالات والخطب والدراسات التي صدرت خلال هذه السنوات العشر، فما هو ردكم على هذه الشبهة وهل تعتقدون فعلًا أن حركتكم تهدد المكاسب العصرية للمرأة؟
- هذه كلمات كبيرة باعتبار أن الحديث عن المكاسب هو وجهة نظر، أن نقول إن هذا الأمر هو مكسب هذا تقييم ولا ضير في هذا.. قد يكون ذلك بشرط أن نحدد محتوى هذه الشعارات، ثم بعد ذلك فلنا الحق أن نقيم، أما أن نطلق الأمر هكذا ونؤكد على أن بعض الأشياء مكاسب فأحسب أن هذا يفسد العمل الفكري أصلًا لأنه يضفي نوعًا من القداسة على مجموعة من الرؤى والاختيارات البشرية.
إن كل اختيار بشري معرض للصواب والخطأ ويحتاج إلى تقييم، أما هذا الإلحاح على أن هذا هو مكسب للشعب التونسي فأحسب أنه من مصادرة حق الشعب التونسي في حرية التقييم، وما أرى أن هذا المنهج يفيد في تطور الحياة الفكرية في بلادنا، بل ينصب مجموعة من الأصنام تجعل الناس أمامها يرتعشون والعقول أمامها تشل، قل هذا مكسب بالنسبة لي ولا تقل هو مكسب، ثم لا تكتفي بهذا بل حدد مضمون هذا المكسب أن تقول حرية المرأة في تونس مكسب ماذا تعني بحرية المرأة؟ هل الكلمة تنطبق على عمل المرأة في الإدارة؟ على تعليم المرأة؟ على الوضعية التي أصبحت عليها الأسرة؟ إن علماء الاجتماع في تونس بل وعامة الناس يدركون اليوم أن أسرتنا تعيش في أزمة، فهل هذه الأزمة هي جزء من مكاسب مجلة الأحوال الشخصية؟ أم هي بعيدة عنها؟ أم هل لها بها علاقة؟ المرأة اليوم وليست المرأة فحسب ولكننا نتحدث عن المرأة في هذا السياق في مجالات كثيرة هي سلعة في السوق الرأسمالية تقدم بأبخس الأثمان إلى الشركات المتعددة الجنسيات والشركات المتولدة من قوانين أفريل ۱۹۷۲... هل هذه مكاسب؟ فالقضية إذن ينبغي ألا تؤخذ في عمومها بل تحتاج إلى تفصيل وإلى تقييم متأنٍ لندرك الإيجابيات والسلبيات والاتجاه الإسلامي، وإن لم يصدر عنه تقييم رسمي، ولذلك ما ينبغي لمثلي أن يتعجل هذا الأمر ويصدر تقييمًا - ولكن هنالك محاولات، أقول إنها جادة، لتقييم هذا العمل البشري لتحديد إيجابياته وسلبياته بدون أي حكم مسبق أو توتر مجاني أو تقديس أو تحقير.
إن تقييم هذه المجلة وكل الأعمال والاختيارات المطبقة أو المطروحة هو من حقنا لأنها أعمال لا تكتسي صفة القداسة، وهذا لا يعني أن وضعية المرأة قبل مجلة الأحوال الشخصية كانت سليمة وأن كل منتقد لجانب من جوانب هذه المجلة هو بالضرورة داع متحمس للعودة إلى ما قبل المجلة. هذا أمر نريد التنبيه إليه حتى لا يتسرب إلى الأذهان أننا من دعاة العودة إلى وضعية ما قبل هذه المجلة لأنني مقتنع أن كثيرًا من القيم ومن العلاقات التي كانت تحكم الأسرة في عهد ما قبل المجلة هي أوضاع لا يقرها الإسلام وكان على الإسلاميين أن يثوروا عليها قبل غيرهم.
العنف يتنافى جملة مع الإسلام:
- هنالك تهمة حاول البعض إلصاقها بالاتجاه الإسلامي وهي قضية العنف وكما هو معلوم فلقد بين الاتجاه الإسلامي موقفه من العنف في العديد من المناسبات ونخص بالذكر هنا مقالكم الذي صدر في جريدة «المستقبل» في أوائل سنة ۱۹۸۱ تحت عنوان: «الإسلام والعنف» ولكن هنالك من يدعي أن هذه مناورات ومواقف تكتيكية لأن العنف، في الظرف الراهن، لا يخدم مصلحة الحركة وهم يرون أن تفكير «الاتجاه» لا يمكن أن من يؤدي إلا للعنف لأنه تفكير كلي «Totalitaire» تفكير يرى أن الحق الواحد كلي غير متعدد وهو تفكير يخطئ من خالفه، وبالتالي فالعنف هو ماله المحتوم، فما من موقفكم من هذه التهمة؟
- أحسب أن من التقنيات الخطيرة للإعلام المعاصر هي تقنية الإعادة والتكرار المتنوع والضرب باستمرار على مجموعة من الأوتار حتى يقع ترويض الجماهير وتصبح تلك القناعات التي كانت مرفوضة في البداية وكأنها حقائق ومطلوب من أقوام معينين بالذات أن يدافعوا عن أنفسهم. لقد وضعنا في قفص الاتهام بالعنف - نحن دون سائر الناس - والمطلوب منا هو أن ندافع عن أنفسنا، ولنا أن نتساءل عن دواعي هذا الاتهام: هل لأننا اشتهرنا أننا نحمل في كل يوم أو في كل مناسبة هراوات ولنا ميليشيات منظمة تمارس العنف ضد الجماهير أو ضد الأحزاب السياسية؟ إن الذين يمارسون العنف هم بمنجاة من هذه التهمة من كل الأطراف وإنما التهمة توجه إلى من يمارس العنف ضدهم.
إن عجبي، في الحقيقة، لشديد من أن نجد أنفسنا في أكثر من موقع، ورغم كل البيانات التي أصدرناها، ورغم أنه سلط علينا ولا يزال الاضطهاد، ورغم أننا لم نخرج من السجن من أيام قليلة نجرر جراحاتنا لنجد الصحافة تنتظرنا قائلة إلينا: دافعوا عن أنفسكم ضد تهمة العنف فلا تزال هذه التهمة، رغم ما أصابكم تلاحقكم أنتم دون غيركم.
أقول في هذا الصدد: نحن ضحايا العنف ولم نمارسه، وإن الذين مارسوا العنف ضدنا هم نوعان من الناس: إما مباشر له عمليًا وإما متهم لنا، فكلا الفريقين يمارس العملية نفسها: واحد يقوم بها والآخر يبررها.
إن تهمة العنف ليست متأتية من الممارسة، لأن الواقع يشهد أن العنف مورس ضدنا وبأشكال متنوعة وليس منذ بداية السجن، بل وقبل ذلك ويكفي أن جانبًا كبيرًا من إخواننا اليوم نحن محرومون من اللقاء بهم فهم مشردون في أنحاء العالم، بل لا يزال بعض إخواننا يعاني من السجن، ثم أن الأمر لا يقتصر على هذا، فإعلامنا عطل ولا يزال ، ودروسنا عطلت ولا زالت، والقائمة طويلة والعنف لا يمارس ضدنا وحدنا، ولكننا معرضون أكثر من غيرنا لهذه الممارسة، والأدهى من ذلك أن ينظّر لهذه الممارسة «بتشديد الظاء».
إذًا فتهمة العنف لا تقوم على أننا مارسنا العنف فهل تراها تقوم على أن تفكيرنا بالضرورة سوف يدفعنا إلى العنف؟
هذه التهمة تختلف عن الأولى وأنا ألتمس لقائلها إن كان سليم النية، عذرًا لأن هنالك أجهزة إعلامية وفكرية في العالم صنعت حول الإسلام - وليس الاتجاه الإسلامي أو الإسلام اليوم - صورة وحشية والتي تختزل الإسلام في سيف، وتجعل الجهاد يساوي القتال، بينما الإسلام ليس سيفًا بل شعاره الأساسي أنه عدل ورحمة، والجهاد ليس هو القتال بل القتال هو جزؤه الأدنى وجزؤه المكروه ولا يمارس إلا في حدود ضيقة حيث لا مناص لصيانة حرية الأمة ومعتقداتها إلا بتلك الوسيلة.
أقول في هذا الجزء الثاني بأن القتال ليس هو العنف لأن العنف مستبعد إطلاقًا إذ هو لا ينفصل - فيما أفهم من الإسلام - عن مفهوم القهر والاستبداد والتسلط، وليس في الإسلام في كل الأحوال قهر ولا استبداد ولا تسلط، فهنالك أحاديث صريحة لرسول الله r تدعو لتجنب العنف « إن الله يحب الرفق» أما إذا كان المقصود بالأمر هو القتال، فالقتال في الإسلام أيضًا ليس نتيجة حتمية لمبدأ الشمول ولمبدأ التوحيد، إن الربط بين مبدأ القتال ومبدأ الشمول يبدو حسب رأيي تعسفيًا، ذلك أن القتال كما ذكرت ليس أمرًا محبوبًا بل هو كريه ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ﴾ (البقرة:216). وفي - كل الأحوال فالقتال لا يستخدم لحسم صراع فكري، فالسلطان على القلوب لله وليس للسيف، وأدوات هذا الصراع الفكري ليست الأسنة - والسيوف والقنابل وإنما الفكر والحوار والإقناع والمبدأ الإسلامي واضح في هذا الشأن ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ﴾ (البقرة:256) إذا تعلق الأمر بالعقيدة وتعلق بالفكر فلا مجال هناك للعنف بل لا مجال للقتال ذاته.. أما فيما يخص التفكير الكلياتي الذي يجعل صاحبه يعتقد أنه مصيب والآخر مخطئ مما يؤدي بالضرورة إلى العنف، فهذه روابط مصطنعة بل كما يقول أبو حنيفة: «رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب» إذا اعتقادي في قضية أنها صواب يقتضي أن نقيضها خطأ، ولكن ذلك لا يعني أن صوابي أو خطأ غيري يصل إلى درجة الإطلاق.
حول المهام المرحلية:
- يعتقد البعض أن النظام إذا شعر بخطر ما من جهة معينة يعمل على اقتلاع هذا التيار - المتسبب في هذا الخطر - من جذوره بحشره في السجون ثم بعد فترة منا معينة تقع عملية تهميش وتشويه سمعة هذا التيار فيتعمق مع مرور الزمن، ثم يقع إطلاق سراحه وهو يدرك سلفًا «النظام» إن تلك الحركة ستعود إلى الحياة العامة وهي مشتتة ومتآكلة... والتجربة بينت أن هذا قد وقع في شأن التيار اليساري.
- السؤال يطرح في جزءين:
- فهل يصح هذا الاعتقاد في صفوف الاتجاه الإسلامي؟
- ما تصوركم للمستقبل السياسي القريب لحركة الاتجاه الإسلامي؟
- اكتفي هنا وفي الجزء الأول من السؤال ببعض الإشارات فيما يخص حركتنا.. أقول: رغم مرارة هذه التجربة السجنية ورغم سلبياتها على المستويات النفسية والاجتماعية... رغم ذلك لطف الله كان محيطًا بنا وبفضله حول هذه العملية إلى ما أحسب أنه نصر كبير للإسلام، وتشكل المرحلة السجنية حقًا تحولًا كبيرًا في الحركة - وهو تحول إلى مرحلة مهمة قد تضع الحركة في طريق النصر... فحسب رأيي أن سمعة الحركة الآن هي أحسن بكثير منها ما قبل السجن، وهناك التفاف شعبي حول الحركة وإكبار لها بل اقترانها في بعض الأذهان بأمل الخروج بأزمة المجتمع التونسي... كذلك لو أخذنا قطاعًا آخر مهمًا من الحركة وهو القطاع الطلابي أحسب أن هذه التجربة: تجربة الاتجاه الإسلامي في الجامعة قد أسهمت خلال الثلاث سنوات الأخيرة بقسط وافر من رفع الشبهات عن الحركة ووضع الحركة في مكان مناسب ومهم في المجتمع التونسي، بل أرى أن عدد الإسلاميين زاد وكثر ونما... ألخص فأقول إن وضعنا بعد السجن هو أفضل في كثير من الجوانب من وضعنا قبل السجن، فكانت هذه المحنة رغم سلبياتها بركة وكان الفضل أولًا لله ثم للشعب التونسي المسلم ولكل القوى والضمائر الحرة بالبلاد وخارجها.
- الجزء الثاني؛ لكم تألمنا ولا نزال نتألم لبقاء جزء من إخواننا داخل السجن: الأخوين الدغبوجي وفتحي العبروق، لقد تركناهما وخرجنا ونحن نحمل نفس القضية فهذا الحدث أنقص كثيرًا من الفرحة وخصوصًا عندما خرجنا من السجن ووجدنا عائلتيهما في انتظارهما..... فأنا أعتقد أن الإفراج عن هذين الأخوين والسماح لبقية إخواننا المشردين خارج البلاد بالعودة إلى أرض وطنهم هو أمر قد حسم فيه طالما وأن قيادة الاتجاه الإسلامي قد خرجت.
أن المشكل المطروح اليوم على الحركة هو اجتماع شملها حتى تستطيع بكامل أجزائها أن تقرر مكانها المناسب لها ضمن القوى السياسية والاجتماعية في البلاد وتحدد أسلوب ومضمون مساهمتها في تحديد المستقبل الوطني.
والأمر يتعدى هذا أن المطلوب هو من العفو التشريعي العام وإخراج كل المساجين وبدون استثناء...
- كلمة أخيرة تختمون بها هذا اللقاء.
- أود في الختام تصحيح بعض المواقف وذلك فيما قيل حولنا كحركة أو كمساجين أو في ما نسب لي من مواقف شخصيًا وقد يكون سبب ذلك إشاعات أو مصادر غير موثوق فيها كالتي ذكرت أنني كنت طرفًا في تفاوض ما أو إرسال بعض الرسائل من السجن أو تنازلات قدمتها الحركة تجاه النظام، فكل ذلك ليس له أساس من الصحة، وأحسب أنها أخبار قائمة عن نقل غير أمين إلى الصحف المحلية والأجنبية بالرغم من أننا لا نشك في أهمية ما قدمته هذه الصحف من دعم لقضيتنا ونحن شاكرون لكل القوى السياسية والإعلامية، ولكل الشخصيات التي أسهمت من أجل هذا الإفراج ونحسب هذه الخطوة لا تكتمل إلا بإصدار العفو التشريعي العام لتسهم كل طاقات البلاد في الخروج من المأزق وشكرًا.