; إنا لله وإنا إليه راجعون.. ورحل العلامة الأصولي المفسر الدكتور محمد سليمان الأشقر إلى جوار ربه | مجلة المجتمع

العنوان إنا لله وإنا إليه راجعون.. ورحل العلامة الأصولي المفسر الدكتور محمد سليمان الأشقر إلى جوار ربه

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر السبت 28-نوفمبر-2009

مشاهدات 78

نشر في العدد 1879

نشر في الصفحة 34

السبت 28-نوفمبر-2009

  • عمل بالتدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود مع الشيخ ابن باز يرحمه الله وتوثقت العلاقة بينهما
  • معرفتي بالعالم الجليل امتدت فترة طويلة من الزمن.. خبرته في حله وترحاله وعشت مع كتبه كثيرًا
  • برحيله لا نودع رجلًا بل نودع مدرسة أصولية وفقهية ومكتبة علمية متنقلة
  • زبدة التفسير.. الواضح في أصول الفقه.. بحوث فقهية معاصرة.. أفعال الرسول.. بيع المرابحة.. من أهم مؤلفاته

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

يا الله ما أعجب قصتي مع الأحباب والأعزاء على قلبي.. ويا الله ما أعظم أثر الفراق.. وخاصة لمن لهم في النفس أصدق المودات.. ويا الله ما أعظم الأسى والحزن عندما نرى الأحباب نفقدهم الواحد تلو الآخر، كما يتخطف الولد من حجر أمه.

ذهب الذين أحبهم

             فعليك يا دنيا السلام

لا تذكرين العيش لي

               فالعيش بعدهم حرام

إني رضيع وصالهم

               والطفل يؤلمه الفطام

تعجب أحيانًا: كيف لا يطاوعك القلم في صف الكلمات على الورق، على الرغم من تكرارك لمهمة الكتابة مئات المرات.. كما تعجب كيف أحيانًا يعجز لسانك عن ترتيب الجمل وهو الذي تعود الخطابة آلاف المرات..

وعندما ترثي رجلًا بمنزلة ومكانة الدكتور الشيخ «محمد سليمان الأشقر» فمن الطبيعي أن يقف القلم عاجزًا أمام بياض الورق، ومن الطبيعي أن تحتبس الكلمات في الفم على الرغم من أن القلب بركان ألم، والعقل مسكون بمآثر الراحل الكبير.

إننا اليوم لا نودع رجلًا.. بل نودع مدرسة أصولية وفقهية.. ولا نودع شيخًا فحسب.. بل مكتبة علمية متنقلة..

بعد رحلة طويلة بين العلم والتفسير والأصول وشتى صنوف العلم فقدت الأمة الإسلامية عصر يوم الأحد  «27 من ذي القعدة ١٤٣٠هـ» علامتها وفقيهها وأصوليها وشيخها، صاحب المصنفات، وبديع المؤلفات الدكتور محمد سليمان الأشقر، الذي يعد أحد علماء التفسير وأصول الفقه، وهو الأخ الأكبر للدكتور عمر سليمان الأشقر، والذي انتقل إلى جوار ربه في العاصمة الأردنية عمان، غفر الله له ورفع منزلته وأسكنه الفردوس الأعلى.

ويعتبر موته يرحمه الله -كما هو حال كل العلماء والدعاة- خسارة كبيرة لا تعوض، ولكنها سنة الله تمضي، ولا راد لقضائه سبحانه وتعالى، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ونحن سنعرض في هذه السطور من ملامح شخصيته رحمه الله تعالى ما نكشف به بعض مظاهر عظمة هذا الرجل والله حسيبه، لعلنا نوفيه جزءًا من حقه علينا، وليكون قدوة لمن بعده، وقبل ذلك نستهل الحديث ببيان أثر موت العلماء على الأمة من القرآن والسنة وكلام سلف هذه الأمة.

فإن العالم للأمة بدرها الساري، وسلسالها الجاري، فهو من أئمة الدين، وعلماء الشريعة؛ ولذلك كان فقدهم من أعظم الرزايا، والبلية بموتهم من أعظم البلايا، وأنى للمدلجين في دياجير الظلمات أن يهتدوا إذا انطمست النجوم المضيئة.

وقد صح عند أحمد وغيره من حديث أنس رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ  قال: «إنما مثل العلماء كمثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة».

يقول الإمام أبو بكر الآجري يرحمه الله: «فما ظنكم بطريق فيه آفات كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء، فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم، فسلكوه على السلامة والعافية، ثم جاءت فئام من الناس لا بد لهم من السلوك فيه فسلكوا، فبينما هم كذلك إذ أطفئت المصابيح فبقوا في الظلمة، فما ظنكم بهم؟ فهكذا العلماء في الناس».

وحسبنا في بيان فداحة هذا الخطب، وعظيم مقدار هذه النازلة، قول المصطفى ﷺ في الحديث الذي أخرجه الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا».

ولقد أخبر حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (الرعد: 41)

 قال: «بموت علمائها وفقهائها».

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه ذهاب أهله»، ولما مات زيد بن ثابت رضي الله عنه قال ابن عباس رضي الله عنهما: «من سره أن ينظر كيف ذهاب العلم فهكذا ذهابه».

وقال يحيى بن جعفر: «لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل -أي: البخاري- من عمري لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموته ذهاب العلم».

وبعد هذه المقدمة لا بد لي أن أبين أن كلامي عن الشيخ رحمه الله تعالى هو من واقع معرفة امتدت فترة من الزمن، خبرت فيها الشيخ في حله وترحاله، وخالطته في أسرته وعمله، وعشت معه في كتبه، وها أنا أنعيه وفي القلب حزن وأسى، ولكن عزائي أني أحسبه على خير، وأسأل الله عز وجل أن يجمعنا جميعًا في مستقر رحمته.

مولده ونشأته

هو الشيخ محمد بن سليمان بن عبد الله الأشقر من قبيلة الحفاة إحدى قبائل عتيبة في فلسطين، ولد في قرية برقة من قضاء نابلس في الثلاثينيات من القرن الماضي، وتربى ونشأ في بيت علم حيث كان المدرس الأول لأخيه الدكتور العلامة عمر سليمان الأشقر، وهو أحد العلماء المخلصين الصادقين الذين خدموا هذا الدين بعلمهم وتدريسهم وكتبهم وخطبهم ومؤلفاتهم.

أهم وأشهر مؤلفاته

  1. زبدة التفسير: الذي كان رحمه الله تعالى يعتز به، وهو كتاب على اسمه زبدة أي ليس فيه حشو مطلقًا، وإنما التفسير على قدر المطلوب بالضبط، فيكشف معنى الآية بكل يسر وسهولة ووضوح وهو ميسر للناس، يقول رحمه الله تعالى: وقد أخليته من أي مصطلح يشق على المطالع الذي لا معرفة لديه بالمصطلحات، فأي مثقف عادي يستطيع أن يفهم المراد من الآية فهمًا سليمًا فهذا أكثر كتاب اعتز به وقد طبعته ووزعته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت.
  2. الواضح في أصول الفقه: وهو أيضًا کتاب ميسر للمبتدئين، ولأهميته فهو يدرس في العالم الإسلامي في مواضع كثيرة في معاهد علمية إسلامية.
  3. بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة.
  4. أفعال الرسول ﷺ ودلالتها على الأحكام.
  5. المجلي في الفقه الحنبلي.
  6. الفتيا ومناهج الإفتاء.
  7. تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة.
  8. بيع المرابحة كما تجريه البنوك الإسلامية.
  9. وفي إحدى لقاءات الشيخ محمد سليمان الأشقر يرحمه الله تعالى مع جريدة «الرؤية» في يوم السبت «۳۱ مايو ۲۰۰۸م والذي حاوره فيه يوسف الشطي، قال الشيخ وقتها: بعد ما أقعدني المرض في عمان وأصبحت لا أستطيع المشي اشتغلت، وأنا أعمل في ثلاثة كتب:

الأول: صحيح مسند الإمام أحمد:

على شرط البخاري، وبوزن صحته؛ لأن رجال سنده هم رجال البخاري الذين احتج بهم، وأما الكتاب الثاني فهو: مختصر تفسير ابن كثير الذي كان يرجو الله تعالى أن ييسر إخراجه في مجلد واحد على هامش المصحف، وأما الكتاب الثالث فهو: الجامع العزيز الشامل للأحاديث العزيزة، والأحاديث العزيزة هي التي جاءت عن طريقين أي عن طريق اثنين من الصحابة والسند مختلف، يعني لا يتفقان في رجل واحد مثلًا الحديث المروي عند مسلم عن جابر بن عبد الله ورواه البخاري عن ابن عمر مثلًا، والحديثان متفقان بنص واحد ولا يوجد بهما إلا اختلاف لفظي فلا يضر ذلك، والحديث إذا جاء بالطريقين يسميه العلماء بالعزيز، ومعنى ذلك أن قوته تكون أقوى من أحاديث البخاري وأقوى من أحاديث مسلم لأنها تقوى بالرواية الأخرى لأنها جاءت من طريقين كل طريق منفصل عن الطريق الآخر.

أهم تلامذته

  1. الشيخ عبد العزيز آل الشيخ: مفتي المملكة العربية السعودية.
  2. وأخوه الدكتور عمر سليمان الأشقر.
  3. والشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، وكثير من أهل العلم.

أهم أعماله ورحلاته

  1. خرج الشيخ محمد سليمان الأشقر من فلسطين إلى المملكة العربية السعودية، لما فتحت الجامعة الإسلامية عام (۱۳۸۱هـ) الموافق (١٩٦١م)، حيث عمل هناك بالتدريس في جامعة الإمام «محمد بن سعود» في الرياض مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، ولما ذهب سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله نائبًا لرئيس الجامعة في المدينة المنورة اتصل به وشجعه أن يأتي معهم للمدينة المنورة فذهب معهم عام (١٣٨٢هـ) الموافق (١٩٦٢م).
  2. إدارة وتدريس: بعد ذلك أوكل الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى للشيخ محمد سليمان الأشقر مهمة الإدارة التعليمية للجامعة، عوضًا عن الشيخ عطية سالم، واستمر ذلك لمدة عامين في عام (١٩٦٢م) وعام (١٩٦٣م)، وبالإضافة لمهمة الإدارة قام رحمه الله تعالى بتدريس مادة التفسير من كتاب «فتح القدير الجامع بين الرواية والدراية من علم التفسير لمؤلفه الشوكاني»، ومادة النحو في «شرح ابن عقيل على الألفية».

وكان يدرس مع الشيخ في هذه الفترة ثلة من العلماء الكبار، من أهمهم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمة الله عليه، والشيخ مختار الشنقيطي رحمه الله والشيخ محمد شقرة.

خروجه من السعودية وسببه

في تلك الأثناء حصلت مشكلة غريبة مع بعض شباب الجامعة حيث رأوا معرضًا من معارض الملابس النسائية قد وضع تماثيل نسائية ووضع عليها الملابس فاستعظموا ذلك وكسروا المحل وكسروا هذه التماثيل، فشكت الحكومة أن هناك حركة غير مرغوب فيها فطردت الذين شكت فيهم خارج المملكة، وكان من الذين أخرجوا من المملكة الشيخ محمد سليمان الأشقر وقتها عام (١٩٦٥م)، علمًا بأنه لا علم له بالحادثة فضلًا عن المشاركة فيها، فذهب إلى الأردن وقبلته وزارة التربية مدرسًا في المدارس الثانوية، ولكنه اشترط أولًا أن يذهب للكويت فإن وجد عملًا عمل به وإلا رجع إلى الأردن للعمل هناك.

  • قدم الشيخ يرحمه الله تعالى إلى الكويت سنة (١٩٦٥م) وبقي فيها (٢٥) عامًا، حيث التزم أولًا مع وزارة الأوقاف في إمامة مسجد في الفحيحيل، ومن ثم في الروضة، ثم وافق الشيخ عبد الرحمن المجحم الذي كان وكيل وزارة الأوقاف على تسليمه أمانة مكتبة الوزارة حيث بقي فيها (۱۲) سنة إلى عام (۱۹۷۷م).

وعندما افتتحت الموسوعة الفقهية الكويتية أبوابها التحق بها، وأصبح خبيرًا من خبرائها، وكانت فكرة الموسوعة واضحة في ذهنه، فقدم ثمارًا طيبة من إنتاجه، وقد كان سعيدًا في عمله الذي يقوم به، وكان موضع احترام وتقدير من قبل العاملين في وزارة الأوقاف.

وبقي في الموسوعة إلى أن هجم صدام على الكويت -عامله الله بما يستحق– وكان العراقيون يطلبون الشيخ بالاسم، فخرج من الكويت إلى عمان حيث بنى بيته هناك واستقر فيها عام (۱۹۹۱م) و(۱۹۹۲م).

المؤتمرات التي شارك فيها

شارك الدكتور الأشقر رحمه الله تعالى في العديد من المؤتمرات والمنظمات التي كان لها دور فعال في إثراء الساحة بالعديد من الأبحاث والقرارات الفقهية المهمة، ومن أهم هذه المؤتمرات:

  • مؤتمر بيت التمويل الكويتي.
  • المنظمة الإسلامية في العلوم الطبية.
  • مؤتمر مجمع الفقه الإسلامي في جدة. 

وهو من أهمها، حيث بحث فيه أمورًا تتعلق بالاستنساخ.

أبرز معالم شخصيته التي لمستها فيه رحمه الله تعالى

  1. سعة علم الرجل ومعرفته بالفقه التعبدي: لقد كان الشيخ يرحمه الله تعالى موسوعة من العلم عامة والفقه خاصة تمشي على الأرض، ومن جميل ما دار بيني وبينه من الحوادث وتعلمته منه، حادثة ما زلت أذكرها جيدًا، وذلك عندما كنت في مستشفى الولادة عند ولادة أحد أبنائي، وكان الشيخ هناك أيضًا ينتظر مولودًا جديدًا.. وكان وقتها في شهر رمضان، وأدركتنا صلاة التراويح ونحن في مستشفى الولادة، فصلينا فرض العشاء بمسجد المستشفى، ولم أصل التراويح معهم في المسجد، إنما نويت أن أصليها في البيت، وعلتي في ذلك أن أغلب الأئمة يصلون بسرعة وقد تعودت أن أصلي التراويح كل ليلة في مسجد «صلاح الدين»  مع الشيخ «السيد عيد»، حيث كنا نقرأ جزءًا كل ليلة.

أما الشيخ الأشقر يرحمه الله تعالى فقد صلى معهم في المسجد صلاة التراويح على سرعتها، وبعد الانتهاء من الصلاة، قلت له يا شيخنا ألا ترى أننا عندما نصلي معهم وحالهم الإسراع كأننا نقرهم على ما هم فيه من العجلة ونوافقهم على ما هم فيه من السرعة.

فقال يرحمه الله تعالى وهو الفقيه العالم: «إن صلاتنا معه مع قيامه بأقل حد للأركان والواجبات ولو مع العجلة والإسراع خير وأفضل من عدم صلاتنا واعتزالنا، لأن الصلاة إذا توفرت فيها أقل الأركان والفرائض تكون صحيحة ومقبولة، ولكن اعتزالي واعتزالك وعدم صلاتنا معه ربما يشكك المصلون بأن ما يقومون به خطأ وغير صحيح أو أنه عبادة باطلة».

فتعلمت منه أن الإنسان لا يأخذ الآخرين بالعزائم، إنما يقبل منهم ما جاء موافقًا على أقل الواجبات حتى لا يشك الناس بدينهم، فتعلمت ذلك منه فقهًا تعبديًا عمليًا.

  1. فقيه سياسي: في أحد لقاءاتي مع الشيخ محمد الأشقر يرحمه الله تعالى تناولنا بعض أطراف الحديث عن كتابي «الدولة الإسلامية بين الواجب والممكن»، وذكرت له وهو العالم الأصولي أنني قسمت من حيث التطبيق العملي الدولة الإسلامية إلى دولة الواجب وهي دولة الخلافة الراشدة التي يسعى الدعاة لتحصيلها، والدولة الممكنة التي يرضى الناس بقبولها لتحقيق أهداف الدولة واستقرارها.

فقال لي يرحمه الله تعالى: لم لا تكون دولة الخلافة الراشدة في زمن الخلفاء الراشدين الأربعة هي دولة المثال والنموذج، وتكون بعد ذلك الدولة العباسية والأموية دولة الواجب، ومن ثم نقول السودان على سبيل المثال هي دولة الممكن.

وأثناء النقاش العلمي الفقهي والممتع معه يرحمه الله تعالى فهمت منه فقهًا بين الأمور المتعلقة بالسياسات الشرعية والتي ليس فيها نص واضح في دلالته صحيح في سنده، ويسع التفكير به من أكثر من اتجاه، كما تعلمت منه أنني إذا أردت أن أفكر في مسألة لا أغلق علي أبوابًا ممكنة، وإنما أفتح الأبواب جميعًا إذا لم تكن فيه مخالفة شرعية.

  1. صبره يرحمه الله تعالى: لقد كانت صحته يرحمه الله تعالى عبر سنوات عمره طيبة جيدة لا يعكرها شيء من الأمراض المزمنة، حتى أصابه يومًا ألم في رأسه، وقد انتهت البحوث التي أجريت له عن وجود تدرنات في دماغه، وانتهت بإجراء عملية استمرت عشر ساعات استؤصلت من دماغه عدة تدرنات، ولم تؤثر هذه العملية على قواه العقلية، ولا على علمه، ولكنها أثرت على الجانب الأيسر من جسده، وكان يمشي بشيء من الصعوبة، ولكنه وقع أكثر من مرة، وقد أعجزه وقوعه وانكسار إحدى رجليه عن القدرة على السير، وما زال المرض يعمل عمله فيه حتى أفقده القدرة على النهوض.

فقد قدرته على السير، وضعف نظره في إحدى عينيه، ولكن بقي نظره صالحًا للرؤية والمطالعة والكتابة، وبقيت يده اليمنى تعمل جيدًا.

لقد كان صابرًا محتسبًا في مرضه، شهد بذلك كل من زاره أو رافقه في وقت مرضه الأخير، حيث وجدوا منه دعاء واستغاثة لله تعالى....

كما أن المرض الذي أقعد جسده، لم يكن ليوقف علمه ولا عطاءه، فبقي يفتي ويجيب عن الأسئلة التي توجه إليه عبر الهاتف، وبقيت صلته بالكتاب، يقرأ ما يصل إليه من كتب.

ولم يتوقف عند حدود قراءة بعض الكتب، بل جاوزها إلى التأليف في مرضه، فكتب عدة كتب، وكان أحد أحفاده من إحدى بناته يدرس في الدراسات العليا في الماجستير والدكتوراه، فكان يطيل الجلوس معه، ويشاوره فيما يكتب، وفيما يخطط له، ولم يتوف حتى أتم حفيده رسالة الدكتوراه، وكانت رسالة موفقة حظيت بمناقشة علمية مسددة.

لقد كان الشيخ متقد الذهن حتى في سنوات مرضه الأخير، وكنت كلما زرته أطرح عليه بعض المسائل فأجده هو هو الشيخ محمد الأشقر الذي كان يعمل في الموسوعة قبل أكثر من عشرين عامًا.

  1. كان حليما يرحمه الله تعالى: مقدرًا لطلبات من هم في عمر أولاده فعندما كثرت الردود في مجلة «المجتمع» وغيرها عليه بالنسبة لرأيه في حديث ولاية المرأة.

كان ممن رد عليه وكتب أحد العلماء الفضلاء إلا أن رده كان فيه قسوة، وقد خرج فيه عن المألوف في نقاش العلماء، ولعل له في ذلك عذرًا أن الموضوع متعلق بتصحيح حديث أخرجه البخاري.

فكتب الشيخ محمد الأشقر رحمه الله تعالى ردًا على رد ذلك الشيخ، وطلب مني أن أوصله إلى «المجتمع» لنشره، فطلبت منه إنهاء الموضوع حرصًا على مكانة العلماء في نفوس طلبتهم.

وقلت له: إن موضوع تولي المرأة للولاية يستحق زيادة البحث لو أن القطع في مجلس الأمة الكويتي مبني على الدليل الشرعي، في هذه الحالة سيكون النقاش والبحث يستحق هذا الجدل، ولكن القطع في المجلس أولًا وآخرًا سيكون برفع الأيادي عند التصويت من غير النظر إلى الدليل الشرعي.

فوجدت منه رحمه الله تعالى رغبة في أن ينشر ذلك الرد، ولكني من ثم في نهاية الحديث وجدت منه لينًا في آخر الموضوع، فقلت له: لو خيرتني في الأمر، فسكت الشيخ رحمه الله تعالى واعتبرت هذا السكوت علامة منه على رضاه وتسليمه لي الأمر، فأخذت الرد وأعطيته لمجلة «المجتمع»، ولكني أخبرتهم ألا ينشروه وأن ينهوا هذا الموضوع والجدل القائم فيه، فمجلة «المجتمع» مجلة علمية وليست مجلة إثارة، خصوصًا إذا كان الأمر متعلقًا بعلماء كبار ومسائل فقهية حديثة مهمة.

إنها وقفات وساعات ودروس أمضيتها مع أخينا وشيخنا الدكتور الراحل محمد سليمان الأشقر رحمه الله تعالى.. وفي هذا المقام تتوقف الكلمات وتعجز العبارات أن تعبر عن مشاعر الحزن بفقد شيخنا الحبيب إلى القلوب.

رحمك الله شيخنا الحبيب رحمة واسعة، وألحقنا بك في الصالحين، ونسأل الله أن يحشرنا وإياك برفقة الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام.. إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..

رثاء

بقلم: عبد الحميد البلالي (*)

عرفني به والدي عندما كنت طفلًا ودرست الفقه على يديه وكان أقرب الناس إلى قلبي

أسهم بشكل كبير في إعداد الموسوعة الفقهية ودرس كتاب «الوجيز في أصول الفقه» للكثير من طلاب العلم في الكويت

قبل ما يقارب شهر من رحيل شيخي الحبيب، ومدرسي، وأحد قدواتي الكبار العالم الجليل الأصولي الفقيه محمد سليمان الأشقر، جاءني إحساس غريب بقرب رحيله، وألم بي شوق عظيم لملاقاته، حيث لم ألتق به منذ مغادرته الكويت بداية الغزو العراقي، وطلبت من بعض الإخوة مصاحبتي في هذه الرحلة، وكنت مستعجلًا، وكان البعض يستغرب مني هذا الاستعجال، ولا أستطيع البوح لهم بما كنت أشعر به، سوى الشوق لمعلمي وشيخي الذي له فضل علي بعد الله، بتعلمي الفقه كاملًا على يديه، وأصول الفقه، وخصني في ذلك مع بعض المقربين..

وداعًا شيخي الحبيب

ولم يمض شهر من رجوعي من عنده، حتى سمعت بالخبر المحزن، ولا يقول الإنسان إلا كما أوصانا ربنا سبحانه وتعالى ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: 156)، وقوله ﷺ: «اللهم أجرنا في مصيبتنا، وأخلف لنا خيرًا منها».

يقول الإمام علي رضي الله عنه:

الموت لا والدًا يبقي ولا ولدًا

               هذا السبيل إلى أن لا نرى أحدًا

كان النبي ولم يخلد لأمته

                  لو خلد الله خلقًا قبله خلدًا

للموت فينا سهام غير خاطئة

              من فاته اليوم سهم لم يفته غدًا

تاريخ العلاقة

بدأت علاقتي بشيخي الحبيب منذ بدايات الستينيات عندما هاجر من المملكة العربية السعودية إلى الكويت، ليختارها الوطن الأول له، هو وأخوه العالم الجليل عمر الأشقر، وكان اللقاء الأول وأنا طفل في مسجد «بن بحر» عند مدخل سوق الخضار في مدينة الكويت، حيث كان والدي الشيخ جاسم أحمد البلالي مؤذنًا لذلك المسجد، وكان والدي يحب العلماء، ويحرص على تعريفهم لنا، فعرفني به، وأحببته منذ تلك اللحظة، لما رأيت فيه من وجه مشرق مبتسم، وتواضع جم، وتطورت العلاقة مع تطور العمر، وتوطدت عندما تخرجت من الدراسة عام ۱۹۷۸م، ورجعت إلى الكويت، فازداد اهتمامي به، لما لمست فيه من علم عميق، خاصة في قضايا الفقه والأصول. وما علمت إنسانًا رآه إلا أحبه، وربما يكون ذلك من علامات القبول عند الله، والله أعلم.

دروس الفقه

بعد تخرجي، أحسست بنقص في علوم الفقه، وأحببت أن أسد هذا النقص، فتفكرت في نفسي عمن أتوجه إليه؟ لم يخطر على بالي آنذاك سوى الشيخ الأشقر، فتوجهت له في وزارة الأوقاف في بدايات الثمانينيات، حيث كان يعمل خبيرًا في الموسوعة الفقهية وأبديت له رغبتي ابتسم وقال لي: أنا عادة لا أستجيب لمثل هذه الطلبات، ولكن أنت لا أستطيع ردك لأنني أحب والدك كثيرًا فانتقى بعض أصحابك المقربين وليكن الموعد في يوم كذا من كل أسبوع في أحد مساجد «الفروانية»، حيث كان يسكن، فطرت من الفرح لهذا الشرف العظيم، وهذه النعمة التي امتن الله بها علي، وطلب مني أن أحضر كتاب «منار السبيل» للشيخ بن ضويان في الفقه الحنبلي، فاخترت بعض الأصحاب، أذكر منهم: الشيخ محمد العجمي من الجهراء، والشيخ عيسى العبيدلي، وآخرين. وامتدت هذه الجلسات العلمية أربع سنوات، أنهينا فيها أبواب الفقه، ودرسنا خلالها كتابه «نيل المآرب»، وكان يعطينا بعض الواجبات التي نرجع من خلالها إلى مراجع المذهب الحنبلي الكبرى، وحينها تعرفت عليه عن قرب، ولمست فيه أخلاقًا تشبه أخلاق الأولين.

أخلاق لمستها

قابلت في حياتي الكثير من العلماء والدعاة إلى الله، ولكنني لم أقترب من أحد منهم كاقترابي من الشيخ محمد يرحمه الله، حيث لمست فيه الكثير من الأخلاق التي كانت تذكرني بأخلاق الصحابة الكرام والتابعين رضي الله عنهم.

فقد لاحظت أنه لا يغتاب أحدًا، ولا يحب أن يغتاب أحد عنده، كما أنه عف اللسان، لا تسمع منه كلمة نابية، بالرغم من طول احتكاكنا به، لا تغيب عنه الابتسامة والمداعبات خاصة لي بسبب العلاقة المميزة التي تجمعني وإياه، وكان كثير القراءة والبحث، حتى في شهوره الأخيرة كان يبحث ويؤلف، ويقرأ.

وكان يتلاطف معنا، ولكنه يبتعد عن سفاسف الكلام، أو النكت، وما شابهها، وكان يشجع تلاميذه كثيرًا على البحث العلمي.

فقد كلفني ببعض البحوث العلمية، وكان يصححها لي، وينبهني على بعض الملاحظات، كما كان يقول لي كلمات وعبارات تشجيعية كانت تثير بي روح البحث، وحب الاطلاع والقراءة.

إنتاجه العلمي

كان الشيخ محمد الأشقر صديقًا للعلامة ابن باز، وكان من الناحية العلمية قرينًا له، ولا يقل عنه في المستوى العلمي، بل إن الشيخ حدثنا عن أن لنا بعض النقاشات الأخوية في بعض المسائل الفقهية التي كان للشيخ رأي مخالف فيها للشيخ ابن باز، وحكى لنا كيف كان الشيخ ابن باز متواضعًا، ويقبل ويرجع إلى الحق، عندما يتبين له الدليل دون مكابرة، وهو الذي استدعاه إلى جامعة المدينة المنورة من جامعة محمد بن سعود في الرياض ليدرس فيها، وكان يدرس تفسير الشوكاني المسمى بفتح القدير، لذلك أحب أن يختصره للناس، ليستفيدوا بما فيه من العلم والفائدة، وأسماه «زبدة التفسير»، وهو من أشهر كتبه، حيث قامت بطبعه وزارة الأوقاف الكويتية، وانتشر بفضل الله انتشارًا كبيرًا في جميع العالم... كما أنه أسهم إسهامًا كبيرًا في كتابة الكثير من أجزاء الموسوعة الفقهية، وكانت رسالته للدكتوراه «أفعال النبي ﷺ»، كما درس كتابه «الوجيز في أصول الفقه» للكثير من طلبة العلم في الكويت.

وقام بعمل بعض الفهارس للموسوعة الفقهية ولغيرها من كتب العلم كـ «فهرس البداية والنهاية» و«بداية النهاية»، وقام بعمل كبير في مسند الإمام أحمد في آخر حياته، كما ألف كتاب «نيل المآرب» في الفقه الحنبلي، وكتاب «بيع المرابحة» وكتاب «التجارة الرابحة»، وآخر ثلاث كتب ألفها قبل موته: «صحيح مسند الإمام أحمد على شرط البخاري»، و«مختصر تفسير ابن كثير»، و«الجامع العزيز الشامل للأحاديث العزيزة».

اللقاء الأخير

في لقائي الأخير مع الشيخ، لقاء الوداع بتاريخ 3/ 10/ 2009م في منزله في عمان تفاجأت بحالته الصحية الحرجة، فقد كان يستعمل الكرسي المتحرك، وكان وزنه قد تناقص كثيرًا عما عهدته عليه، تعانقت معه طويلًا وقبلت يده ورأسه، وقد عرفني بسرعة، وتذكر والدي ثم بكى وأبدى مشاعر عاطفية تجاهه، ثم تذكر الكويت والغزو وبكى ثانية، ثم سألني عن حياتي، ونشاطي، ولما أخبرته بأسماء أولادي، ومنهم: «خلادًا» تبسم، وقال لي: لماذا أسميته «خلادًا»؟ فقلت له: تخليدًا لأسماء الصحابة، فبكى وهو يقول: أولئك أسود أسود.. وعندما قدموا لنا الفاكهة، كان يقول: هذا العنب من هذه الشجرة إنه طيب كل يا شيخ فكنت أستمتع وأنا أقشر له الفواكه، وأقطعها، وأضعها في فمه، ثم سألني عن الإخوة في الكويت، وعن العلماء ورجال الدعوة.. وأخبرني في هذا اللقاء الانتهاء من عمله في المسند، وأهداني كتاب «زبدة التفسير» بطبعته الجديدة، وودعناه، وأنا أقول في نفسي: هل سأقابله ثانية؟

ولم تتأخر الإجابة كثيرًا، ففي 15/ 11/ 2009م جاءنا نبأ وفاته رحمه الله.

تذكرت لحظتها تلك الزيارة، وكيف جاءني ذلك الشعور، وتذكرت وقفاته الكثيرة دفاعًا عن حق الكويت عندما غزا الظالم أرض الكويت، وكيف عرض نفسه للخطورة بسبب هذا الموقف من بعض المتعصبين للنظام العراقي في الأردن، ولكنه يرحمه الله لم يأبه، واستمر في موقفه، وهكذا يذهب العلماء واحدًا تلو الآخر، لتتحقق علامة من علامات القيامة، حيث قال النبي ﷺ  فيما رواه الإمام البخاري: «إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون «كتاب الاعتصام، حديث رقم ۷۳۰۷ الفتح».

وداعًا شيخي الحبيب

لا نقول في وداعك يا شيخ محمد إلا: إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ونسأل الله لك أن يجعلك في أعلى عليين، وأن يصبرنا على فراقك.

الرابط المختصر :