العنوان رجال التغيير والدور المطلوب
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يونيو-1998
مشاهدات 68
نشر في العدد 1303
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 09-يونيو-1998
رجال التغيير نفوس مبدعة، وعقول مبهرة وعزائم جبارة، وبصائر نافذة، تعرفهم بسيماهم وتراهم في أعمالهم لهم بصمات في أفعال لا ضوضاء في أقوال يزرعون الورود والرياحين ويضيئون الدروب للسالكين، إذا افتقدتهم الأمم ذبل عودها وذوت نضارتها وخبا ضوؤها وأغطش ليلها واسود نهارها، وتخلف ركبها وظهرت في ساحاتها الأبالسة والشياطين وأمسك بزمامها الأفاكون والمغامرون، وحل الغباء مستوطنًا للنفوس، والجهل مستعبدًا للعقول، والخور مستمكنا من العزائم، والعمى طامسًا للبصائر.
وللخير أهل يعرفون بهديهم *** إذا اجتمعت عند الخطوب المجامعُ
وللشر أهل يعرفون بشكلهم *** تشير إليهم بالفجور الأصابعُ
والغباء دائمًا جنون وفنون فمنهم من يتقمص أشخاص الأنبياء والمرسلين، ويشرع في محاكاة الوحي المبين وتتلاعب في محياه رؤوس الشياطين، فيصادم هوية أمته وثوابت شعبه، ويهدر أموالهم ومقدراتهم على غبائه وسفهه، ويقيم الحرائق هنا وهناك ثم يتهاوى بعد أن يتركها خرابًا يبابًا.
منهم من يظن أنه الألمعي الموهوب ونابغة العصر والأوان وملهم الأزمان والأكوان وأنه هبة الله للإنسانية، وهديته للبشرية، وهو مطموس البصيرة، سمج الفكر، كليل الفهم، لا يرى الأخطار وهي محدقة به ولا يفهم الحوادث وهي محيطة بأمته متكالبة عليها، ولله در القائل:
لعن الإله بني كليب إنهم *** لا يعقلون ولا يفون لجار
يستيقظون على نهيق حمارهم *** وتنام أعينهم عن الأخطار
كيف يفسر هؤلاء العباقرة ضعف الأمة اليوم وقد انطلقت الأمم في مضمار السباق يسابق بعضها بعضًا في الصناعات والزراعات والتكنولوجيا، والأمة تزداد تأخرًا وتقهقرًا في الميادين كلها؟ وكيف يفسر هؤلاء انكساف الأمة وانخسافها في ميدان الدفاع عن النفس، والأمم قد تسلحت بشتى الأسلحة وصنوف الروادع ونحن لا نملك إلا الحجارة والعمالة، ولا نحسن إلا الذلة والمسكنة والتآمر على عباد الله، وتراثنا لا يعرف الذلة، وإنما يدعو إلى العزة وامتلاك قوة الردع، وصدق الله ﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمَ﴾ (الأنفال: ٦٠).
لقد تعرضت الأمة على يد دجاجلة من بني جلدتها إلى طمس الهوية زمنًا ليس بالقليل، ورسموا على جبينها أشكالًا وألوانًا من المضحكات المبكيات من اشتراكية وشيوعية ماركسية، وبعثية عفلقية... إلخ، فبشروا الأمة بعذاب أليم وتيه طويل، وأعطوا كل فرد في الأمة حصته من الفقر والذل والحرمان، وكانوا روادًا كذبة وأفاكين سحرة، وصفق كثيرًا أعداء الأمة لهذه الجوائح المبيدة، وهذا الوباء الذي لا يبقي ولا يذر، ولكن ما أن طلع النهار حتى أزال هذا الران عن وجه الأمة المشرق ومحياها الصبوح وكأن الأمر كما قال أحد المخلصين من الساسة معلقًا على ذلك بقوله: «إن هؤلاء المجانين يرسمون بالألوان على حائط الفسيفساء وعندما تأتي الأمطار ستزيل كل ما رسموه، ويبقى الوجه الإسلامي المشرق».
ورجال التغيير دائمًا تكون لهم أهداف واضحة يريدون الوصول إليها، ويرسمون الخطط لبلوغها كما يكون لهم ثوابت يرتكزون عليها وعدة يعتدون بها، وإيمان ينير الصدور والقلوب ويعطي الأمل ويجدد العزم، وأفضل هذا الإيمان، الإيمان بالله، وأقوى هذه الثوابت ثوابت العقيدة، وأمضى هذه العدد عدة التقوى قال الجنيد رحمه الله: «إن الله تعالى أكرم المؤمن بالإيمان، وأكرم الإيمان بالعقل، وأكرم العقل بالصبر، فالإيمان زين المؤمن والعقل زين الإيمان، والصبر عدة العقل» قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اصبِروا وَصابِروا وَرابِطوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُم تُفلِحونَ﴾ (آل عمران: ٢٠٠). والمؤمن الذي يوطن نفسه على التغيير يعرف أن الطريق طويل والعقبة كؤود، والمحن على درب، قال رجل للإمام الشافعي رضي الله عنه أيها أفضل: الصبر أم المحنة أم التمكين؟ فقال: التمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التمكين إلا بعد المحنة، فإذا امتحن صبر وإذا صبر مُكن ألا ترى أن الله عز وجل امتحن إبراهيم عليه السلام ثم مكنه؟
وهكذا يتفاضل الرجال بالنفوس وبالقوة الروحية، والعزيمة الإيمانية قال ابن القيم: قال أبو بكر بن عياش: «ما سبقكم أبو بكر الصديق بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في صدره»، ولقد سبق الصحابة جميع الناس بما وقر في صدورهم، وإلا فقد كانوا رجالًا كالرجال، وبشرًا كالبشر ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه».
فكابدوا المجد حتى ملَّ أكثرهم *** وعانق المجد من أوفى ومن صبرا
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله *** لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
وبعد: فهل آن الأوان لهذه الأمة أن تغير ما بها حتى تتغير أحوالها وأوضاعها؟ وصدق الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم﴾ (الرعد: ١١)، وهل آن الأوان فيُفسح لرجال أصحاب جهد وبذل وعطاء ليقوموا بالدور المطلوب منهم وبالمهمة المنوطة بهم فينتفع الجميع حاكمين ومحكومين سلطات وشعوبًا؟ وهل آن الأوان فتجتمع القوى على اختلاف منازعها وتوجهاتها عاملة على انطلاقة ترفع النفس وتحيي الأمل وترفع الهمة وترهب العدو، وتطلق الطاقات؟ وهل آن الأوان ليكون أمرنا بيدنا وقرارنا من أنفسنا ولا نخشى أحدًا أو نرهب إنسانًا؟ أقول: إن مخايل الغد تبدو واعدة وتباشير الإصباح تبدو عظيمة، لأن المارد الإسلامي يوشك أن يتحرك، والعملاق النائم يقترب من اليقظة، ويومها سيتطاير الذباب عن جسده، وتتساقط الهوام عن محياه ويفر الجرذان من حوله وينادي الزمان من جديد نشيده التليد ﴿وَقُل جاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الباطِلُ إِنَّ الباطِلَ كانَ زَهوقًا﴾ (الإسراء: ٨١) ويفرح المؤمنون بنصر الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل