العنوان رجل الدعوة وعمل الخير
الكاتب سامي الخطيب
تاريخ النشر السبت 01-سبتمبر-2007
مشاهدات 65
نشر في العدد 1767
نشر في الصفحة 8
السبت 01-سبتمبر-2007
قلة هم الرجال الذين تركوا بصمات واضحة في سجل التاريخ، وقلة من هؤلاء هم الذين رسموا بسلوكهم منهجًا وجسّدوا قيمهم عملًا وتجردوا لفكرتهم حتى طغت الفكرة على الذات، ومن هؤلاء الرجل الكبير والداعية الجواد الشيخ عبد الله العلي المطوع الذي انتقل إلى جوار ربه الغفور الرحيم، بعد عمر مديد جاوز الثمانين عاما قضاها في نشر الدعوة وخدمة المسلمين، لم يتطلع فيها إلى منصب، ولم يبحث له عن مكانة، بل كان فوق السياسة، ودخل العمل العام من أوسع أبوابه، فكان لإخوانه أبًا، ولكل من يقصده الناصح الأمين والمساعد المعين.
كنت أسمع عنه نموذجًا في تدين الملتزم وزهد المقتدر، متفردًا في عمل الخير وحب الناس والحنو على الفقراء والمساكين، وكنت أسمع اسم العم أبو بدر، من كل زائر للكويت، وكل مهتم بالعمل الاجتماعي والشأن العام.
لم يكن العم أبو بدر رجلًا أكرمه الله تعالى بالمال ينفقه على الفقراء، حتى وصلت آثار خيره إلى أطراف الأرض وأصقاع الدنيا في إفريقيا وأقاصي آسيا فحسب، لكنه كان رجل علم وحكمة، وداعية خير ودين، ومنظر فكر ودعوة، التقى مع أخيه المغفور له عبد العزيز الأستاذ حسن البنا – يرحمه الله- في موسم الحج، وتعاهدوا على العمل للدين ونشر دعوة الله على بصيرة وهدى في الكويت، وتكررت اللقاءات ليكون أبو بدر مع أخيه عبد العزيز العلي المطوع سفيري هذه الدعوة المباركة إلى الكويت، وقد سلكا في دعوتهما - يرحمهما الله – طريق التربية على الإيمان العميق والتكوين الدقيق والعمل المتواصل، وبناء مجتمع متحاب متكافل قوي يصدق إيمانه وعمق عقيدته، فأسسا -مع آخرين- جمعية الإصلاح الاجتماعي التي تجاوز خيرها الكويت إلى كل حركة تعمل للإسلام أو مؤسسة تدعو إلى الخير في أنحاء المعمورة، وكانت مجلة (المجتمع) وما زالت صوت المحرومين وصيحة الحق في وجوه الظالمين.
كنت أسمع كل ذلك قبل أن يقدر الله لي زيارة الكويت، وكان أول شيء سألت عنه هو العم أبو بدر وكيف أصل إليه أو أحظى بمقابلته. قال لي صديقي، وهو شاب كويتي تربى في محاضن الحركة الإسلامية التي وضع لبناتها الأولى العم أبو بدر: «إنه يصلي الفجر في مسجد قريب من بيته في منطقة المنصورية، ويصلي الظهر والعصر في مسجد قريب من مكان عمله في منطقة المباركية».
هكذا هو إذن.. رجل حياته مبرمجة على الصلاة وقلبه معلق بالمسجد.
ذهبت إليه بعد صلاة الفجر، فرأيت فيه واحدًا من الناس، يصلي بينهم فلا يعرف ويختلط بهم فلا يكاد يميز... واقتربت منه – بعد ورد طويل دبر الصلاة- مصافحًا فسألني عن لبنان وأهله، وعن طرابلس والبقاع، وعن تفاصيل في السياسة اللبنانية جعلتني أقول له: إن من يسأل أسئلة بهذه الدقة لا أظنه ينتظر جوابًا من مثلي، فتبسم الرجل ولم يجب بل أخذ بيدي وجلسنا مع عدد قليل حول طاولة مستديرة في زاوية المسجد نقرأ القرآن حتى إذا ما بلغنا قراءة جزء عاد إليّ الرجل الكبير يرحمه الله تعالى يسألني عن حاجتي، ويبحث في تفاصيل ما أعرضه عليه من شؤون لبنان وشجون الدعوة فيه.
ولم أكد أنتهي من حديثي حتى كان المسجد قد امتلأ بأكثر من مائة رجل من جنسيات مختلفة إفريقية وأسيوية وأوروبية، كل يحمل مشروعه ويعرض حاجته، والرجل الثمانيني يتدارس معهم أوضاع بلادهم وهموم المسلمين فيها، يطلع بصبر ويسأل بحب ويعطي بدون حساب.. وكان هذا ديدنه - يرحمه الله تعالى – كل يوم...
توفي العم أبو بدر يرحمه الله تعالى بعد عمر مديد اغتنم لحظاته في تأسيس عمل دعوي واعد، وحركة إسلامية راشدة، وعبادة لله صافية، وعطاء في بناء المؤسسات يعجز الوصف ويفوق الخيال فكان مثال المسلم النموذج، علمًا ودعوة وإيثارًا وعطاء وتواضعًا، رحمه الله وأحسن مثوبته.
جلستنا الأخيرة في «أبها»
أذكر جلستنا الأخيرة معه في مدينة «أبها» حين قال لنا رسالته الأخيرة ينصحنا فيها.. فذكر مشواره مع بعض الشيوخ الكبار في جمعية الإرشاد ودورها في إحياء الدين في نفوس الكويتيين.. وكيف يمكننا أن ننهض بالأمة الإسلامية وإفادتها بسلاح العلم... فأوصانا بالتماسك والبر بالوالدين لننجح في مشوارنا الإسلامي.. وأن نكافح ونحقق النصر لهذا الدين القيم، ثم حمد الله على هذه الأمة الخيرة، وقال: أنتم الجيل الذي سينهض بالأمة الإسلامية، ولا تنسوا إخوانكم الذين سبقوكم بالدعاء... وأتمنى لكم التوفيق!!
عثمان فيصل بورسلي – الكويت
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل