العنوان رجل دين معارض في رتبة الخميني استمرار الحرب محرم
الكاتب حسن طباطبائي القمي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يوليو-1988
مشاهدات 90
نشر في العدد 875
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 19-يوليو-1988
يريدون استمرارها لصرف النظر عن المشاكل الداخلية:
حسن طباطبائي واحد من أكبر المعارضين لسياسة الحكومة الإيرانية، وهو من جملة أصحاب المراتب الدينية الكبيرة عند الإيرانيين، بل إنه برتبة الخميني نفسه حيث يطلق عليه «آية الله» وكثير من الإيرانيين اليوم يعتدُّون برأيه ويستشهدون بفتاواه، وفي هذا المقال يفتِي بحرمة الحرب بين العراق وإيران، ويدعو إلى إيقافها فورا، ويكشف خلال ذلك موقف الحكومة الإيرانية من دعوته... ومنه شخصيًّا ... كما يكشف عن أمور أخرى كثيرة نترك القارئ معها فيما يلي:
إنني أتكلم إليكم في البيت الذي اغتصبت غرفه من قِبَل نظام الخميني، وأنا محاصر من قِبَل جماعة الأشقياء والظلمة مأموري الحكومة غير الإنسانية.
إنني أتكلم معكم وأنا محدود الحركة ومراقب بإحكام حيث إنه محظور عليَّ الحديث عبر الهاتف ولقاء المؤمنين حتى بعض الأقرباء محظور على الاتصال بهم، وكذلك ألَّا أسرف في صرف الماء والكهرباء وممنوع عليّ بناء المستشفى.. وهذه المشاكل العديدة كلها صحيحة ولا يتوقع غيرها من الحكومة غير الإنسانية.
وإنني لا أشكوا أبدا من أي أمر من هذه الأمور، لأنني كنت في الحكم السابق مبتلَى بالحبس، والإبعاد والنفي والمحاصرة وشدة العمل.. ولقد أصبح تحمل الشدائد والصبر إزاء هذه الأمور عادة ثانوية لي، ولكن الجدير بالذكر أن شقاوة هؤلاء الأشقياء أقوى وأكثر من أسلافهم بمراتب كبيرة، ولما كانوا ينسبون أعمالهم إلى الإسلام، فإن أضرارهم وشرورهم بالنسبة للإسلام أكبر واوسع من أضرار الحكم السابق بكثير، ولقد أعلنت في الإعلاميات والكتب والنشرات التي نشرتها مرات أنني لم أُقتَل بيد الحكم السابق ولكن من الممكن أن أُقتَل بين هؤلاء الأشقياء.. وأنني لا أشكو أية شكوى، إذ إن عظماءنا لاقوا أكثر بكثير مما نلاقيه الآن، ولكن الذي يؤلمني ويعذبني هو المصائب والشدائد غير الإسلامية وغير الإنسانية التي يواجهها المسلمون المظلومون من طرف هذه الحكومة الظالمة للأمة النجيبة في جميع الجهات، فهي تقتل الأبرياء بلا حساب وتمارس الحبس والتعذيب والمصادرة وغصب الأموال وهتك الحرمات والتطاول والجنايات في جميع شؤون المسلمين وأكثر من ذلك كله، إضرار هذه الحكومة الفاجرة بالإسلام والذي أصبح أمرا لا يُحتمل، لقد غيَّر هؤلاء واجهة الإسلام في عيون الناس في الداخل والخارج ومسخوها.
وبسبب ما ارتكبه هؤلاء الأشقياء باسم الإسلام تركت جماعة كثيرة من الناس الديانة الإسلامية بعد أن مالت إلى الإسلام وأوشكت قبوله، ثم تركته بعدما رأت من المدَّعين بالإسلام ما رأت. وهذه المسألة هي التي سببت لي الفزع والقلق وليس لي ملجأ إلا أن أدعو الله عز وجل أن يحل هذه المشكلات وأطلب منه رفع هذه الشدائد والابتلاءات عن المسلمين ونجاتهم من الظلمة والمعتدين. أما في جواب سؤالكم الذي سألتم بأنهم يدَّعون بأن الحرية الموجودة في حكومتهم لم تكن في إيران قط، فإذا كان مرادهم بأن الهيئة الحاكمة في إيران في أي زمن من الأزمنة لم يكونوا أحرارا في تصرفاتهم مثل ما هو في هذا الزمان وهم ليسوا مقيدين بقيد العقل والقانون والإنسانية والوجدان والرحم والعاطفة ولا حياء لهم، نعم في هذا المجال صحيح ما يدَّعون ولا يوجد في تاريخ إيران دورة لم يكن المسؤولون فيها مقيدين بشيء ويحكمون كيفما يشاءون مثلها.
أما إذا كان غرضهم بأن الأمة الايرانية لم يكن لها حرية كعصرهم هذا، فإننا يمكن أن نقول إنه على مدى التاريخ لم تر الأمة الإيرانية خفقانا كهذا واختناقا بهذه الشدة ولا رعبا ووحشة مثل ما تراه الآن، حيث لا يوجد أي نوع من الحرية لأحد، ولكن الهيئة الحاكمة توجه الحرية المطلقة، في حين أنها تمتاز بكامل الحرية فتفعل كيفما تشاء وكما بينَّا فإن المصيبة العُظمى هي أن الأعمال غير الإنسانية والوحشية والظلم والاختناق والتعدي والتطاول والعدوان على الأموال وحياة الناس كلها أمور تمارس باسم الإسلام وشريعته وعلى حساب حيثيته وشرف الإسلام وهكذا الآخرون من المسلمين يجب عليهم القيام بوظائفهم الدينية ونحن لا نحسب السكوت جائزا العواقب هذا العمل.
أما سؤالكم عن هذه التشديدات التي فرضوها علي هل هي ناشئة من مخالفاتي مع الحرب ودوامها أم لا نعم من الممكن أن تكون هذه التضييقات المفروضة علي جزءا من أسباب مخالفتي للحرب ودوامها، ويجب القول بأنه يجب أن تتذكر مخالفاتنا مع الحكم السابق أيضا وأنها كانت قائمة على ما كانوا يقومون بخلاف الشرع فقط، وكذلك أعلنَّا مخالفتنا للأعمال المُخلة بالشرع في الحكم الحالي، وسنعلن أيضا في المستقبل ذلك، وإذا رأينا موضوعا مخالفا للشرع لا نسكت عليه؛ لأنه بسكوتنا لم نعلن صحته ولم نعمل عملا (نوضح) به وجهة الإسلام النيرة؛ فلذلك خلال هذه النهضة العمومية التي هدفها اعتلاء الإسلام نشترك مع الجماهير لوظيفة شرعية لنا، فبعد تشكيل الشورى (الانقلاب المعروف) أرسلنا خطابًا ننصح فيه هذه الشورى وأشرنا فيه إلى المسائل التي تعكر وجهة الإسلام وتخالف قوانين الشرع على أن تذكرتنا الإصلاحية كانت خلافا لمآربهم ومذاقهم؛ حيث بدأت خلافاتهم معنا، وبعد ذلك بحسب الوظيفة الشرعية لنا أيضا أهلنا مخالفتنا لبعض أصول القانون الأساسي الموضوع منهم والمخالف للشرع؛ ولذلك اشتد الخلاف والحملة ضدنا وحين أعلنَّا مخالفتنا الاستدامة الحرب المدمرة، وأعلنا بأنها من المحرمات القطعية وتضر بالإسلام والمسلمين، وصل أذاهم ضدنا إلى أعلى حد و بدءوا بالدعايات المسمومة ضدنا.
ولكن كل هذه الأمور كانت موجودة في أذهاننا من قبل، ولقد أعلنَّا نظرياتنا في الإعلاميات والمقالات سابقا، وخلاصة الكلام أن دوام هذه الحرب هو من المحرمات القطعية والقتل والقتال حرام، والذهاب إلى الجبهات حرام والمساعدة لهذه الحرب حرام والترغيب والتشويق للذهاب إلى الحرب بأي شكل من الأشكال حرام مطلق، والمخالفة معها واجب شرعي، حرب ظهر فيها كيد الأجانب وفريقان من المسلمين يتقاتلان ويقتل كل منهما الآخر بأعداد كثيرة ويجرحون ويقتلون ويؤسرون والمراكز الاقتصادية والعسكرية والحربية للفريقين تدمر وتخرب مدن الدولتين وما بنتا وشيدتا من العمران يقتل الرجال وتبقى الزوجات سبيات والأطفال أيتاما بلا ستر ولا ولي، والخسارات الروحية والمالية تبلغ حدا لا يجير في كلا البلدين المسلمين الجارين. لماذا لا تطفأ شعلة هذه الحرب المدمرة ولا تعطى الامتان المظلومتان الفرصة لإعمار خرابهما وإصلاح أمرهما وما خربتاه؟
لماذا لم يعط العراق فرصة التصميم بنفسه كي يعمل بحريته؟ أليس لأن حكام إيران يرون أن دوام حكمهم مرهون بالاستقامة وبأن يعمل على استدامة الحرب وتحريك احساسات جماعة من البسطاء الراسخين في اعتقاداتهم الصافية ولكنهم فاقدو الوعي السياسي اللازم؟ إن هؤلاء يريدون إشغال أذهان الناس بالحرب ليصرفوا النظر عن المصائب والمشاكل الأساسية الداخلية، ويكفون عن سؤال المسؤولين عن تلك المصائب، أما هذه الكلمة التي يقولون فيها بأن حربنا حرب بين الكفر والإسلام والصلح بين الكفر والاسلام لا معنى له. هل الجيش العراقي الذي يحاربونه من الكفرة؟ أم أن الأكثرية بل كلهم من المسلمين وأغلبهم من الشيعة أيضا وأنتم بكل افتخار تعلنون كذبا أم صدقا إنكم قتلتم منهم الأفراد وجرحتموهم؟
أولًا: الافتخار بقتل المؤمنين هل يعطي الأجوبة في القبر أو عند المحكمة الإلهية العادلة في القيامة؟ ليس كذلك يا جماعة بل إنكم تريدون بهذه الكلمات والادعاءات الواهية وارتكاب هذه الجنايات تطويل حكمكم على الأمة الإيرانية أياما أكثر فأكثر، وفي المرحلة الثانية بالفرض المحال، لو كانت حربكم هذه حربا بين الكفر والاسلام في الحقيقة والصلح بين الكفر والاسلام، لكان لها معناها بل لاقتضت المصلحة بأن تكون واجبة.
وقياس هذه الحرب (بين إيران والعراق) مع حروب أمير المؤمنين على رضى الله عنه من عمل الجهال والافتخار بقتل وجرح هؤلاء ليس صحيحا، والذهاب إلى بلد آخر وقتل الناس فيها لا يسمى دفاعا، ويجب ألَّا تنسى أننا في بداية هذه الحرب أعلنت في إعلاميتين باللغتين العربية والفارسية على الأصول بأن الحرب بين البلدين المسلمين مضرَّة وممنوعة، وأعلنت للطرفين بأن الحرب في الوقت الحاضر لا يجوز أن تمتد إلى الأنحاء وأنها ليست لصالح الإسلام أبدًا ولا يجوز أن يقتل الطرف الآخر من الناس الأبرياء بقنابله ويجرح ويصدم ويخرب مراكز المسلمين وبيوتهم، وقلت أيضا إننا ننتقم من أعمالهم بالقنابل والصواريخ نهجم بها على المدن ونقتل المسلمين الأبرياء الذين لا دخل لهم في الحرب وتخرب بيوتهم ومراكز سكناهم ومتاجرهم، مع أن القرآن الكريم يقول: ﴿ولَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (فاطر:18).
أم الذي يقولونه بأننا نريد تجويز المتجاوزين طبق قوانين الشرع والعقل صحيح، أما أي دين وأي عقل وقانون ومنطق ووجدان يعطى إجازة تجوزات المرتكب مع ارتكاب جميع هذه التجوزات والإجرام والجنايات الشرعية والقانونية والعقلية؟ وكيف يكون ذلك والدين يجازي المتجاوز الواقعي، مع إفناء مئات وآلاف من نفوس المسلمين وإفناء ملايين من أموالهم وذخائر بيت مال المسلمين وإيجاد آلاف من المعتلين والمعدومين وآلاف الأرامل ومئات الآلاف من الأيتام من أولاد المسلمين وارتكاب الجنايات والتجاوزات الأخرى؟ هل تجوز مجازاة (معالجة) التجاوز بالتجاوز؟ وهذا التجوز هل تقدر أعماله أم لا؟
أما يجب عليكم أن تعلموا بأن جناياتكم وتجاوزاتكم من جانب القادر العالم الحكيم والمنتقم الواقعي والحقيقي لا تبقى بدون مجازاة في الدنيا أو في الآخرة؟ إنني بعنوان الناصح الأمين المشفق أنصحكم بأن الفرصة سانحة لكي تتضرعوا طلبا للمغفرة من الباري جل جلاله؛ ليغفر لكم ويغمض العين عن سوابقكم وكذلك لكي تكفوا عن جناياتكم وسيئات أعمالكم حتى يخفف (الله سبحانه) مجازاتكم، إن كنتم تحبون الناصحين وإن عذاب ربنا لشديد، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ إن مسؤولية إراقة دماء مئات الآلاف من المسلمين وضياع آلاف الملايين من ثروات وذخائر البلدين تقع على كاهلكم، فمن هو المسؤول عن دماء المسلمين؟ وأما في مورد الأسئلة الأخرى مع أننا أشرنا في الإعلاميات السابقة إليها بالتفصيل، فإنني أشير إلى خلاصة منها، إذا كان المراد من الولاية المبسوطة والواسعة التي ثبتت للرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم توجد بنفس التوسعة للفقيه على القطع، خطأ بلا تردد، لأن الفقيه مهما كان عالما وتقيًّا وربانيًّا فإنه بالطبع يقع تحت تأثير السهو والنسيان والعوامل النفسية الأخرى ويمكن أن يقوم بعمل لم يكن فيه ملحوظا صلاح المسلمين والإسلام ويكون في ضرر الإسلام والمسلمين.
لذلك فإن الرب الحكيم الرحيم لم يجعل للفقيه ولاية على هذا الشكل، و بفرض المُحال وإن كان للفقيه ولاية، فإنها يجب أن تكون على سياق سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم مع وجود ولاية مطلقة كهذه التي يصرح بها القرآن الكريم، وهي الثابتة لحضرته صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يعمل بهذه الولاية أبدا، نعم يعتقد البعض من العلماء أنه صلى الله عليه وسلم عمل بها في مورد واحد واثنين وهو مع مقدمات خاصة، وهذا أيضا في محل تردد وهو في جميع الموارد اللازمة يأخذ الإجازة من أفراد ذوي نفع لا أن يعمل و يتصرف بدليل تلك الولاية في أموال وأمور المسلمين ويتعدَّى على شؤونهم، أين هذا والمصادرات المتتالية وغصب أموال الناس وأخذ النقود من الخَلْقِ وتغيير الأحكام والأصول المسلمة الإسلامية وتجويز هذه الأمور ليس له مبرر أعاذنا الله من شر أنفسنا!!
أما السؤال عمَّا إذا كانت الحكومة الإسلامية بعهدة الفقيه أم لا؟ في نظري أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل ويخلق الحكومة للفقيه لأن إعطاء حق تشكيل الحكومة لمن يكون مُعرَّضا للخطأ والسهو بعيد عن الخالق بل محال، يجب أولًا معرفة أن الفقيه من الممكن أن يصدر حكما خلافا لأمر الله سهوا لا عمدا وبالطبع فإن طاعة حكم كهذا غير جائزة وثانيا في كل عصر و زمان يوجد فقهاء معاصرون ونظرياتهم الفقهية لم تطبق، وإذا كان من المقرر أن أي فقيه موظف بتشكيل الحكومة ويجب على الناس اتباعه فبالطبع أن هذا الوضع ليس فقط لم يكن سببا النظم الاجتماع الإسلامي، بل إنه يكون سببا للهَرج والمَرج في عالم الإسلام، فمثلا إذا أخذنا نظرية فقيه من الفقهاء يجب عمل موضوع لصلاح المسلمين ومفيد للإسلام في نظر فقيه ثان، وهذا مضِرٌّ جدًّا وإجراء كهذا حرام ويجب سد طريقه، ومن الممكن أن ينظر فقيه ثالث بخلاف كليهما ويقول يجب منع إجراء الحكمين، وكذلك في نظر الفقهاء الآخرين مثلا من وجهة نظري فإن الفتوى بولاية الفقيه بالتوسعة والعمل عليها مُضر بالإسلام وفرية وعيب أو لكمة على جبين الإسلام اللطيفة المنورة وهم يقولون إنها جائزة ولازمة ونافعة ويعملون بها.
وكذلك دوام الحرب في نظري في الوقت الراهن شيء مضر بالإسلام وجامعة المسلمين ونافعة للأجانب ومن المحرمات القطعية ولكنهم يقولون إنها جائزة ولازمة وواجبة وكذلك من وجهة نظرنا جعل الله مكة المكرمة أمنًا لجميع الناس في كل زمان ليس فقط للإنسان، بل لجميع الحيوانات هناك وكذلك للأشجار والنباتات وقطعها حرام واحترام تلك الأماكن المقدسة واجب على الجميع لذا يجب علينا بقدر الإمكان حفظ أمن هذا المكان المقدس والكف عن الأعمال المحركة وإعطاء الشعارات الحسية فيها، ولكنهم يقولون إن ذلك يجوز ولازم وضروري، وكذلك في الشريعة الإسلامية تصور الجريمة بالخيال والعزم عليها بدون ارتكابها ليس لها مجازاة الإعدام، ولكنهم يقولون مجازاة هذه الفئة إعدام بل وفي بعض الموارد حدّ لا أقل لمجازاتهم من الإعدام، و يعملون طبقا لهذه العقائد وفي اعتقادنا كثير من الإعدام والمصادرة، والمجازاة، والضرب بالسوط وهتك الحُرمة التي عملوا بها لم يكن كل ذلك على الموازين الشرعية، والأعمال التي عملوها بخلاف الشرع لا نقدر أن نسميها الحد الشرعي أو التعزير، وبعض هذه الأعمال ليس لها مجازاة أبدا من أساسها، أو مجازاة لم تكن طبقا للموازين الشرعية بناء على هذا.
وكما قلنا إن نظريات الفقهاء تختلف ولا يجوز حسب الشرع أن نجعل حاكما واحدا على الآخر بصورة قطعية لأنه إذا جعلنا هذا المنصب -على حد قولهم- لكل فقيه وأحكامه له ولأتباعه حجة، وبهذا الدليل جعل منصب حكومة ولاية الفقيه على العامة كما تظهر في مفهوم علل الشرائع المعروف أن العنوان الكلِّي لولاية الفقيه التي لها تعاريف كثيرة لم يُجعل -بضم الياء- له وربما كان لحفظ هذه القاعدة أهم من جميع هذه الدلائل في نظري نقطة اجتماعية إنسانية والتي يقول فيها ربنا الجليل في القرآن المجيد ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾...إلخ (العَلَق:6).
إنه شرح لطبيعة الإنسان وعجينته وعرفه بأحسن وجه، حينما رأى الانسان في نفسه مستغنيا يبدأ بالطغيان وهذه المسألة نماذجها وأمثالها كثيرة، ولكن لا توجد هذه الخصيصة في وجود المعصومين، فأما الفقيه الذي يكون معرضا للسهو والنسيان والخطأ والعوامل الداخلية والخارجية مؤثرة فيه ليس بمعصوم، فبحسب الطبع الفِطري البشري كما ذكره القرآن المجيد (ليطغى) ولو كان الفقيه عادلا ومتدينًا جِدًّا والديانة والعدالة تمنعانه أن يرتكب المخالفة عمدًا ولكنه يرتكبه سهوا، ومن الممكن أن يرتكب مخالفات كثيرة بالسهو والنسيان وتكون أعماله خلافًا لما أمر الله، ومصلحة عامة المسلمين وبلدان الإسلام ويمكن أن تؤول أعماله إلى نفع الكفار والأجانب، فمن البديهي أن الشريعة الإسلامية المنورة منزهة عن ذلك، فأن يعطي الحُكم لأحد دون قيد أو شرط محسوس وملموس، و يعلن نفسه حاكما بلا منازع على المسلمين، وأنه مطاع على الإطلاق، فإنني لا أقبل بأي نحو من الأنحاء هذا الهتك والإهانة ولا أحكم بصحة أية ديكتاتورية في العالم).
وفي الختام، إذا أردنا أن نبين الإشكالات الشرعية والقانونية والعقلية التي توجد في هذا الحكم، فإننا نحتاج إلى فرصة كبيرة ومفصلة فإنا في البيانات والإعلاميات والمصاحبات الصحفية وفي السابق طرحت الأقسام الأساسية من الانتقادات والإشكالات بتمام الصراحة، ولذا نظرا للامتناع من الإطناب في هذه المقالة اكتفي فقط بذكر المسائل الضرورية واللازم ذكرها في كل مكان.
انتهى
عن جريدة كيهان الفارسية - لندن ۲۱ آبان
١٣٦٦ هـ ش .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل