الثلاثاء 01-أكتوبر-1985
إن الرجولة صفة
قل أن يفوز بها الكثير من الناس فهي خصيصة لنوعية معينة تتصف بمواصفات معينة يصدق
فيها قول أبي الطيب المتنبي:
لولا المشقة ساد
الناس كلهمو *** الجود يفقر والإقدام قتال
ومن هنا جاء في
القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا
اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ
وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (سورة الأحزاب:23) وقوله تعالى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ
اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا
بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ (سورة النور: 36). وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى
الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ﴾ (سورة يس:20). وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ
مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ (سورة غافر:28). وقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ
قَوَّامُونَ﴾ (سورة النساء:34).
والآيات في هذا
الباب كثيرة كلها تتحدث عن المواطن التي تبرز فيها معادن الرجولة وتنتصب فيها
قامات الرجال وتشرئب فيها أعناق الناس متطلعة إلى هذه المعادن النفيسة والنماذج
الكريمة من الرجال المؤمنين الصادقين.
والأخ الكريم
«كمال القزاز» رجل عرفته منذ أكثر من ثلاثين عامًا حيث هاجر من مصر فارًا بدينه
سنة ١٩٥٤م وأقام بالكويت يعمل في النجارة وهي المهنة التي حذقها في مصر، حيث أنشأ
معملًا للنجارة بالكويت كان قمة في جودة الصناعة وصدق المعاملة التي استقطبت
الزبائن وتفوقت على مستوردات الغرب ونافستها.
لقد كان الأخ القزاز- رحمه الله- من الرواد
الأوائل من شباب الحركة الإسلامية الذين سعدوا بلقاء الإمام الشهيد حسن البنا
وتتلمذوا على يديه وكان من الصفوة المختارة التي عاهدت على نصرة هذا الدين وإعلاء
كلمته وبذل كل مرتخص وغال في الذود عن حمى الإسلام والمسلمين بالتصدي لليهود
بفلسطين وللإنجليز في قنال السويس والوقوف أمام الطغاة المتسلطين على البلاد
والعباد، ومقارعتهم بكل شجاعة ورجولة، فكان نصيبه كغيره من طلائع المجاهدين
العاملين السجن والاعتقال والمطاردة فلم يثنه كل ذلك عن الاستمرار في الجهاد
والجلاد والصبر والمصابرة حيثما كان سواء في مصر أو الكويت أم الأردن أو لبنان.
لقد كان رحمه الله يتميز بالصدق في القول
والصراحة في الحق، والعمق في التفكير والنضج في التخطيط والكتمان للسر، والتضحية
بالمال والنفس والإصرار على تحقيق الهدف، والبعد عن المظاهر، والسبق في مواطن
الخير، والقدرة الفائقة على الإقناع، حتى تأثر به كل من عرفه عن قرب و احترمه
وأكبر مواقفه لقلة كلامه وكثرة عمله، كما كان عزيز النفس كريم الخلق لا يقبل ضيمًا
ولا يخضع لجور، يتعالى أمام المتجبرين ويذل أمام المؤمنين، ويزن من معه بموازين
الرجولة دون النظر إلى جاه أو منصب أو مال، ومن هنا لم تبطره النعمة التي حصل
عليها بكفاحه وكد يمينه، بل كان ينفق منها بسخاء منقطع النظير في وجوه الخير
وميادين الجهاد وطرق البر دون أن يعلم بذلك أقرب المُقربين إليه.
إن معرفتي بالأخ
القزاز- رحمه الله- علمتني منه الكثير رغم أنه لم يتخرج من جامعة ولم يتصدر
المنابر، لأن أخلاقه النبيلة ورجولته الصلبة في المواقف الحاسمة، وثباته في مواجهة
الباطل، وإصراره على تحدي الظلم، وثقته بمستقبل الإسلام، جعلته من القلائل الذين
يجود بهم زماننا الذي شاع فيه التراخي والتواكل وعدم التميز في المواقف وحسم
الأمور.
كان يحدثني
كثيرًا عن زميله وشقيق روحه المهندس سيد فايز- رحمه الله- ويثني عليه ويذكره
بالخير، كما كان يكثر من ذكر الشهيد صلاح حسن رفيقه في الجهاد، وكان يرفض الحديث
عن إخوانه بسوء رغم هفوات البعض منهم، ولكنه يواجههم ويقول ما يعتقد بأنه الحق دون
مواربة، وكان يكرر المطالبة بالتزام منهج الإمام البنا في التربية والإعداد،
والجهاد والدعوة، ويرى الخروج عن هذا المنهج خروجًا عن الجماعة ونظامها ومفاهيمها،
لأن هذه التعاليم والمناهج المبنية على الكتاب والسنة ومنهج أهل السنة والجماعة من
سلف الأمة.
رحم الله أبا
طارق رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته وغفر الله لنا وله وللمسلمين جميعا وإنا لله
وإنا إليه راجعون.