العنوان رحلة التغيير «أخيرة» الحج ثمرات طيبة
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 26-نوفمبر-2011
مشاهدات 57
نشر في العدد 1978
نشر في الصفحة 50
السبت 26-نوفمبر-2011
- لم يستطيعوا ارتداء المخيط من ثيابهم النفيسة التي ألفوها ولا يمس أحدهم طيبًا أو بخورًا ولا يحلق شعره أو يقص أظافره.. فللإحرام محظوراته على الأمير والمأمور
- رحلة تربي الفرد والجماعة.. يعيش الحاج فيها حالة واضحة من التقشف في مطعمه والخشونة في ملبسه والبساطة في مظهره والرضا بقليل النوم
يا لها من رحلة تربي الفرد والجماعة، يعيش الحاج فيها حالة واضحة من التقشف في مطعمه والخشونة في ملبسه والبساطة في مظهره والرضا بقليل النوم، ومهما كانت درجة حجه المادية، حج الخمس نجوم أو أكثر أو أقل فهم في تقشف وان طعموا في اليوم مرات، وإن ناموا على الأسرة بأفخم الفنادق فإنها رحلة الصبر والتحمل، وهي للمرأة جهاد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
إنهم لا يستطيعون أن يلبسوا مخيطًا من ثيابهم النفيسة التي ألفوها، ولا يمس أحدهم طيبًا أو بخورًا، ولا يحلق شعره أو يقص أظافره فعليهم جميعًا ارتداء ملابس الإحرام وللإحرام محظوراته على الأمير والمأمور، والغني والفقير والأبيض والأسود، وعلى العربي والأعجمي فالكل سواسية، أضف إلى ذلك ضرورة الصبر على الإخوان وعلى شدة الزحام عند أداء المناسك وهم من يملكون السيارات الفاخرة لكنهم يطوفون ويسعون على الأقدام.. إنها رحلة الزهد في متاع الدنيا وزينتها، والتخلي عنها حينا من الزمن طاعة لله وحبًا وتأدبًا كما أن للنساء نصيبًا أيضًا من ذلك الخير، فها هن وقد كشفن عن وجوههن بلا إغراء أو فتنة إنهن بلا زينة ولا «ماكياج بل على طبيعتهن، وها هي ملابسهن واسعة فضفاضة لا إثارة فيها، وهذا هو المطلوب شرعًا من كل مسلمة إذا خرجت من بيتها للحج أو لغير الحج، وهذه الحشمة تدعوك وتساعدك على أن تغض بصرك.
تمنى لو كان هذا هو سمت النساء جميعًا بعد حجهن، فهناك من تترك الزينة وتغطي شعرها فقط لأنها تحج، دعا الله أن يثبت أخواته الحاجات على ارتداء حجابهن الشرعي بعد الحج، وأن يسرن في قافلة التغيير، فالزينة الحقيقية زينة القلب والنفس بالإيمان والتقوى وقد جاء الجميع من أجل تحقيقها، وأيقن في قرارة نفسه أن الإنسان قادر على التخلي عن بعض شهواته إذا تطلب الأمر ذلك، بل يجب عليه أن يعود نفسه ألا تأخذها الدعة والراحة طيلة وقته، فلا ترى أحدًا غيرها، ولا تحسن الإحساس بآلام البؤساء والفقراء والمساكين وآهات اليتامى والثكالى والأرامل.
وقد أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، من أزهد الناس؟ فقال: «من لم ينس القبر والبلى، وترك أفضل زينة الدنيا، وآثر ما يبقى على ما يفنى، ولم يعد غدًا من أيامه وعد نفسه من الموتى «ابن رجب جامع العلوم والحكم»، ومن المشهور على الألسنة: «اخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم».
إنها حالة من التقشف والزهد العام الذي ننشده بعض الوقت في مجتمعاتنا الإسلامية لنطعم الجائع فيها، ونكسو العاري ونشعر بهم ونتخلق بخلق الزهد.
إلى الاقتصاد
تلفت بنظره يمنة ويسرة فرأى بعضًا من إخوانه الحجاج وهم يفترشون الأرض ويتناولون الطعام ويتقاسمونه بينهم، وبعضهم ينتظر الوجبات التي تقدم لهم ضيافة من خدام بيت الله، وهو معهم ينتظر، تذكر كيف كان لا يأكل إلا ما لذ وطاب، وكيف كان يكلف زوجته بإعداد الأصناف المتنوعة منه، ويغضب إن نقص منها شيء، وشعر بضرورة تغيير تلك العادة.
نعم.. فمن العادات التي تحتاج منا إلى تغيير طريقة تعاملنا مع الطعام ومع نعم الله التي ألفناها، فالإسراف في تناول الطعام وتنوعه، بل وإلقاء ما تبقى منه في سلة المهملات أمر يحتاج إلى تغيير، فإذا استطاع الحاج أن يغير طعامه كما ونوعًا أثناء حجه فقد يستطيع أن يغير ويتغير فيها بعده، وكما استطاع الصبر عن ملذات الطعام الشهي التي اعتادها فإنه يستطيع أن يقننها ويقتصد فيها.. وقد قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قوَامًا﴾ (الفرقان: 67)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا، في غير إسراف ولا مخيلة «أحمد، وصححه السيوطي».
قال الغزالي: هذا الحديث نبه به على أنه ينبغي للإنسان ألا ينهمك في الشهوات، فيكفي إسرافًا أن يأكل كل ما يشتهيه ويفعل كل ما يهواه فلا يعطي نفسه شهوتين دفعة واحدة فتقوى عليه، وقد أدب عمر ولده عبدالله إذ دخل عليه فوجده يأكل لحمًا مأدومًا بسمن فعلاه بالدرة وقال: لا أم لك، كل يوما هذا ويومًا هذا. «فيض القدير، شرح الجامع الصغير، موقع المحدث».
إلى حفظ الوقت وترتيبه
جلس يذكر الله تعالى في سره تارة وفي الجهر تارة أخرى فهو الآن منقطع للعبادة، وها هم إخوانه في رحلته يجلسون يذكرون الله تعالى شعثًا غبرًا لا يضيعون لحظة من لحظاتهم الثمينة التي قد لا تتكرر، تذكر أيامًا مضت وساعات انقضت وأعمالًا سطرت، وأيقن أنه لا بد من التغيير فما يفعله بعضنا من تضييع وقته الذي هو عمره وحياته في اللهو واللغو والقيل والقال، ويمتد هذا الخطأ فيسافر معنا فلا يتورع بعض الحجاج من إضاعته، مع أن مناسك الحج تعلمنا كيف نحافظ على الوقت ونديره، فمن فاته عرفة مثلًا فاته الحج كله، وليس له أن يقف بعرفة يومًا آخر غيره، وهكذا الحال مع بقية الأركان وإلا كانت العبادة باطلة غير مقبولة.
ومن هنا، فإنه لا بد وأن نغير من طريقة إدارة أوقاتنا ونرتبها ونحسن تقسيمها ولا نخلط بين وقت وآخر، ونملؤها بما ينفعنا في الدنيا والآخرة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك «صححه الألباني» كما أن علينا وعلى كل حاج اغتنام كل لحظة في هذه الأيام المباركات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء «صحيح أبي داود». وقال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام «متفق عليه».
كيوم ولدته أمه
لقد حج واعتمر، أحرم وطاف وسعى ذكر الله وكبر ودعا، بات بمنى ومزدلفة، ووقف بعرفة رمى وحلق ونحر، وبعد أن انتهى من أداء نسكه بدأ يعد العدة للرحيل.. إلى رحلة العودة إلى أرض الوطن. أحس أنه إنسان آخر غير الذي أتى.
وجاءته البشارة.. إنها بشارة له ولكل من حج.. على لسان النبي صلى الله عليه وسلم: «من حج لله، فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه، «رواه البخاري».
بعد عودته إلى أهله، ومع صدقه وإخلاصه في هذه الرحلة شعر أنه ولد من جديد، رجع بذاكرته قليلًا حيث بيت الله الحرام، كم ذرف من الدموع نادمًا تائبًا، راجيًا مخبتا عسى أن يكلل ذلك بالقبول، وأحس ببوادر التغيير تسري في عروقه وتخترق شغاف نفسه وتؤثر في سلوكه.. نعم أيها الحاج، لقد ولدت من جديد فأبشر، ومع البشارة تكون النذارة فاحذر أن تكون بعد الحج كما كنت قبله.
لقد شعر أن عليه أن يغير من عاداته السلبية التي يهواها وأن يتخلص من الثقافات الضارة التي ألفها، لقد سولت له نفسه الأمارة بالسوء أن يصحب معه سيجارته ويحمل الشيشة الخاصة به في حقيبته، لكنه انتصر عليها، تذكر حين كان ينفث دخان سيجارته فيتحول المكان من حوله إلى ضباب غير عابئ بمن حوله، وتذكر كم هو ضعيف أمام إغرائها رغم أضرارها، يدخن غير مكترث بما يسببه الدخان من موت بطيء له ولهؤلاء الضحايا الذين يجبرهم على تنفس دخانه وشعر لأول وهلة أنه قاتل بالخطأ ومتسبب لآلام كثير منهم بما يسببه التدخين السلبي لهم من أمراض قد تظهر على المدى القريب أو البعيد، نوى في قرارة نفسه ألا ينتكس بعودته إلى التدخين وقرر أن يتخلص من الشيشة التي يقتنيها ورفض أن تستعبده تلك اللفافة مرة أخرى فقد ولد من جديد طاهرًا نقيًا بهذه الحجة المباركة.
تنفس نفسًا نقيًا برائحة عطور التسابيح الصادقة حبا لله، وبنكهة الدعوات البارة تسأله الثبات، وأتبع كل ذلك بالاستغفار.
ثمرات طيبات
لقد تعلم هذا الحاج بعد حجه كثيرًا، وظهرت عليه علامات القبول، فصار مداومًا على حضور الدورات الفقهية والدروس العلمية وصار أكثر اجتهادًا وأشد عزمًا جعل له يومًا في الأسبوع يغير من عادته في الطعام، أو يصوم ويتصدق بقيمته صار أقل تعلقًا بزينة الدنيا وأكثر تواضعًا في ملبسه ومشيته، وأحسن خلقًا وبرًا مع أهله وزوجته والناس من حوله.. اتخذ أصدقاء صالحين يشاورهم ويستعين بهم في الخير ويسعى معهم في قضاء حاجة إخوانه لم يفارق الدفتر الصغير جيبه، فقد بدأ يدون فيه أعمال اليوم والليلة المطلوبة منه وما له وما عليه صار يزور المقابر كثيرًا حتى تذكره بالآخرة، ويتذكر فيها ملابس إحرامه يحاسب نفسه ولا يسوّف في أداء واجباته، بل كلما تذكر حقيبة سفره لرحلة الحج أصبح أكثر استعدادًا لسفره الطويل في رحلته الأخيرة إلى الله رب العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل