; رحلة التغيير (۳) إلى العادات الحسنة | مجلة المجتمع

العنوان رحلة التغيير (۳) إلى العادات الحسنة

الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 19-نوفمبر-2011

مشاهدات 57

نشر في العدد 1977

نشر في الصفحة 52

السبت 19-نوفمبر-2011

لبيك اللهم لبيك

● مدرسة تربوية يتخرج منها الحاج بثمرات ونتائج طيبة .. ومن ثماره اليانعة تغيير بعض العادات السلبية

● منظر الحجاج الشعث الغبر يوحي بأنهم تخلوا عن زينة الحياة الدنيا وبأنهم جاؤوا لما هو أسمى وأغلى

ها هو قد عاد بعد أداء فريضة الحج هذا الموسم المبارك، وكان قد استعد لها استعدادا طيبا، فقد حضر دورة فقهية يومية ولمدة أسبوعين تعلم فيها كيف يؤدي المناسك، وماذا عليه أن يفعل قبل هذه الرحلة وأثناءها ، وكذلك بعد الانتهاء من أدائها، فالعلم قبل العمل.

فإلى يوميات تلك الرحلة المباركة بدأ يكتب ويدون في دفتر صغير بعض ما سيحتاج إليه في تلك الرحلة، إنها رحلة العمر كما يقولون، لذا فإنه حائر ويفكر فيها كثيراً، ويسأل إخوانه الذين سبقوه في أدائها ماذا أعدوا لها ؟ ويستشيرهم ويأخذ بنصائحهم.

ها هو يعد ملابس الإحرام التي سيرتديها في حجته، لقد سارع واشتراها بنفسه، إنه فرح بها رغم أنها بيضاء لا نقش فيها ولا لون، وليست كبقية ملابس الناس من حوله بل إنها تختلف اختلافاً كبيراً، وهي لا تشبه شيئا غير الكفن الذي يتذكره عندما ينظر إليها .. فكلاهما يلبس في رحلة القدوم على الله عز وجل.

الأيام تمضي .. اليوم وراء أخيه، وها هي اللحظات التي ينتظرها في طريقها إليه، ومازال يعدّ العدّة لهذا السفر المبارك، ويجد في عزمه ليحزم حقائبه، نظر في دفتره ليرى هل نسي شيئاً مما كتب فيه، ورفع يده إلى جيب سترته ليأخذ منه القلم فلامست أصابعه علبة الدخان السجائر التي تقبع وتتربع فيه، وحاور نفسه بشأنها أيمسكها عن رحلته أم يدسها في حقيبته .. نظر إليها مرات ومرات وحاول أن يملأ نظره منها ويده تتردد؛ لكنه في النهاية انتصر وألقى بها مستعيذا بالله مستغفرا إياه.

● مع نفسه اللوامة

أرجع البصر في دفتره كرة بعد كرة ليراها وهي راقدة على أرض سطوره وكانها تنظر إليه وتتحداه يا لها من مزعجة تؤرق نوم النائم وتضج مضجعه، إنها حقا هم بالليل ومذلة بالنهار ديون وحقوق لأصحابه وجيرانه وأهله وإخوانه كبيرة مهما صغرت وثقيلة وإن قلت، فلو كان دفتره من حديد لما استطاع حمله لثقلها نظر إليها ونفسه توسوس إليه تأمره بالتسويف حتى يرجع من رحلته وينتهي من أداء فريضته، إلا أن نفسه كما هي أمارة بالسوء فهي والحمد لله لوامة أيضا، حيث وبحته على طول أمله ولامت فيه شدة حرصه، وصرخت في أذنيه إلى متى تسوف أيها المغرور وتخدعك المهلة؟ ألا يجدر بك أن تذهب إلى ربك وأنت عفيف اليد خفيف الحمل لا حق عليك لأحد؟ ألا يليق بك أن تقابله بعد أن وضعت أحمالك نظيفا قلبك لا ضغن فيه ولا كره ولا حقد ولا حسد، حتى يتسع بعد لتلقي الدواء ويؤهل الحصول الشفاء؟

قرر أن يقضي دينه ما استطاع، كي لا يكون في عنقه ما يحبسه، وأن يعتذر من خلانه ومن لهم حق عنده كي لا يحمل ضغينة تصده عن ولوج الباب، فقد يكون هذا آخر عهده بهم ثم استرجع على سابق غروره بالفرصة بعد أن صاحت فيه نفسه اللوامة أن تنبه وانتبه ... فأيقن أنه مقصر .

● إلى التفكر

لقد ذهب إلى حجه وهو يلبي.. رافعاً صوته بالتلبية.. لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.

والحج مدرسة تربوية يتخرج منها الحاج بثمرات ونتائج طيبة، وعلى قدر علمه وجده وإخلاصه في أداء هذه الفريضة تكون الثمرة ومن هذه الثمار اليانعة ثمرة تغيير بعض العادات السلبية التي اعتادها ودرج عليها .

كانت هذه أول مرة له يذهب إلى الحج. كان مضطربا حينما ودع أهله وأولاده، لكنه الآن يشعر بسكينة لا عهد له بها ولأول مرة يدخل المسجد الحرام، ولأول مرة أيضا يتذوق معنى الآية الكريمة التي يقرؤها ويرددها ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (آل عمران: ۹۷).. إنه يعيش هذا الأمان العجيب الذي ملأ قلبه، ولم لا وهو الآن ضيف في بيت الله، وفي معية ربه عز وجل الكريم ملك الملوك سبحانه وتعالى؟ سرت قشعريرة في جسده وكل أوصاله، وحمد الله ودعاه ألا يحرمه القبول والعفو والغفران وأن يتفضل عليه بفيض عطائه.

ومع جموع الحجيج واختلاف ألوانهم وأجناسهم وألسنتهم عاش رحلته في نوع من التفكر لا عهد له به حيث خرج من تفكره بدروس وعبر كان في أشد الحاجة إليها، ولم يكن يدرك ذلك في زحمة الحياة لولا أن من الله تعالى عليه بهذه الرحلة المباركة.

أحس أن هناك نورا يحيط به ويلفه، وأن طاقة عجيبة حلت في قلبه، نظر هنا وهناك متفكرا وهو لا يملك مشاعره.. ها هم إخوانه جميعا من المسلمين من شتى البقاع قد خلعوا ملابس الترف واستبدلوها بملابس الإحرام البيضاء النقية .. تمنى أن يكون قلبه نقيا مثلها . إنه الآن واحد منهم لا يتميز عنهم ولا يتميزون عنه فقد جاؤوا جميعا إلى بقعة واحدة بزي واحد يؤدون فريضة واحدة ويقصدون بيتا واحداً ويجتمعون لهدف واحد ويدعون ربا واحدا، وفي هذه الأجواء النقية كان يعيش لحظات من الصدق الصادق والمحاسبة الصحيحة ولسان حاله يقول: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (طه: 84).

أحس بالحب يربطه بكل هؤلاء، وأنه منهم وهم منه، نسيج واحد، وقلب واحد، وتعجب كيف يتعالى إنسان على إنسان مثله ويحقره وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم : «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم (رواه مسلم)، وكيف يتعامل بعض الناس بازدراء مع من دونهم في المستوى المادي أو الوظيفي أو الاجتماعي، كالخدم والضعفاء والبسطاء؟ بل وكيف يجرؤ على ظلمهم أحيانا؟ وما أقسى الشعور بالدونية وما أشد مرارة طعم الظلم لمن يطعمه، وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم : إن إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم رواه البخاري، فاستعاذ بالله من الظلم ونوى ألا يحقر مسلما أبداً.

تربية عالية .. لا رفت.. لا فسوق .. لا جدال.. رأى إخوانه وأصدقاءه من الحجاج شعثا غبرا يوحي منظرهم بأنهم تخلوا عن زينة الحياة الدنيا ، وينبئ حالهم بأنهم هنا طلبا لما هو أسمى وأغلى وأعز وأعلى، إن وجوههم تنطق بأنهم في حالة من التقشف والزهد العام رغم امتلاكهم المال الذي يستطيعون أن يشتروا به أفضل الثياب ليلبسوها ويجلبوا به خير العطور وألذ الطعام، بل إن كثيرا منهم الآن معهم الزوجات لكنهم لا يقربوهن، فالجميع في شغل شاغل عن كل هذا، والله تعالى يقول لهم : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ (البقرة: 197 )، وعن ابن عباس: الرفث غشيان النساء والقبلة والغمز، وإن تعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك، والفسوق المعاصي، أما الجدال فقال ابن عمر رضي الله عنهما: الجدال في الحج السباب والمراء والخصومات. (تفسير ابن كثير).

لقد حاول هو وإخوانه أن يجتنبوا كل هذا . فلا رفت، ولا فسوق، ولا جدال، فهم يطلبون غفرانا ورحمة، وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم: من قضى نسكه وسلم المسلمون من لسانه ويده غفر له ما تقدم من ذنبه السيوطي، الجامع الصغير إنها تربية عالية في محراب الحج.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2111

110

الجمعة 01-سبتمبر-2017

فريضة الحج.. مقاصد وغايات

نشر في العدد 2111

132

الجمعة 01-سبتمبر-2017

الحج.. وحدة الهدف والغاية

نشر في العدد 43

112

الثلاثاء 12-يناير-1971

هذا الأسبوع (43)