; خمسة أيام حجًا | مجلة المجتمع

العنوان خمسة أيام حجًا

الكاتب منير شفيق

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-2001

مشاهدات 84

نشر في العدد 1438

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 13-فبراير-2001

رحلة الحج الأكبر خواطر وتأملات (۲)

  • شعرت وأنا في عرفة أن الحج قد بلغ ذروته أو ذروة من ذراه مثل جبل الرحمة الذي أصبح الوصول إليه صعب المنال

  • الحج مناسبة فريدة ليعيد المسلم فيه بناء علاقته بخالقه ويجدد إيمانه

  • ليس كمثل الحج تجربة عملية تشعرك بوحدة الأمة

  • تجد نفسك بين عدد من الأفراد لا تعرفهم.. وتسمع بعضهم يجهش بالبكاء فتختلج في نفسك حاجة إلى الاستغفار دون أن يشغلك خطأ معين أو معصية وإنما هو إحساس عام بأنك من الخاطئين

  • الشرك ينقض عليك بلغة القوة وليس بلغة العقل والفكر، لذلك وجبت البراءة منه

جاء اليوم الثامن من ذي الحجة وهو يوم التروية، فاحرمنا إحرام الحج من المبيت في مكة، ويقول الحاج في هذا المقام لبيك اللهم بحج أو إذا شاء نويت الحج وأحرمت به لله تعالى، ثم يصلي ركعتين. 

وتحركت الحملة باتجاه مني ونحن نلبي، وكان بانتظارنا خيمة مكيفة نظيفة، وقد لحق بنا الأكل واسترحنا إلى أن حانت صلاة الظهر، وبقينا في الخيمة حتى فجر اليوم التاسع من ذي الحجة وقد صلينا المغرب والعشاء كما الظهر والعصر في أوقاتها، قصرًا طبعًا عدا صلاة المغرب.

تجولت بين الخيام المجاورة وكان كل شيء على ما يرام من حيث حيد النظافة والتيسير، وعندما خرجت إلى الشارع لأتجول بين الحجيج وجدت من حولي خيامًا تضم مئات الألوف، وقد رفعت كل حملة شعارها وشعار بلدها، فكأنما هي القارات جمعت في مكان واحد، وتلمس الفروقات حين تنظر إلى الوجوه، ولكنك لا تراها مع لبس الإحرام الموحد، إنه العالم الحقيقي من حولك.

صلينا الفجر في مني، وقد أمضينا شطرًا من الليل في قراءة القرآن وفي سماع بعض العظات حول الحج، وشطرًا قليلًا للنوم وشطرًا للقيام ثم صلاة الفجر، والبعض أخذ «تعسيلة» أي نام قليلًا إلى أن طلعت الشمس صباح اليوم التاسع فتحركنا باتجاه عرفة وصلينا الظهر والعصر قصرًا وجمعًا «جمع تقديم» في نمرة، وأحسب أننا دخلنا خيمتنا في عرفة بعد الزوال فكانت خيمة مكيفة ولكن هذه المرة من خلال الحملة وليس تكييفًا مركزيًا كما كان الحال في خيام مني. وهذا امتياز أحسب أن قليلًا من الخيام في عرفة تمتعت بمثله.

في عرفات عظمة الإسلام وقوة الأمة

مكثنا في عرفة حتى غروب الشمس، وهذا ركن أساسي لا يصح الحج إذا لم تتقيد به، وكانت السويعات التي أمضيناها في عرفة كثيرة الدعاء والاستغفار.

شعرت وأنا في عرفة أن الحج قد بلغ ذروته أو ذروة من ذراه مثل جبل الرحمة الذي زرناه قبل التروية بيوم أو يومين، وقد أصبح الوصول إليه الآن بعيد المنال، ولا أذكر وأنا في عرفة أنني فكرت بغير الدعاء والاستغفار ولم أخرج من تلك الحالة إلا لبضع دقائق. 

المهم أن الوجود في عرفة يشعرك وكأنك امتلكت الحج، وقد قلت كلمة في إحدى الجلسات حرت فيها أأجعلها تعبيرًا عن مشاعر شخصية أم أطرح فكرة راودتني وكانت خلاصتها أنني حين رأيت الحجيج، خصوصًا هنا في عرفة شعرت بقوة الإسلام وعظمته وبقوة الأمة بالرغم مما تعاني من فرقة، ومما يبدو على السطح من ضعف.

وما إن حل الغروب حتى بدأت الإفاضة مع أكثر من مليونين ونصف المليون حاج إلى المزدلفة، ولكننا في هذه المرة، وقفنا في زحمة سير لم نستطع معها أن نصل المزدلفة قبل الحادية عشرة ليلًا، أي مكثنا في الطريق أكثر من ثلاث أو أربع ساعات، وهو -في العادة- يقطع في أقل من عشرين دقيقة، ولكن لم يكن ذلك الانتظار الطويل من أجل التحرك إلى المزدلفة صعبًا فالحافلة مكيفة، والتلبية تنعش، ومراقبة مئات أو آلاف المتنقلين على أقدامهم إلى المزدلفة تذهب بثقل الوقت جزئيًا، ولعلهم وصلوا قبلنا. أما مشهد الباصات أو الحافلات ومختلف وسائل النقل، خصوصًا تلك التي تعج بالركاب داخلها وبمن اعتلى صهوة سقفها فيخفف أيضًا، من طول الانتظار. فهؤلاء يحيونك مبتسمين لا تخفى سعادتهم. 

وأذكر أن حملتنا توجهت بعد أن جاز ترك المزدلفة ما بعد منتصف الليل إلى طواف الإفاضة قبل رمي الجمرة الكبرى «جمرة العقبة»، وقد رخص في التوكيل بالنسبة إلى ذبح الهدي حيث تم شراؤه وإجراء التوكيل قبل بدء الحج.

وبعد طواف الإفاضة عدنا إلى مني وبتنا فيها وتوجهنا إلى الجمرة الكبرى، ورمى كل منا سبع حصيات، ونحن نردد مع كل حصاة «بسم الله- الله أكبر» وكان الازدحام قد خف كثيرًا بسبب الرخصة التي أخذنا بها بالنسبة إلى تقديم الطواف على رمي جمرة العقبة، وقد استند عالمان في الحملة في ذلك على حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم  كان يسئل يوم النحر بمني فيقول لا حرج فسأله رجل زرت «يقصد طواف الإفاضة» قبل أن أرمي «فأومأ بيده» لا حرج، قال قبل أن أذبح «فأومأ بيده»، قال لا حرج. قال ذبحت قبل أن أرمي قال لا حرج. قال رميت بعدما أمسيت «بعد الزوال» فقال لا حرج. «رواه البخاري».

هنا يكون قد حل التحلل من الإحرام، إذا ما تم ذبح الهدي والرمي والحلق، وهو التحلل الأصغر، أما إذا كنت قد طفت طواف الإفاضة أيضًا فيكون التحلل الأكبر. ثم عدنا إلى مني لنبيت فيها أما في اليوم الحادي عشر -وكنا قد تحللنا من الإحرام وبعد صلاة الظهر- فقد تأخرنا حتى الساعة الرابعة تقريبًا حيث كان تقدير مسؤولي الحملة أن الفرج وسط الزحام ستكون أكثر في هذا الوقت. وبالفعل كان التقدير صحيحًا وإن سرنا مسافة طويلة من المكان الذي سمح فيه بتوقف الحافلة إلى مكان الجمرات وكانت الشمس لاهبة حتى في تلك الساعة.

وصلنا الجمرات وبدأنا الرمي «بالجمرة الصغرى»، ثم «الجمرة الوسطى» ثم «الجمرة الكبرى مرة أخرى». وكانت التسمية وكان التكبير مع كل حصاة رميت في صحن الجمرات الثلاث، وكان من التوفيق أننا استطعنا الاقتراب كثيرًا دون حاجة إلى تدافع، وجئنا كل واحدة من أسفلها حيث الازدحام أقل. وقد استطاعت الأخوات اللواتي معنا في الحملة الاقتراب ورمي الجمرات بأنفسهن، وأحسب أن هذا أسعدهن كثيرًا.

عدنا لنبيت في مني ليلة الثاني عشر، ثم عدنا في غد وقت الرمي لنرمي مرة أخرى كما فعلنا في اليوم السابق وبهذا نكون قد رمينا ٧+۲۱+۲۱=٤٩ حصاة أو حصية، ثم غادرنا مني قبل غروب الشمس، أما من لم يستطع ذلك لم يغادر مني قبل الغروب فعليه أن يبيت فيها ثم يذهب ويرمي بعد الزوال أي في رابع أيام العيد. 

يجب علي عند هذا الحد، أن أشير إلى أن كل خطأ يكون قد ورد في سرد الخطوات التي تبعناها أيام الحج يعود بالضرورة إلى ضعف ذاكرتي، أو إلى هفوة لم أتنبه إليها، وكان واجبًا لي أن أدون كل يوم بيومه. 

ولكني لم أكن أتوقع أنني سأكتب وأخوض التفاصيل. وقد تركت أمري في كل ما يتعلق بمناسك الحج ومن قبله العمرة إلى المشرفين على ذلك في الحملة ولي بهم، علماء وأصحاب خبرة طويلة، ثقة تامة.

وباختصار إن كان هنالك من خطأ فهو خطأ في النقل أو الرواية من عندي، ولن يكون خطأ ارتكبته الحملة.

عدنا إلى المبيت في مكة، واستعدت الأكثرية سفر إلى المدينة لزيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم  راحوا يطوفون طواف الوداع بعد صلاة الفجر أن مغادرة مكة ستكون بعد ساعتين أو ثلاث ساعات.

وهكذا بدأت رحلة العودة وأنا أحمل سعادة في قلبي لم أعرف مثلها قط ولن تنضب أبدًا، ولم يحز في نفسي غير التخلف لاضطراري عن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، والتسليم على الصحابة -رضي الله عنهم- في قبورهم. ولكنني مصمم إن شاء الله على أن أعود خصيصًا إلى المدينة المنورة التي عرفت أول نظام إسلامي كانت قاعدة الحماية والانطلاق وعاصمة الخلافة الراشدة، فيالها من مدينة سطرت في ربوعها أعظم صفحات التاريخ.

الحج في قلب المعركة

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن ابن لفيل: قال: إن رسول الله ﷺ قدم مكة فقال المشركون إن محمدًا وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال، وكانوا يحسدونه قال: فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  «أن يرملوا ثلاثًا يمشوا أربعًا» «رواه مسلم».

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: إنما معي رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالبيت وبين الصفا والمروة بري المشركين قوته. «البخاري».

لو عدنا إلى الصراع الذي دار بين المسلمين قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم  ومشركي قريش في العمرة الحج، وما صحب ذلك، فيما صحبه، من كشف فالمذراع الأيمن أو الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى في طواف العمرة، سنجد علاقة حية بين الأداء العبادي للحج والصراع السياسي والعسكري مع المشركين، فكشف الذراع والرمل عندما أمر بهما الرسول صلى الله عليه وسلم  حملًا -كما ذكر أعلاه- معنى إضافيًا هو إظهار قوة المسلمين وفتوتهم ليترك أثره النفسي في المشركين في حينه وفيما سيأتي من مواجهات، ربما عسكرية كما جاء ليرد على مزاعمهم بأن المسلمين ضعفاء أو على وهن. 

وإذا تأملنا نداء التلبية: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، فستجد تأكيدًا على التوحيد وبراءة من الشرك، ثم إذا تأملت في التأكيد على ترداد هذه التلبية من الإحرام حتى الوصول إلى الطواف، وبصورة جماعية، وبصوت فيه إيقاع يسر قلوب مردديه وسامعيه من المؤمنين ويبعث نوعًا من الرهبة أو يرسل رسالة للمشركين الذين تحوطوا المسلمين يرقبونهم، ويحاولون إخافتهم أو الشغب عليهم فستدرك معنى لهذه التلبية يتعدى تأكيد التوحيد ورفض الشرك في قلوب المعتمرين أو الحجاج ليأخذ شكل التحدي في مواجهة عقدية وسياسية وعسكرية، فياله من مشهد جهادي: الرسول صلى الله عليه وسلم  ومن معه يهدرون ملبين معلنين التوحيد متبرئين من الشرك، ثم تراهم في الطواف والسعي يرملون فتسأل بماذا كان يفكر سراة قريش بتلك اللحظة؟ 

وعندما أصبح ذلك سنة فهذا يعني تجاوز بعده الظرفي والآني، ليظل حمالًا لتلك المعاني أبد الدهر، لأن معركة الإسلام مع الشرك والكفر مستمرة كذلك. 

وهذا ما يجعل الحج فريضة عبادة، أولًا وقبل كل شيء، وطاعة لله واستغراقًا في عقيدة التوحيد، وتجديدًا لها في النفوس والقلوب، وتثبيتًا لها في العقول، كما يبقيه مشددًا على معنى البراءة من الشرك والكفر، وهذان يتجددان عصرًا بعد عصر ويغيران اللون إلى آخر، ولا تنفذ معاني التحدي فيه مع كل حشد وتلبية ودعاء ومنسك. وإن هذه المعاني المتجددة تخدم في حالة التمكين والوحدة، إذ تعززهما وتحرسهما من خلال التواضع والابتعاد عن الكبرياء والغرور والظلم، وإن الأمر لكذلك في حالة الاستضعاف والفرقة، إذ توجب استعادة الإحساس بالعزة والقوة، وتحث على الثبات في الدين والعودة إلى الينبوع، ولهذا أصبح ما كان قد سن بسبب ظرفي وأني يتخطى الآني والظرفي والتاريخي مادًا الجسور بين الماضي والحاضر والمستقبل، فالإسلام يجعل ما كان ماضيًا معاصرًا أبدًا فيتجدد بروح جديدة وفقًا للزمان وأوضاع الأمة في حينه ولكنك تحار، وما ينبغي لك أن تحار، كيف تكون كل هذه المعاصرة مع كل ذلك الاستمساك بالقرآن والسنة، والحج هنا دليل لا يدحض على صحة ذلك.

الحج والمعاصرة

إنها ظاهرة تكذب أولئك الذين يفسرون الإسلام بغير الإسلام، أو يقيسونه على غيره من الأديان التي يعرفون، ثم تراهم يتعاملون مع الحج كما يتعاملون مع سائر الطقوس الدينية، أو مع أشكال من الحج مارستها وتمارسها شعوب أخرى، ثم تحولت إلى عادة تستمر بقوة التقليد وسطوة الأيديولوجيا، بينما ولى زمانها وذهب مسوغ وجودها ومنهجهم هنا، أو قل منطقهم -بسيط جدًا- «مادام الحج طقسًا دينيًا»، فمثله مثل باقي الطقوس الدينية بما في ذلك الوثنية، فتعالوا ندرس تلك الطقوس دراسة أنثروبولوجية أو تاريخية مقارنة ثم الذي نخرج به نطبقه على الحج في الإسلام، هكذا يفكرون ويظنون أنهم بهذا يستخدمون منهجًا علميًا، ولكن أي منهج علمي هو هذا الذي لا يدرس الشيء في حد ذاته أي لا يدرس الحج في الإسلام كما هو، وإنما من خلال نظائر وأشباه له يفترضونها، وهو نهج لا يستخدم إلا مع الإسلام، لأن النظائر الأخرى -نظائرهم- تدرس منفردة أولًا ثم يصار إلى القياس، أو ملاحظة ما هو مشترك ثانيًا فلماذا لا يدرس الحج في الإسلام أولًا، ثم يرى إن كان ثمة مقارنة مع نمط آخر من الحج بعد دراسته كذلك ولا سيما فيما يتعلق بوضعه الراهن وما آل إليه كل منهما.

إن منهج الكثيرين ممن يعتمدون على مدرسة المقارنة بين الأديان، أو مدرسة الاعتماد على الدراسات الأنثروبولوجية هو الإطلالة على الإسلام وشعائره من خلال ما توصلت إليه مدرسة «المقارنة بين الأديان»، والمقارنة تكون في الغالبية سطحية وتبسيطية وظالمة للإسلام، أو ما توصلت إليه دراسات الشعوب البدائية والأديان الوثنية وطقوسها.

لو تأمل هؤلاء بالحج في الإسلام وهو يمارس عمليًا من قبل ملايين المسلمين، وعامًا بعد عام لذهلوا كيف يمارس المسلمون الحج اليوم كما لو كان قد جاء تلبية لحاجة يحتاجون إليها في الحاضر، أو على الأصح فهم يمارسونه عبادة وليس تقليدًا أو عادة، ولم يصبح عندهم شيئًا من الماضي يحتفلون بذكراه بما يناسب أهواءهم في الحاضر لهوًا وقصفًا ولعبًا أو تتخذه كبريات بيوت المال والصناعة والتجارة عندهم مناسبة لترويج الاستهلاك وجني أقصى الأرباح. هذا دون أن تشمل مع هؤلاء عددًا من الطيبين الذين يتحركون إيمانًا واحتسابًا في أداء طقوسهم الدينية.

فهؤلاء سيذهلون إذ يرون ملايين المسلمين يمارسون الحج عبادة خالصة لله كما كان عليه أول مرة مارسه فيها المسلمون في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم  بل إنهم يسعون إليه، بأغلبيتهم، يتكبدون المشاق ويقومون بالتضحية بالكثير، فالبعض يصرف العمر وهو يوفر من المال ما يسمح له ولعجوزه بالحج وسيدهشون حين يرون الطلب على الحج يزيد على الملايين عامًا بعد عام، وقد توجب التقنين بأعلى درجات التشدد وتوجب إدخال فقه معاصر على بعض الشعائر حيث أمكن التيسير وذلك بسبب الازدحام المعاصر الذي راح يوجب التيسير هنا وهناك حتى يكون بالإمكان القيام بالشعائر من قبل حشود الملايين، أو بكلمة أخرى أن العصر الإسلامي الراهن هو الذي يهجم على الحج، وليس الحج هو الذي يفرض نفسه عليه بقوة الاستمرارية أو الدفع أو «تحجر الأيديولوجيا». كما هو الحال بالنسبة إلى ما تستنتجه مدرسة «الأديان المقارنة» أو مدرسة «الأنثروبولوجيا»، أو مدرسة «الماركسية» التي تطبق على الحج نظريتها حول استمرارية الأفكار والعادات والتقاليد بعد أن ولت مسوغاتها الطبقية أو المتعلقة بالأبنية التحتية- كما يزعمون.

نعم إننا أمام ظاهرة معاصرة ومستقبلية بقدر ماهي ظاهرة امتدت من زمن الإسلام الأول ألا انظر إلى المعاني المعاصرة التي يحملها الحج أو تحملها الأمة من خلاله إلى العالمين حين تحتشد الملايين الآتية من كل البلدان والقارات والناطقة بكل الألسن «إلا العبري»، والحاملة كل الألوان والفروقات الشكلية في الوجه من مختلف الأجناس، فتتماهى بعقيدة التوحيد وتتحرك كرجل واحد في وحدة كبرى بين المناسك وتعلن البراءة من الشرك والطاغوت وفي ذهنها ما تلقاه وتعرفه في عالمنا المعاصر من شرك وطاغوت، وهذه كلها من المعاني المعاصرة أو الرسائل المعاصرة التي يراد إيصالها لمن يلزم لو تمكن بعض من هؤلاء أن يصل إلى الحج -إن كان مسلمًا- ويتأمل جيدًا فيما يرى، سيعرف أن العصر الذي يعيش فيه، وهو عصر الأمة، وليس عصر الغرب، وسيدرك خطأ القول إلا عصر غير عصر الغرب، فإذا خرجنا من النظرة الضيقة لمفهوم العصر والمعاصرة والذي يحصرونه بميزان القوى والتقدم المادي أو تحررنا من المفهوم أحادي الجانب الذي يستبعد العالم كله لحساب من يشكلون أقل من ١٨٪ من العالم، على أحسن تقدير فسيجد الحج الذي يمارسه المسلمون اليوم ويحملونه كل المعاني المعاصرة، وهم يمارسونه على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم  ووفقًا لما تقتضيه شروط العبادة الخالصة ووقعا معاصرًا ومن أهم ظواهر عصرنا.

طلب المغفرة

وتجد نفسك بين عدد من الأفراد من حولك لا تعرفهم ولا تدري من أي أرض جاؤوا وتسمع بعضهم يجهش بالبكاء، وهو يطلب المغفرة والعفو والرحمة فتختلج في نفسك حاجة إلى طلب الاستغفار دون أن يشغلك خطأ معين ارتكبته أو معصية معينة اقترفتها، وإنما هو إحساس عام بأنك من البشر الخطائين وإنك بحاجة إلى الاستغفار وطلب العفو والرحمة من الله تبارك وتعالى في كل الأحوال، فهو وحده من يستطيع أن يمنح المغفرة ويعفو ويرحم، وهو أرحم الراحمين وهو العفو الغفور فتشعر بعد ذلك -أو في أثنائه- براحة نفسية ونوع من السكينة الداخلية، فالإسلام يولد فيك حساسية مرهفة إزاء الأخطاء والخطايا والمعاصي وكلما ازددت إيمانًا ازدادت تلك الحساسية والرهافة والشفافية، فإذا كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يدعو الله أن يخرجه منها «الخلافة- السلطة» لا له ولا عليه وهو الخليفة العادل. وكان هذا شأن الصحابة الراشدين. بل من يتأمل بأدعية الرسول ﷺ بالرغم من أنها استهدفت أن تكون أدعية للأمة وأسوة لها شأنها شأن السنة الشريفة كلها. فسيجدها تعبر كذلك عن حاجة إنسانية، حتى عند الأنبياء المعصومين إلى المغفرة والعفو والمرحمة فكيف هي حال المسلم ولا سيما الذي يعيش في عصرنا هذا، حيث تتحوطه كل الظروف التي تحرفه عن إسلامه، أو تدفعه دفعًا إلى ارتكاب الأخطاء وربما الخطايا والمعاصي وهو يعمل في تجارته، أو يمارس في السياسة، أو يتعامل مع زملائه في دائرة أو مصلحة أو يشاهد التلفاز، أو حتى وهو يجول في الطرقات. 

هنا تتدخل الأيام المعدودات في الحج لتذكر المسلم كيف يقوى على تلك الظروف، وكيف يتحصن نفسيًا، وكيف يعود من الحج وقد امتلك عزيمة على نهي النفس عن كل هوى يقود إلى الخطايا والمعاصي حتى لو لم يكن كذلك في مبتدئه، إن الحج مناسبة فريدة ليعيد المسلم فيه بناء علاقته بخالقه بعد أن شاب تلك العلاقة الكثير من الخلل بسبب ضغوط الحياة ترهيبًا وترغيبًا، وحرمانًا وترفًا، وقوة واستضعافًا، وما يمكن أن يتولد عن كل ذلك من انحراف أو مسالك وأفكار خاطئة. وهو مناسبة لكي يعمد من بعد إلى تصحيح علاقته بخالقه في الحج، بما تقتضيه عقيدة التوحيد، وقيم الإسلام ومنهجه وأخلاقه وأوامره ونواهيه، إلى إعادة بناء علاقته بالآخرين ممن له بهم علاقة مباشرة من الأقربين وإلى من يعمل معهم أو يتعامل وإياهم حتى الأبعدين، وتصحيح نظرته إلى الأمة وتضامنها ووحدتها ونهضتها.

ولا شك في أن مشاركته من حوله في بحث كل أمر يتعلق بالمناسك وبمعاني الحج يساعده بدوره على إعادة صياغة نفسه، فهو ليس وحيدًا بهذه المهمة الصعبة والجليلة ولا سيما في عصرنا الراهن، فالملايين من حوله تحس بشكل أو بآخر بما يحس، وتدخل بشكل أو بآخر التجربة نفسها، ولابد من أن تنزع إلى هذا الطموح، وإلا ما معنى هذا البكاء من حوله في الدعاء وطلب العفو والمغفرة والرحمة، وما معنى هذا التدافع على الحج وفي مناسك الحج من قبل الآلاف المؤلفة بل قل ملايين الملايين؟ 

ليس مثل الشعور بالوحدة، أو العزلة، طريقًا للضعف واليأس، وليس مثل كثرة الحديث عن السلبيات في أخلاق الناس أو في الأمة تسويغًا للسقوط في السلبيات، ولكن ليس مثل الشعور بأنك جزء من عملية كبرى تضم أغلب الأمة، تشجيعًا للفرد في أن يعيد صياغة ذاته، كما يوجبها الإسلام، وتسليحه بقوة العزيمة والثقة، وكل ذلك طبعًا يأتي بعد تصحيح علاقته بخالقه، وبعد توكله عليه واستمداد الثقة والقوة منه تبارك وتعالى، ولكن الشعور بانه جزء من ملايين الملايين ممن هم مثله يزيده قوة وثقة وعزيمة فما من أحد يستطيع أن يحارب الطاغوت بعضلاته حتى لو كان حزبًا، أو جيشًا، أو دولة وإنما بقوة الأمة، فلا تكفي البراءة من الشرك بالرغم من أهميتها وأولويتها، إن لم تتحول إلى قوة جبارة تمشي على الأرض، لأن الشرك لا يتركك تتبرأ منه وتعيش بسلام وأمان، وإنما ينقض عليك ويخاطبك بلغة القوة وليس بلغة العقل والفكر وإن لم يقصر باستخدام كل ألوان التضليل الفكري، والتزييف واستدعاء الشهوات والغرائز من خلال مغريات كثيرة، ينثرها هنا وهناك، ولهذا إن الحرب المندلعة هي حرب فردية وجماعية، ولعل من حكم الحج أنه فردي وجماعي في أن واحد يصلح الفرد الذي هو في الحج ويجعله جزاءًا من جماعة متحدة.

لقد كرس الحج في الإسلام واتخذ شكله ومحتواه اللذين هو عليهما الآن من خلال عملية تغيير تاريخية كبرى عرفت بناء الفرد والجماعة وولادة أمة، ومرت بكل ما تمر به حركات التغيير الكبرى من صراعات وعانى الفرد والجماعة من حيث الجوهر مثل ما نعاني نحن اليوم من الكفار والأعداء، ولهذا بقي الحج مدرسة واستمرت الأسوة النبوية ودروسها وعبرها، وفي المقدمة القرآن والسنة حتى لا نضل ونشقى، فردًا فردًا وشعوبًا، وأمة.

عقيدة التوحيد والأمة الواحدة

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وأنا رَبُّكُمْ فَاعْبُدون﴾ (الأنبياء: ٩٣) ليس كمثل الحج تجربة عملية تشعرك بوحدة الأمة، بل تضعك في قلب تلك الوحدة وتجعلك جزءًا منها حتى لو كنت قبل اليوم منغلقًا على ذاتك أو غارقًا في عصبية ضيقة «خصوصًا قطرية عربية في هذا العصر»، فالحج يفرض عليك أن تعيش وحدة الأمة وتنخرط فيها بوعي أو بلا وعي بشعور بها أو من دون شعور بها، بقبول لها أو رفض لها، انظر إلى هذه الجماهير المليونية التي تدفقت من كل زوايا الأرض والتي تتكشف ألوانها وألسنتها وسيماها وقسماتها عن كل ما في هذه الأرض من أجناس وأقوام وألسنة. وتأمل بها تلبس لباسًا موحدًا، متواضعا، نظيفًا، أبيض ناصعًا، وتردد تلبية واحدة، وأدعية واحدة وتطوف من حول كعبة واحدة وتسعى جميعًا بين الصفا والمروة وتبيت في منى وتقف في عرفة وتنفر إلى المزدلفة وتنحر، وتلقي الجمرات وما من أحد إلا ويفعل ما يفعله الكل. وإذا كنت عربيًا ستدهش إن شئت أو ستسعد إن شئت أو لتتفكر بعمق إذا شئت حين تسمع التلبية والأدعية «الله أكبر، ولا إله إلا الله محمد رسول الله» تخرج بالعربية بلكنات متعددة ومن السنة وحناجر بقدر ما يعرفه الناس منها في العالمين. فهل يتفكر العرب بالتكريم الذي خصوا به حين نزلت الرسالة في ربوعهم وخرج النبي والصحابة من أصلابهم، وكان قرآنًا بلسان عربي، ولا صلاة إلا بلسان عربي، ومع ذلك تجد من يريد استبعاد الإسلام عن العروبة أو يريد أن يجعل القرآن مهجورًا.

على أن أهم ما يحملك على التفكير هو هذه الوحدة العالمية وحدة التعدد والتنوع تحت عقيدة التوحيد، أو ليست هي صورة فريدة فذة للعالمية والإنسانية دونها كل ما يشاع عن كونية أو كوكبية أو عولمية أو إنسانية. هنا لابد لك من أن تشعر بقوة الإسلام، وبقوة الأمة وهذا ما نحن بحاجة إليه أشد ما تكون الحاجة إذ يجب أن نضعه في مقابل ما تعانيه أوضاعنا أمة وشعوبًا وجماعات وأقوامًا وأقطارًا وأفرادًا من ضعف وفرقة وعجز وسوء حال، وما نلقاه من هوان في معاملة الدول الكبرى لها ومن انتهاكات لحقوقها في فلسطين ومن نهب لثرواتها واختراقات السيادة دولها، إنك إذا تأملت بكل هذه الأوضاع، وما أشير إليه، وهو قليل من كثير، لأننا لم نأت على ذكر الفقر والمرض والجهل والتخلف المادي والاستبداد والحرمان من حرية إبداء الرأي والمشاركة والاختيار- إنك إذا تأملت بكل هذا، ثم تأملت بهذه القوة التي تتكشف عنها هذه الملايين ويتكشف عنها الإسلام في أيام الحج تدرك أي قوة كامنة في الأمة يطمسها ركام الفرقة وركام الهيمنة الخارجية، وركام التوجهات المتغربة، وركام.... وركام... إنك إذا تأملت هذه القوة الكامنة ستخرج في تلك اللحظات من اليأس والشعور بالعجز والاستسلام، ولعل في هذا واحدة من الحكم التي تحملها فريضة الحج إلى المسلمين كل عام إذ يذكرهم بقوتهم وقوة إسلامهم بالرغم مما يعانون من هزائم وفرقة وضياع، وبالرغم من طغيان الصهيونية والدول الكبرى، وبالرغم من الفساد والاستبداد اللذين يكسران الظهر وينخران في العظم نخرًا. 

لنعد إلى رسم المشهد: ملايين المسلمين من كل أنحاء المعمورة يجتمعون في مكان واحد ولغرض واحد، ويتحركون كرجل واحد، ويقولون قولًا واحدًا، ولكن هذا جانب من المشهد أما الجانب الآخر والأهم فهو توجههم إلى الله الواحد الأحد الذي له الأسماء الحسنى، إنه الجانب الذي يضع الملايين الموحدة أمام عقيدة التوحيد، حيث تسلم الأمة بوحدانية الله ولا تشرك به فيصبح كل من حسبتهم في العالم من أقوياء لا يقهرون أو أغنياء لا ينازلون، أو حسبته شهوات لا تقاوم، أو أهواء نفس لا تعاند، أو مصالح لا تهمل أو غاليًا لا يضحى به، قد أصبح صغيرًا. لأن الله أكبر، ولأن لا إله إلا الله. فعقيدة التوحيد تجعلك تقوى على المنازلة معتمدًا على نصر الله لمن ينصره. فكيف تتبع أحدًا سواه تبعية الذليل الواهن وكيف تخاف من دونه خوف الضعيف العاجز، وكيف تنقاد لعدوه انقياد الضائع التائه.

فالحج وهو يشدك إلى عقيدة التوحيد شدًا، وينفرك من الشرك نفورًا لابد من أن يأخذك ويأخذ الملايين إلى هذا المعنى.

أما الإشكالية فهي كيف تحتفظ بكل هذا حين تعود إلى حياتك العادية وتغرق في همومك. إن الواجب هنا هو أن تخزن في قلبك ووعيك ما مارسته وأنت في الحج عبادة لله وبراءة من الشرك ورجمًا للشيطان.

وقد عاهدت ربك عليه ولا يصح حجك من دونه، وبالروعة الحج حين تعود منه لتبدأ من جديد وفقًا لهذا العهد، فالحج ليس عبادة ومناسك ومشاعر فحسب وليس مغفرة ومرحمة من الذنوب فحسب، وليس أحاسيس وتأملات وعهودًا فحسب وإنما هو أيضًا مدرسة وبوتقة صهر لبدء حياة جديدة ولصنع الغد.

فمن يحج فليصحب ما كان عليه المرء في تلك الأيام المعدودات، في قابل أيامه.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 8

196

الثلاثاء 05-مايو-1970

محاجر العقيدة الإسلامية

نشر في العدد 414

75

الثلاثاء 03-أكتوبر-1978

للإيمان طريق للإصلاح