; رحلة الخلود في ذكرى الشهيد سيد قطب | مجلة المجتمع

العنوان رحلة الخلود في ذكرى الشهيد سيد قطب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أغسطس-1984

مشاهدات 88

نشر في العدد 681

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 28-أغسطس-1984

شيء أبعد من الثقافة الواسعة والعلم الغزير، وأسمى من التعبير الفني والأسلوب الراقي، وأضخم من الإنتاج الكثير والتأليف المتوالي... شيء أعظم من هذا كله، جعل لسيد قطب هذه المكانة المتميزة بين مفكري الإسلام ومجاهديه في هذا القرن، نظنه –والله أعلم- صدقه فيما يؤمن به ويدعو إليه، بحيث تتشكل الكلمات لديه حقائق حية تجري في كل ساحة، وتتجسد الأفكار عنده أرواحًا فياضة تسري في كل مجال... ونراه عبر عن هذه الحالة أصدق تعبير وأحسنه يوم قال:

حين أفنى في سبيل الله    ... تحيا كلماتي

وتلك هي المعادلة الصعبة الدقيقة:

فناء الجسد بالإرادة فداء للعقيدة يعادل حياة الأفكار وبقاءها ونماءها

ولن تصدق الدعوى النظرية بغير برهانها العملي –وهو على مستوى مفكر ضخم كسيد قطب رحمه الله- لم يكن إلا برهان الدم، يريقه المرتزقة المنتفعون من تخلف الأمة وتبلدها وتشتتها وخيبتها، على مذابح شهواتهم وعمالتهم للشرق والغرب على حد سواء! ولكنهم في ساعة طيشهم وحماقتهم ينسون أن الدم لا ينام!! وكيف ينام وهو يضرب في الأرض متجذرًا راسخًا مكينًا، ثم في غفلة من عين الاستبداد القاهر، ينمو على عين الله ويستطيل، فيمتد مورقًا مزهرًا، ليجدد الثقة بصلاح دين الله لكل زمان ومكان...

وحياة السيد ملحمة كاملة، لا يمكن فصلها عن السياق العام للصراع المستمر الدائم بين الحق وبين الباطل. بل هي أحد مظاهر في العصر الحديث، ورغم مر الأيام وكر الليالي، فإن ذكرى البطولة والشهادة اللتين كتبهما السيد بدمه الزكي، ستبقى معلمًا بارزًا في تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة، وصفحة متميزة في كتاب الجهاد الإسلامي عبر العصور. فلقد مضى الرجل إلى ربه، وترك خلفه إرثًا ضخمًا في ميادين عديدة، ولكنه أبقى –مع ذلك- تراثًا من المواقف الرائعة، لا يبلى على مر العصور. هذه المواقف، كانت نتاجًا طبيعيًا للمؤثرات العامة التي كونت شخصيته:

- وأولها: البيئة الصالحة المتدينة التي حفظ فيها القرآن الكريم وهو ابن عشر سنين.

- ودراسته في دار العلوم بالقاهرة وهي يومئذ ظئر الفصحى والأدب العربي السامي.

- وشاعريته المبكرة وثقافته الأدبية والنقدية.

- وأهمها: بعثته الدراسية إلى أمريكا بين عامي 1948 و1950م حيث عاد منها ليكشف زيف الحضارة الغربية، بعد أن اكتشف حقيقتها في عقر دارها، وليعمق دراساته ومطالعاته الإسلامية.

- ومن العوامل الهامة جدًا التقاؤه بالإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله، والتزامه بدعوة الإخوان المسلمين، وانطلاقه من بعد، في طريق الفكر الإسلامي المستنير، مؤلفًا ومفكرًا وداعيًا ومنظرًا.

* ولقد كانت المرحلة الأخيرة في حياته، وهي التي تبدأ منذ عام 1951م حتى 1966م تاريخ استشهاده، متميزة باتجاهه الإسلامي المحدد المتمثل بالالتزام مع الحركة الإسلامية، وظهور كتبه الهامة «الإسلام والسلام العالمي، هذا الدين، المستقبل لهذا الدين، خصائص التصور الإسلامي، معالم في الطريق».

وهذه المرحلة كانت مجلي خصائص شخصيته العملاقة التي تضاءلت أمامها هامات الثوريين الانتهازيين المرتزقة، كما أنها أبرزت خصائص فكره المتميز التي أوصلها الأستاذ يوسف العظم في كتابه الفائق «رائد الفكر الإسلامي المعاصر الشهيد سيد قطب» إلى عشرين خصيصة. منها «الغزارة والشمول والإيمان بالفكرة والعمق والمستقبلية والتفريق بين الإسلام والكهنوت، والدعوة إلى استئناف الحياة الإسلامية، وكشف الحضارة المادية والإشراق والعذوبة، والقوة والتحدي، والتفرد وسعة الأفق وبعد النظر..».

* ولقد كان لوعيه السياسي المتمثل في معرفته أصول اللعبة العالمية، القائمة على استحداث العملاء للشرق والغرب، دوره في كشف زيف السياسة وألاعيب السياسيين العملاء. مما فضح كثيرًا من المخططات العالمية، وجعله بالتالي هدفًا مطلوبًا للمعسكرين. ولذلك لم يكن غريبًا أبدًا، أن يعلن رأس النظام آنذاك في عام 1965م، من موسكو، وعند قبر لينين الهالك، نبأ اكتشاف مؤامرة مزعومة لقلب نظام الحكم ورئاسة تنظيم إرهابي يقوده سيد قطب ويستهدف قتل أم كلثوم «كذا» ونسف القناطر الخيرية!! وقطار عبد الناصر أثناء سيره... إلى آخر هذه الافتراءات السخيفة، ويعرف الناس جميعًا مجريات الأمور بعد ذلك ومهازل الاستجواب والمحاكمات التي تزعمها القاضي العسكري الهالك فؤاد الدجوي، والتي انتهت بالحكم على المفكر العالمي بالإعدام شنقًا مع بعض إخوانه.

ولقد جرت محاولات لتخفيف الحكم، ورفضت السلطات كل ذلك، ولكنها أوعزت من طرف آخر لعملائها بمحاولة التأثير على الشهيد رحمه الله ليقدم التماسا بطلب الرحمة والعفو، وهنا تتجلى خلاصة الإيمان وجوهر العقيدة اللذان أمليا على سيد مواقفه من قبل، فرفض بإباء كل هذه المحاولات البائسة، قائلًا باستعلاء المؤمن «لماذا أسترحم؟ إن كنت محكومًا بحق.. فأنا أرتضي حكم الحق، وإن كنت محكومًا بباطل، فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل!!».

ثم قال عند صدور الحكم: «الحمد لله لقد جاهدت خمسة عشر عامًا حتى أنال هذه الشهادة!!».

ونرى في هذا المقام أن نورد بعض المقتطفات من كتابه «معالم في الطريق» فصل «استعلاء الإيمان» لندرك عمق الأفكار وبعد النظر في أسلوب تفكيره وصدق نظرته، رحمه الله.

- يقول في غربة المؤمن وضغط المجتمع عليه:

«إن للمجتمع منطقه السائد وعرفه العام وضغطه الساحق ووزنه الثقيل... والذي يقف في وجه المجتمع ومنطقه السائد وعرفه العام، وقيمه واعتباراته، وأفكاره وتصوراته، وانحرافاته ونزواته... يشعر بالغربة كما يشعر بالوهن، ما لم يكن يستند إلى سند أقوى من الناس وأثبت من الأرض وأكرم من الحياة».

* ويقول في تفسير معنى الجاهلية التي استعملها في كتبه:

«والجاهلية ليست فترة من الزمان، إنما هي حالة من الحالات تتكرر كلما انحرف المجتمع عن نهج الإسلام، في الماضي والحاضر والمستقبل على السواء..».

* ويقول في عزة المؤمن واستعلائه تجاه الباطل:

«... وينظر المؤمن من عل إلى الباطل المنتفش، وإلى الجموع المخدوعة، فلا يهن ولا يحزن، ولا ينقص إصراره على الحق الذي معه، وثباته على النهج الذي يتبعه، ولا تضعف رغبته كذلك في هداية الضالين والمخدوعين»

رحم الله سيدًا وأنزله منازل الصديقين والشهداء والأبرار في منزل صدق عنده... إنه خير مسؤول...

الرابط المختصر :