العنوان رحلة الإنسان.. من الماء إلى الهواء
الكاتب د. زياد التميمي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1995
مشاهدات 74
نشر في العدد 1165
نشر في الصفحة 63
الثلاثاء 05-سبتمبر-1995
كل إنسان يمر بنقلتين عظيمتين، كل نقلة بين حياتين!
فنقلة من حياة الماء «الجنينية» إلى حياة الهواء «البشرية»، ونقلة من هذه الحياة إلى الحياة الترابية «الأبدية»، وتكتسب كل نقلة أهميتها لأن لها ما بعدها.
فقد خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم، وقدر عليه سننًا وقوانين تجري بإرادة الله لا يملك المخلوق لها تغييرًا أو تبديلًا، وهذه القوانين والسنن أكثر من أن تعد أو تحصى، ولا يعلمها إلا الخالق سبحانه، ونراها نحن تحت مظاهر وأشكال مختلفة، وكل واحد منها ينفرد بنفسه بأنه غاية في الروعة، ومثارًا للدهشة والإعجاب، «صنع الله الذي أتقن كل شيء».
ولعل من أكثر هذه المشاهد إثارة، هي لحظة الانتقال من حياة الماء «الجنينية» إلى حياة الهواء «البشرية».
فمعلوم أن الإنسان ينمو في أحشاء أمه بلطف الله وعنايته، وما هي إلا أسابيع قليلة حتى تحس الحامل بهذا «الضيف القادم» وبحركته، ثم يأخذ في النمو حتى يصبح ذا حياة متكاملة بوظائف متعددة الجوانب، فهو يتنفس ويتغذى ويخرج ويتحرك0
وكل ذلك يجري في عالم آخر هو عالم الماء، تمامًا مثل الكائنات البحرية! فالجنين يسبح في عالم السائل الأمنيوني الذي يشكل الماء النسبة العظمى منه بالإضافة لمواد أخرى.
أما كمية هذا السائل فقد أعدت بإحكام، فلا تزيد في أقصاها عن لتر ونصف، فإنها إن زادت كان ذلك مؤشرًا لوجود شذوذات خلقية في الجنين، خاصة في الجهازين العصبي والهضمي، ولا تقل عن نصف لتر، فإنها إن قلت عن ذلك تزامن ذلك مع وجود شذوذات خلقية في الجهاز البولي للجنين.
وهذا السائل مصدره الأغشية الأمنيونية الهُلامية المحيطة بالجنين، كما أنه ناتج عن بعض
إفرازات الجنين.
وله وظائف متعددة أهمها: تسهيل حركة الجنين، وعدم تقفع أطرافه وتشوهها، وامتصاص الصدمات التي تصيب بطن الحامل فلا تؤثر على الجنين، وترطيب الجلد فلا يتشقق وينزف، وتسهيل عمل أجهزة حيوية أخرى مثل التنفس.
في هذا الوسط المائي تبدأ وظائف الجنين الحيوية بالعمل، وتستمر كذلك فهو يسمع قبل أن يرى «لاحظ تقدم ذكر السمع على البصر في مواضعه في كتاب الله العزيز»، بل إنه ثابت علميًّا وعمليًّا أن الأجنة الذين خلقوا في جو عائلي صاخب يبدعون في الحركة داخل الأرحام عندما تثار الضجة من حولهم، كأنهم «يشاركون» في ذلك، أو ربما «يحتجون» عليها لأنهم يريدون الهدوء والراحة في الظلمات الثلاث.
ومثل كل كائن حي يعتبر غاز الأكسجين العنصر الأساسي لاستمرار حياة وعمل أنسجة وأعضاء الجنين، لكن الله سبحانه جعل لذلك بديلًا عند الطوارئ فتتدخل أحيانًا في اللحظات الحرجة لإنقاذ الخلايا الرئيسية من موت محقق، خاصة في الدماغ، وهي عملية ما يسمى «بالاستقلاب اللاهوائي»، وهو قيام الخلية بوظيفتها بدون أكسجين، وقد تمتد هذه الخاصية إلى فترة قصيرة لما بعد الولادة، وتنقذ «بفضل الله» أحيانًا بعض المواليد من عاهات دائمة.
وأما تغذية الجنين فلها من الأسرار والعجائب ما لا ينتهي، تجد الأم تبحث عن الطعام لينتفع جنينها، وربما بحثت عن طعام خاص بعينه لا لمصلحتها هي، بل لأجل صحة وعافية جنينها، فإن جسم الأم يوضع كله تحت الطوارئ وتحت تصرف واحتياج هذا المخلوق الصغير، فإذا وصلت إشارات بالحاجة للحديد، أو الكالسيوم، أو اليود مثلًا، توجهت رغبة الحامل لأكل الطعام الغني بهذه المعادن الرئيسية: مثل السمك والسبانخ والخس والخضار وغيرها، وإذا وصلت الإشارة بالحاجة للأملاح اتجهت الأم للمملحات لتسد العجز والطلب مثل ملح الطعام «والفسيخ» والمكسرات... إلخ.
وهكذا فإن جسم الأم الحامل في خدمة الجنين يأكل ما يحتاجه الصغير، ويشرب ما يحتاجه ويرتاح إذا لزم الأمر كذلك.
وقد تجبر الغدد الصماء في الأم هذه الحامل أحيانًا على التصرف «كالمجنونة» إذا حصل أن مطالب الجنين لم تستوف بالشكل المطلوب، فلقد رأيت نساء حوامل لا يجدن الطعام المغذي فيأكلن التراب والخشب لسد النقص، فالجنين بحاجة لها ولا بد من تأمينها بأي ثمن.
فإذا ما وصل الغذاء إلى الجهاز الهضمي للأم فإنه يجهز على عجل ويرسل «بالبريد العاجل» أي الدورة الدموية إلى المشيمة، هذا العضو الغريب العجيب الذي ليس له عقل ولا قلب، ولكنه كتلة لحمية بها كم هائل من الأوعية الدموية لا يزيد وزنها في العادة عن نصف كيلو جرام تشبه قطعة الإسفنج التي تشربت بالدم، لها من الوظيفة ما يدعو إلى الاستغراب والدهشة، فإنها إلى جانب كونها غدة فارزة للهرمونات المثبتة للجنين لتقوده في آخر الأمر إلى نهاية سعيدة، وتنتهي وظيفتها بنهاية الحمل، فإنها أيضًا تستقبل المعونات الغذائية الواردة إلى الجنين، وتقوم بعملية تمحيص وتخصيص، فأما ما ينفع الجنين ويحتاجه فتفسح له الطريق ويدخل إلى هدفه، وأما ما يضيره فليلفظ ليعود أدراجه من حيث أتى، وقد يشذ عن هذه القاعدة مواد أخرى، مثل الأدوية والعقاقير التي تخترق المشيمة، فتقع في كنف الجنين مسببة له الضرر والأذى.
وأكثر المواد سرعة وأهمية في الوصول هو السكر، وهناك من الحوامل من تحس بحركة الجنين فور تناولها طعامًا حلوًا، فكأنه يرقص فرحًا بالحلويات في عالم الماء كإخوانه في عالم الهواء.
وأما الإخراج الجنيني، فهو سائل فقط من الجهاز التنفسي والبولي، ولا ضرر من خروجه واختلاطه بالسائل الأمنيوني المحيط بالجنين، فإن أكثره ماء، أما مفرزات الجهاز الهضمي فهي مادة خضراء داكنة لزجة تسمى «العقي» وهي ذات خطر محقق على الطفل إن خرجت من مكانها قبل أو ساعة الولادة، ووجودها في السائل الأمنيوني هو حالة طوارئ تحتاج للعمل المستعجل.
فإذا أذن الله تعالى لحياة الماء أن تنتهي وتبدأ حياة الهواء فكل العجب في هذه النقلة، إنها ثوان فقط لا تزيد عادة عن الستين «دقيقة واحدة» وينتهي كل شيء، فكل عضو يشارك في هذا الانتقال المصيري للجنين، ولا شك أن أهم لحظاته هي تفتح المجاري التنفسية ودخول الهواء والأكسجين للرئتين، وكل هَم أطباء الأطفال في غرف الولادة هو الوصول لهذه اللحظة بالسرعة الممكنة، فإن تأخر حصولها ولو لدقائق يعني غالبًا عطبًا دائمًا بالجهاز العصبي للمولود.
فإذا دخل الهواء الرئتين جرت تغييرات جذرية على الدورتين الدمويتين الصغرى والكبرى، وفُتحت طرق، وأغلقت أخرى، ويتم تغيير مجرى الدم من مكان لآخر، ليصبح في هذا الزمن القياسي جاهزًا للعمل تحت ظروف حياة الهواء. ولا يقل الانتقال من الحياة الهوائية إلى الحياة الترابية «دراماتيكية» عن الانتقال الأول.
فالله تعالى نسأل أن ييسر انتقالنا الثاني كما يسر الأول وهو على كل شيء قدير.