; رحيل الماركسية ومأزق الشيوعيين العرب | مجلة المجتمع

العنوان رحيل الماركسية ومأزق الشيوعيين العرب

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-1989

مشاهدات 61

نشر في العدد 938

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 24-أكتوبر-1989

● الحركة الإسلامية طوت صفحة الشيوعية في العالم العربي بكشفها عن هلامية المشروع الماركسي.

● الدعوة قائمة اليوم لتخلي الماركسيين العرب عن مشروعهم المستجلب والانخراط في تفاعل أصيل موصول بالعقيدة الإسلامية.

 

شهدت الأيام القليلة الماضية ظاهرة هي الأولى من نوعها في تاريخ الأحزاب الماركسية، فقد وافق أعضاء الحزب الشيوعي المجري (هنغاريا) بما يشبه الإجماع على حل حزبهم والتبرؤ من ماضيه والتخلي عن العقيدة الماركسية والاكتفاء بإطلاق اسم الاشتراكية على الحزب، ومن جانب آخر فقد أرسل الزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف برقية إلى القيادة الجديدة للحزب الاشتراكي المجري يؤيد فيها الخطوات الإصلاحية، متمنيًا للحزب والقيادة المزيد من التقدم!!

ويأتي هذا المشهد الدراماتيكي في أعقاب قيام حكومة غير شيوعية في بولندا، وفي الوقت الذي تشهد فيه دول الكتلة الأوروبية الشرقية تحولات استرجاعية عظيمة، فألمانيا الديمقراطية (الشرقية) تعيش حالة خلخلة أو قل "تحلل" لسلطة الحزب الحاكم، بدءًا بالتظاهرات الصاخبة في المدن وانتهاء بالنزوح الكبير إلى ألمانيا الاتحادية (الغربية) عبر دول المعسكر الاشتراكي.

كما أن الاتحاد السوفيتي عرّاب الشيوعية الدولية هو الآخر مشغول هذه الأيام بتقنين النظم المقوضة للعقيدة الشيوعية الماركسية اللينينية، فقد أقر البرلمان السوفيتي تشريعًا يعترف لأول مرة منذ استيلاء الشيوعيين على السلطة بحق العمال في الإضراب.

في وقت أعلن فيه أن العجز في الميزان التجاري بلغ 120 بليون روبل أي ما يعادل 14% من إجمالي الإنتاج القومي. وبالطبع ما كان لهذه المشاهد أن تبرز للعيان لولا الاستدارات الحادة التي خلقتها دعوة غورباتشوف لإعادة البناء "البيروسترويكا"، وما كان لخطوات غورباتشوف التراجعية لتمضي لولا حالة الضيق المملة التي اكتوت بها شعوب الدول الشيوعية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي. فقد تهيأت الأوضاع في دول الكتلة الشرقية للتغير، فالعقيدة الماركسية فقدت مصداقيتها وفشلت في تحقيق 10% من حتمياتها المادية والتي أضحت شعارات جوفاء لا تجتذب سوى نفر من تعساء العالم الثالث.

أما في الواقع الأوروبي فقد استأثرت الأحزاب الشيوعية بكل شيء ولم تعط شيئًا وذهبت مقولة "من كل حسب إنتاجه إلى كل حسب حاجته" ضربًا من الخيال الطامح "طوباوية" ومن جهة أخرى فقد تلقى العالم أحداث التراجع الماركسي بمزيج من الدهشة والاستغراب، هذا بالرغم من توقع الدوائر الغربية لتعرض الأنظمة الماركسية للانهيار غير أن مواقع الانهيار كان أسرع مما توقعته تلك الدوائر. ودون هؤلاء كانت فئة أخرى وقع عليها صدى الانهيار الماركسي وقع الصواعق تلك هي فئة الماركسيين العرب والأحزاب اليسارية، والتي لا ينحصر مدى التأثر فيها بأحداث الكتلة الشيوعية المتحولة بأقل من الانهيارات المتحولة هناك.

 

المفارقة:

 

لعله من فضل القول أن نثبت أن الماركسية وفدت إلى العالم العربي والشرق الإسلامي وسط أجواء التصاعد الوطني لحركات التحرر من ربقة الاستعمار، ووفقًا لمقولة "عدو عدوك صديقك"، فقد انسلخت بعض القيادات الوطنية عن أصالتها وتقمصت أردية الماركسية ملوحة بالألوان الحمراء الصارخة في وجه الحقائق الوطنية والأصالة المثخنة بجراح معاركها مع المستعمر الصليبي، ونمت التيارات الماركسية واليسارية تحت مظلة المواقف الشوفينية لأطروحات الشيوعية الدولية في صراعها التناقضي مع الغرب ونظمه الرأسمالية، وفي سياق الدعوة للتحرر والعداء للغرب والدعوة لإقصاء الرأسمالية وتأييد حقوق الطبقة العاملة لاقت التيارات اليسارية فرصتها في التقبل الجماهيري، فانحازت طبقة العمال نحو الدعوة لإقامة سلطة "البروليتاريا" الترجمة الحرفية لها "صعاليك" وتجاوب بعض الطلاب مع التيار الماركسي إعجابًا بالأفكار المثالية وتأثرًا بأبواق الدعاية الباهرة عن التقدم الحتمي للمشروع الماركسي، واتخذت طائفة من المثقفين كراهية في اليمين الرجعي المستغل - ملاحظة - فقد كانت مرحلة الخمسينيات تعج بالتصنيفات السياسية المضللة والشعارات الكاذبة، وهكذا اشتعلت "شرارة" العقيدة الشيوعية في العالم العربي، وساعد على انتشار "اللهب" اليساري الوجود السوفيتي الذي بدأت أقدامه تتوطد في أعقاب تمويل السوفيت لمشروع السد العالي وما تبعه من تآلف في النظر للقضية الفلسطينية، وبدا الاتحاد السوفيتي بمظهر المدافع عن حقوق الشعوب والداعم لحركات التحرر ومشاريع البناء والتنمية، وتفاقم نشاط اليسار وأصبحت الأدبيات اليسارية أحد الروافد الثابتة في المتغير السياسي، وطمعت الأحزاب الشيوعية بإقامة أنظمة شيوعية في السودان والعراق والجزائر، غير أن محاولاتها باءت بالفشل وفي السودان تكررت التجربة وتنوعت نظرًا لأن الحزب الشيوعي السوداني توفرت له على فترة من الزمن السيطرة على نقابات العمال والمحامين وبعض الفئات الأخرى غير أن دست الحكم أكبر من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي؛ ولهذا كانت محاولة الاستيلاء على السلطة في 19 يوليو 1971 أشبه بعملية الانتحار. ومن وقتها بدأت ألوية اليسار المتمركس في الانحسار والتراجع.

 

الانحسار

 

اليسار عمومًا والماركسي بصفة أخص كان نتاج أوضاع سياسية وثقافية تقتات من مائدة ردود الفعل الغربي وعندما انكشفت أسس الهيمنة الغربية المباشرة بدأت العقلية العربية الإسلامية تتحسس موطئ أقدامها بصورة خالية نسبيًّا من الانفعال المضاد، وهنا لم تسعف تيارات اليسار الماركسي اشتراكيتها العلمية بمبررات موضوعية تضفي عليها شرعية الوجود في مجتمع تزكي قيمه المعيارية أطرًا ثقافية تستند إلى مصادر اعتصامية ثابتة متمثلة في الوحي القرآني والسنة النبوية وحضارة مدنية صاغت سلوكية مجتمعية فاقت وتفوق كل مشروع يهدف لإسعاد الإنسان، وهنا وجد التيار الماركسي نفسه أمام معركة غير متكافئة، كما أن الميدان الذي تجري فيه المعركة مشبع بروح عدائية صادقة في مناوئتها للقيم المادية الإلحادية المنحدرة في الماركسية اللينينية بل وأحد أعمدتها الرئيسية. وعليه كان لا بد من الالتفاف حول القدرة الدفاعية للمجتمع العربي المسلم، فكان دور الدولة الماركسية الأهم في تنميتها لمشاريع الأحزاب الماركسية وازدياد البعثات التعليمية والمنح الدراسية ودعوة القيادات النقابية وأقامت معسكرات للشبيبة، وكل تلك الأنشطة تتم ضمن برامج مدروسة ووفق بنية إعلامية مركزة ومخططة تشد المراقب بالإيجابيات دون السلبيات، إلا أن تلك الأساليب أضحت في إطار الجذب المحدود في مقابل انكشاف كل الممهدات السالفة لكسب مزيد من الأراضي، وكان الانحسار كبيرًا فقد ألمعت لحظات الصفاء والنقد الذاتي عن تراجع بعض القادة الشيوعيين الذين كشفوا بدورهم مزيدًا من ضلالات الماركسية، وفي إطار الانحسار يذكر الدور المؤثر والفاعل الذي قامت به الحركة الإسلامية في تحجيم المد الماركسي في الأوساط الطلابية والنقابات كما أن المشروع الإسلامي تجلى كبديل يمتاز بالأصالة والانفعال الوطني بقضايا الأمة.

 

التيه

 

ربما يجمع المؤرخون السياسيون على أن فترة أواخر السبعينيات تمثل مرحلة التيه للتيار اليساري الماركسي، وبدخول العقد الحالي انحسرت الماركسية في مصر والسودان وسوريا والعراق والجزائر، ولم تعد الماركسية حركة جماهير تمتلك القواعد وتنظم المسيرات الاحتجاجية، فقد تقزمت في بعض العواجيز والتي غلبت عليها العزة بالإثم وسد عليها ضباب السنون المتراكم إطار الرؤية السوية، وذهب الحزب الشيوعي في السودان غير مأسوف عليه بالرغم من محاولات التمثل الشعبي التي ظل يتمسح بها، وذهبت التيارات الماركسية المصرية، والتي لم تتجاوز طموحات الشخصانية المتعاظمة في تدوير الحركة حول تجمعات فئوية ضيقة، وهكذا صار الشتات أكبر من معالجات الزمن والفكر وانحنت القيادات الماركسية لتيار الحركة الإسلامية في جذبه المتنامي للنخب المثقفة بجانب التجمعات الجماهيرية الواسعة التي انضوت تحت لوائه.

 

الرحيل

 

ربما تبقى الماركسية شعارًا مرجعيًّا لبعض الأنظمة في أوروبا الشرقية وآسيا لبعض السنوات القادمة، غير أنه في حكم المؤكد لن يطول ذلك البقاء لما بعد العقد القادم؛ فالماركسية كعقيدة ونظرية سياسية ما كان لها أن تصل للحكم لولا حالة الزعزعة التي اجتاحت أوروبا الغربية بظهور الثورة الصناعية والماركسية في البلدان العربية، جاءت في ظروف نزاع مع السعي للتحرير، وما نجح نظام ماركس في الوطن العربي وحتى الاشتراكيات التي بنتها بعض الأنظمة فقدت بعدها القومي والجماهيري عندما تخلت عن عقيدة الأمة لصالح مصطلح «العلمية» وفيما يبدو أن الماركسية رحلت من ديارنا قبل رحيلها من دول الكتلة الشرقية، غير أن الماركسيين عندنا ما زالوا يحلمون ببناء «طوباوية» فشلت روسيا في بنائها في نصف قرن، لقد دعا أحد الكتاب السودانيين مرة إلى أسلمة الحزب الشيوعي السوداني وهي دعوة تنطبق على القيادات، فهل من سبيل لأسلمة الماركسيين العرب والتخلي عن المشروع الشيوعي برمته لصالح العقيدة الإسلامية؟ بشرط أن يتم ذلك قبل رحيل الماركسية عن العالم.

 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :