; رد افتراءات «الجابري» على القرآن الكريم ( أخيرة) مشروعه «البدعة» لترتيب كتاب الله | مجلة المجتمع

العنوان رد افتراءات «الجابري» على القرآن الكريم ( أخيرة) مشروعه «البدعة» لترتيب كتاب الله

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 13-أغسطس-2011

مشاهدات 49

نشر في العدد 1965

نشر في الصفحة 52

السبت 13-أغسطس-2011

  • لماذا العدول عن الترتيب الإلهي للوحي القرآني الذي أكدته مراجعات جبريل -عليه السلام- مع الرسول (صلى الله عليه وسلم)؟
  • مصادر علوم القرآن المشهورة التي رجع إليها تؤكد ندرة الآيات القرآنية التي لها سبب نزول
  • «الجابري»: الترتيب حسب النزول هدفه التعرف على مسار تكوين النص القرآني باعتماد مطابقته مع مسار الدعوة المحمدية! 
  • .. ثم نقض غزله قائلًا: إن أسباب النزول هي في نهاية الأمر روايات آحاد .. وأكثرها ظنون وتخمينات!
  • أراد بترتيبه أن يكون « تأريخًا» ومن ثم يفتح باب «التاريخية» التي تحيل القرآن الكريم إلى «الاستيداع»
  • المستشرق الإنجليزي «مونتجمري وات»: إذا لم يكن محمد رتب القرآن بناء على وحي.. فمن الصعب أن يقوم بهذا العمل أحد غيره

لقد اختار «الجابري» لكتابه الذي عرف فيه بالقرآن الكريم، ذات العنوان الذي سبق واتخذه المستشرق الفرنسي «بلاشير» (۱۹۰۰ – ۱۹۷۳م) لكتابه عن القرآن بعنوان: «مدخل إلى القرآن».. وأعلن «الجابري» في مشروعه عن القرآن -تعريفًا وتفسيرًا- أنه قد اختار إعادة ترتيب سور القرآن الكريم وفق أسباب النزول ومسار الدعوة المحمدية، ليكون هذا الترتيب الجديد، والتفسير الجديد، أقدر على مواكبة مسيرة الدعوة المحمدية والتاريخ لها.

ومن حق الباحث في القرآن الكريم أن يسأل: لماذا العدول عن الترتيب الإلهي للقرآن، الذي نزل به جبريل على الرسول ، أثناء المراجعات التي تمت بين جبريل والرسول صلى الله عليه وسلم في السنوات الأخيرة من حياة المصطفى، وهي المراجعات التي وردت أحاديثها في الصحاح، والتي أوردها «الجابري» في كتابه عدة مرات؟!

لماذا العدول عن هذا الترتيب الإلهي للوحي القرآني -ترتيبه في اللوح المحفوظ- الذي أكدته مراجعات جبريل (الذي نزل بالوحي) مع الرسول صلى الله عليه وسلم (الذي تلقى الوحي)، والذي جمع القرآن وفقاً له في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الترتيب الذي سار عليه الصحابة الذين كتبوا الوحي وحفظوه وجـمـعــوا صـحـائـفـه، ثـم دونـوه وأذاعــوه في الأمصار.. وهو أيضا نفس الترتيب الذي سارت عليه الأمة بشعوبها وقبائلها وأقطارها وعلمائها ومذاهبها عبر الزمان والمكان؟!

يقول «الجابري»: «إن الهدف عندنا من «الترتيب حسب النزول هو التعرف على المسار التكويني للنص القرآني باعتماد مطابقته مع مسار الدعوة المحمدية(1). 

وهنا من حق الباحث أن يسأل: هل القرآن كتاب تأريخ لمسار الدعوة المحمدية؟! أم أنه كتاب هداية للدين والدنيا والآخرة.. للفرد والأمم والشعوب عبر الزمان والمكان؟!

وهل مسار الدعوة المحمدية إلا مجرد «مفردة» من مفردات هذا القرآن الكريم؟ والترتيب «الجابري» للقرآن كي يكون تأريخاً لمسار الدعوة المحمدية، ألا يفضي إلى ربطه بهذا التأريخ، ومن ثم يفتح باب «التاريخية والتاريخانية» التي تحيل القرآن الكريم إلى الاستيداع»، بعد أن طوى التاريخ صفحات الأحداث التي مثلت مسار الدعوة الإسلامية والتي حدثت قبل نحو خمسة عشر قرنا؟!

إن المستشرق الإنجليزي «مونتجمري وات» (۱۹۰۹ - ٢٠٠٦م)، وهو قسيس أنجيلكاني ابن قسيس، قد كتب بعد أكثر من ثلث قرن في دراسة العربية والقرآن والإسلام .. يقول: «إن هذا الترتيب القائم الآن في المصحف العثماني هو الترتيب الإلهي الذي انتهى إليه الوحي مع رسول الإسلام، وليس ترتيبا بشريا من الصحابة حتى تصح إعادة النظر فيه.. وإذا لم يكن محمد هذا الذي رتب القرآن بناء على وحي نزل عليه، فمن الصعب أن نتصور أن يقوم بهذا العمل زيد بن ثابت، أو أي مسلم آخر..»(۲).

ولقد حسم القرآن الكريم ذاته أمر هذا الترتيب، فالله -سبحانه وتعالى- قد أنزله منجما ؛ ليثبت به فؤاد رسوله صلى الله عليه وسلم في مواجهة التحديات الشرسة التي واجهت الدعوة الإسلامية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلكَ لِنُثَبِّتَ به فُؤَادَكَ وَرَتَلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (الفرقان:٣٢).

ثم تم الجمع الإلهي لهذا القرآن: ﴿إنّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ۞ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ۞ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة:١٧-١٩).

ولقد راجع جبريل -عليه السلام- مع الرسول هذا الجمع وهذا الترتيب، ليس وفق التنجيم الذي نزل عليه القرآن، وإنما وفق صورته المستقرة في اللوح المحفوظ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ۞ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظ﴾ (البروج٢١-٢٢).

فهذا الترتيب الذي راجعه جبريل -عليه السلام- مع الرسول صلى الله عليه وسلم هو الترتيب الإلهي للقرآن الكريم، وهو الذي صارت عليه الأمة منذ تدوين ،القرآن وجمعه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.. حتى «د . محمد عابد الجابري»، الذي ابتدع ترتيبه الجديد للقرآن، وفق «أسباب النزول ومسار الدعوة المحمدية».. أي أن «الجابري» قد ارتد بـالـقـرآن عن ترتيبه في اللوح المحفوظ، الذي راجعه جبريل مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي دون وفقه وجُمع على أساسه في السنوات الأخيرة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.. ارتد «الجابري» بترتيب القرآن عن هذا الترتيب «الأصلي» و«النهائي» إلى حيث رتبه -كما يقول- وفق «التنجيم» الذي حاول البعض -ومنهم «الجابري»- ربطه بأسباب النزول!

مشروع بدعي

وقد يقول قائل: وماذا على الجابري أن «يجتهد»، وأن ينجح فيما أخفق فيه المستشرقون؟ فقد تكون للرجل «حجج ومبررات» لم يصل إليها هؤلاء المستشرقون.. ثم إن الرجل لا يدعو إلى إلغاء الترتيب القائم في «المصحف الإمام» الذي اجتمعت عليه الأمة، وإنما دعواه أن تفسير القرآن أو «تفهيمه» وفق مصطلحه إنما يكون أوفق وأوضح إذ تم وفق ترتيبه حسب أسباب النزول، ولذلك سمي الرجل تفسيره: «فهم القرآن التفسير الواضح حسب ترتيب النزول».

ومع «الوجاهة الشكلية» لهذا التساؤل، فإننا نقول، وهذا مهم جداً: إن «الجابري» نفسه – الذي ابتدع هذه البدعة، فأعاد ترتيب القرآن وتفسيره وفق أسباب النزول -قد اعترف بأن هذا «الأساس» -الترتيب وفق النزول- الذي بنى عليه مشروعه، والذي دفعه إلى «بدعته»، هو أوهى من بيت العنكبوت!

فبعد أن خدع «الجابري» نفسه، وحاول خداع قرائه بقوله: «لقد كان طبيعياً لكل من يريد فهم القرآن أو استنباط أحكام منه تخطي المستجدات أن يشعر بالحاجة إلى معرفة ما اصطلح عليه «بأسباب النزول» الأمر الذي يقتضي ترتيب السور حسب نزولها (۳).

وبعد أن جازف «الجابري»، فأعلن أن لكل آية في القرآن سببًا لنزولها، ومن ثم فمن المشروع إعادة ترتيب القرآن كله وفق أسباب النزول .. وقال: «... ولا نجافي الصواب إذا قلنا مع بعض القدماء (ولم يقل لنا من هم هؤلاء القدماء!): إنه ما من آية في القرآن إلا ومن ورائها سبب لنزولها ...»(4).

بعد أن جازف «الجــابــري» هذه المجازفات، عاد فأفاض في الحديث عن أن هذا «الأساس» الذي بنى عليه «مشروعه - البدعة» هو -كما قلنا- أوهى من بيت العنكبوت!

فبعد أن قطع مع القدماء -الذين لم يذكر لنا اسما واحدا منهم- أن لكل آية من آيات القرآن الكريم سببا لنزولها، عاد ليقول: «... وقول بعضهم: «إنه ما من آية في القرآن إلا ولها سبب لنزولها»، إن عنصر المبالغة في هذه العبارة واضح ذلك لأن ما هو متداول من «أسباب النزول» قليل جداً بالنسبة لآي الذكر الحكيم»(٥). 

لقد نقض الرجل قوله (٦)، وأقر بأن الآيات التي لها سبب نزول هي «قليلة جدًا» بالنسبة لمجموع آيات القرآن.. الأمر الذي يدعو للتساؤل: كيف يتم تفسير كل القرآن وفق أسباب النزول، بينما الآيات التي لها أسباب نزول «قليلة جدًا» بالنسبة لمجموع آيات القرآن الكريم؟!

أي: كيف «أقام الجابري» «مشروعه البدعة» على إعادة ترتيب كل القرآن وفق أسباب النزول التي لا وجود لها بالنسبة للأغلبية الساحقة من آيات القرآن الكريم؟!

أسباب نادرة

إن مصادر علوم القرآن التي اشتهرت في تراثنا الإسلامي، والتي رجع إليها «الجابري» تقول بندرة الآيات القرآنية التي لها سبب نزول.

وإذا كان «السيوطي» (٨٤٩ – ٩١١هـ / ١٤٤٥ – ١٥٠٥م)، و«الواحدي» (١٦٨هـ - ١٠٧٦م) قد اعتمدا كأشهرٍ مَنْ صَنَّف في أسباب النزول، فإن الآيات التي لها سبب نزول عند «الواحدي» -الذي كان يدقق في الروايات إلى حد ما- هي ٤٧٢ آية، من مجموع آيات القرآن البالغة ٦٢٣٦ آية، أي نسبة 75% من آيات القرآن الكريم (٧). 

وعند «السيوطي» -الذي كان يتساهل في قبول الروايات- يصل عدد الآيات التي لها سبب نزول إلى ۸۸۸ آية، أي نحو ١٤ من آيات القرآن الكريم (۸).

فهل يصح المفكر في قامة «الجابري» أن يقيم مشروعه الضخم على هذا السبب النادر» لنزول «النادر» من آيات القرآن الكريم؟!

وحتى هذه الآيات النادرة، التي رويت في نزولها «أسباب» -يسميها العلماء «مناسبات» لا «أسبابا»- فإن الروايات التي تحدثت عن هذه الأسباب أو أغلبها ، لا تزيد في الثقة والقوة عن خيوط العنكبوت!

والغريب والعجيب أن «الجابري» الذي أعاد ترتيب كل القرآن وفق أسباب النزول يعود فيقول: «إن كثيرًا من الروايات التي تتحدث عن أسباب النزول تشي هي نفسها  بما يطعن في صدقها، وأنها إنما حيكت من أجل «تفسير» لفظ أو عبارة (٩).. وإن ما يُروى كأسباب نزول هو في الغالب اجتهادات الهدف من روايتها ربط آية أو آيات بحوادث سبقت أو تأخرت عن نزول الآية(١٠).. ولقد أكدنا مراراً أن روايات أسباب النزول هي في الغالب نتيجة لبحث الرواة عن سبب مناسب للآية (١١) .. ولذلك كان لا بد من التعامل بحذر مع «أسباب النزول به ..»(۱۲). 

وعند تفسير «الجابري» لسورة «الحجر»، في سياق «ترتيبه – البدعة» وفق أسباب النزول .. يقول عن أسباب نزول آیات هذه السورة: «لقد وردت عدة أخبار عن «سبب نزول آيات من هذه السورة تكاد تكون كلها مصطنعة» (١٣).

ومع ذلك مضى الرجل ففسر هذه السورة ، كغيرها من كل سور القرآن الكريم، وفق هذه «الروايات المصطنعة»!

وكذلك كان الحال مع تفسيره لسورة «فصلت»، التي قال عن روايات أسباب نزولها: «وما ورد في بعضها من «أسباب نزول لا يعدو أن يكون عبارة عن التماس وقائع وأحداث «تصلح» أن تعتبر «أسباب نزول»، أي أدوات للشرح والإيضاح، والغالب ما يخلطون فيها بين المكي والمدني من النوازل ..» (١٤).

ثم يمضي «الجابري» في العديد من صفحات مشروعه الذي بناه على ترتيب كل القرآن وفق أسباب النزول، فيقول: «إن معظم الآيات التي يقال عنها: إنها نزلت بسبب «كذا»، لا شيء يثبت أنها نزلت فعلا بسبب ذلك، فلم يكن هناك تسجيل بهذا المعنى، بل كل ما هناك هو أن المهتمين بتفسير القرآن في مراحل لاحقة، كانوا يسألون الصحابة أو التابعين عن النوازل التي يمكن أن تكون لها علاقة بهذه الآية أو تلك، وهكذا فقولهم: إن الآية الفلانية «نزلت بسبب كذا» لا يعني بالضرورة أن الأمر كذلك بالفعل، كل ما هناك أن الآية قد تجد ما يعين على فهمها في هذه الحادثة أو تلك (۱٥) .. إن أسباب النزول، كما هي مدونة 

في التفاسير أو في الكتب الخاصة بها أو في كتب علوم القرآن»، تحمل الباحث الناقد على الشك في مصداقية كثير منها (١٦) .. وإن من مكامن الطعن في زوايا «أسباب النزول»: ضعف وسهولة الوضع، والزيادة والنقصان والاهتمام بالغريب العجيب وانتزاع آيات أو أجزاء منها من السياق الذي يعطيها معنى والإطار العام الذي تتدرج تحته .. (۱۷).

ثم يصل الجابري إلى القطع بأن: أسباب النزول هي في نهاية الأمر روايات آحاد، وأكثرها ظنون وتخمينات (۱۸).

هكذا نقض «الجابري غزله، وحكم على أن الأساس الذي أقام عليه «مشروعه – البدعة» لا يعدو أن يكون ضربا من «الظنون والتخمينات» عن أسباب نزول ما ندر من آيات القرآن الكريم!.

الهوامش

(١) الجابري: «مدخل إلى القرآن الكريم»، ص ٢٤٥.

(٢) «مونتجمري وات» «الإسلام والمسيحية في العالم المعاصر»، ص ۱۷۹، ترجمة: د. عبدالرحمن عبدالله الشيخ، طبعة مكتبة الأسرة، القاهرة، ٢٠٠٤م. 

(۳) الجابري: «في التعريف بالقرآن»، ص٤٢٠.

(٤) المرجع السابق، ص ٤٣٠.

(٥) الجابري: «فهم القرآن»، القسم الثالث ص ۳۷۰، بیروت، ۲۰۰۸م.

(٦) يلاحظ القارئ لكتاب «الجابري» الكم الهائل من التناقضات، التي تقطع بأن الرجل كان حاطب ليل في جمع مادة هذا الكتاب من على الشبكة الدولية للمعلومات، وقد ألجأته السرعة في إخراج كتابه هذا إلى عدم التمحيص ... وسيرى قارئ دراستنا والتدقيق.. هذه نماذج عديدة وغريبة من هذه التناقضات.

(۷) الواحدي: «أسباب النزول»، طبعة الحلبي، القاهرة، ١٩٦٨م.

(۸) السيوطي: «أسباب النزول»، طبعة دار التحرير، القاهرة، ١٩٨٤م.

وانظر كتابنا «سقوط الغلو العلماني» ص (٢٥٤ – ٢٦٢)، دار الشروق القاهرة ۲۰۰۲م.

(۹) «تفهيم القرآن»، القسم الأول، ص٣٦٥.

(۱۰) المرجع السابق، ص ٣٤١.

(۱۱) المرجع السابق، ص ٣٥٣.

(۱۲) المرجع السابق، ص ٣٥٤ .

(۱۳) تفهيم «القرآن»، القسم الثاني، ص۳۱ بيروت، ۲۰۰۸م.

(١٤) المرجع السابق، ص۱۱۰.

(١٥) المرجع السابق، ص۲۸٣.

(١٦) «تفهيم «القرآن»، القسم الثالث، ص٣٧١.

(۱۷) المرجع السابق، ص ۳۷۹.

(۱۸) المرجع السابق، ص ۱۰۹.


الرابط المختصر :