العنوان رد افتراءات الجابري على القرآن الكريم (۲من ٣) موقفه من «التراث»
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 06-أغسطس-2011
مشاهدات 59
نشر في العدد 1964
نشر في الصفحة 56
السبت 06-أغسطس-2011
- دعا في مشروعه الفكري إلى تدشين سلسلة من القطائع مع التراث ثم تجاوزه إلى تراث جديد مغاير
- أكد في كتاب « الخطاب العربي المعاصر أن الآليات الغربية هي سبيله لتحويل التراث الإسلامي إلى « أنقاض» !
- طالب بالتحرر من عناصر المرجعية التراثية.. ومن بينها العقيدة والشريعة واللغة والسياسة !
- لم يدع مجالًا للبس في تحديد مقاصده من وراء مشروعه النقد التراث وتفكيك بنيته !
سبق أن أشرنا إلى بحث «د. محمد عابد الجابري» الذي قدمه إلى ندوة «الحوار القومي الديني»، التي عقدها مركز «دراسات الوحدة العربية »في ٢٥ - ٢٧ سبتمبر عام ۱۹۸۹م، وإلى الخلاف الذي حدث بيني وبينه حول مقولته: «العودة إلى التراث وإستيعابه لتجاوز كل التراث»، وكيف أنني اعترضت بشدة على الدعوة إلى «تجاوز كل التراث»، وهو ما لم تفعله أمة أو حضارة لها تراث، فضلًا عن أن تكون هذه الأمة والحضارة هي الأمة الإسلامية، التي تميز تراثها بصبغة إسلامية صنعتها المعايير التي جاء بها ديننا الحنيف.
وكأن «الجابري» قد أخذ بتسليط الضوء على مقولته تلك التي لا تحيي التراث، ولا تقف عند نقده أو الإنتقاء منه مع تجاوز بعضه، وإنما تقيم قطيعة مع هذا التراث الأمر الذي يقيم فراغًا في مساحات الماضي يؤدي - حتمًا - إلى أن يملأه الآخرون.
وتلك هي التجربة المرة والمأساوية لأمتنا - ولغيرها من الأمم - التي ابتليت بالتغريب الذي جاءنا في ركاب الغزاة الأوروبيين... فالقطيعة مع اللغة القومية أحدثت الفراغ الذي ملأته اللغات الأوروبية، والقطيعة مع الفلسفة الإسلامية (علم التوحيد) ملأت فراغنا بالفلسفات الأوروبية الوضعية والمادية اللادينية، والقطيعة مع الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية ملأت فراغنا بالقوانين الوضعية الأوروبية اللادينية.
تجاوز وقطيعة
وهكذا كانت القطيعة مع التراث - أي« تجاوزه» بعبارة «الجابري» - السبيل إلى أن نستبدل تراث الغزاة بتراثنا ؛ لأنه لا يمكن لأمة من الأمم أن تعيش بدون تراث، وأن تترك ماضيها ومرجعيتها «فراغًا»... فالفراغ في العلم مستحيل الوجود ... وكما قال أحد العارفين بالله: «القلب كالإناء، إن لم يملأه ماء الحكمة والمعرفة ملأه هواء الجهل والعصيان»! وماضي الأمة مثل قلبها، إن لم يملأه تراثها بخصوصياته المتميزة ملأه تراث الآخرين الغرباء!
لكن.. رغم هذه الحقيقة التي تبلغ حد البداهة، مضى «الجابري» في مشروعه الفكري - رغم «وطنيته» و«قوميته» - في طريق الدعوة إلى« تجاوز كل التراث»! فقال في كتابه «حوار الشرق والغرب»: «إن الحداثة تبدأ باحتواء التراث وإمتلاكه؛ لأن ذلك وحده هو السبيل إلى تدشين سلسلة من« القطائع» معه إلى تحقيق تجاوز عميق له، إلى تراث جدید نصنعه، تراث جديد فعلًا ». فالتجاوز للتراث عند الجابري هو تجاوز عميق!
نقض منهجي
وقال كذلك في كتابه «إشكالية الفكر العربي المعاصر»: «إن الإبداع، بمعنى التجديد الأصيل، لا يتم إلا على أنقاض قديم وقع إحتواؤه وتمثله وتجاوزه بأدوات فكرية معاصرة ».
ولم يدع «الجابري» مجالًا للغموض حوله تحديد ماهية هذه« الأدوات الفكرية المعاصرة» التي دعا إلى اتخاذها واستخدامها لتجاوز كل تراث الإسلام، بل أعلن الرجل في كتابه «الخطاب العربي المعاصر : دراسة تحقيقية نقدية» أن الآليات الغربية هي سبيله لتحويل تراثنا الإسلامي إلى «أنقاض»وإلى تجاوز هذه «الأنقاض »كلها على نحو عميق! ونص عبارته: «سيلاحظ القارئ أننا نوظف مفاهيم تنتمي إلى فلسفات أو منهجيات أو قراءات مختلفة متباينة، مفاهيم يمكن الرجوع ببعضها إلى «كانت» (١٧٢٤-١٨٠٤م)، أو «فرويد» (١٨٥٦ - ١٩٣٩م)، أو «باشور» (١٨٨٤ - ١٩٦٢م)، أو «التوسير» (۱۹۲۱- ۱۹۹۰م)، أو «فوكون» (١٩٢٦- ١٩٨٤م)، بالإضافة إلى عدد من المقولات الماركسية، التي أصبح الفكر المعاصر لا يتنفس بدونها ».
تلك هي المفاهيم والمناهج التي اعتمدها «الجابري»، واستخدمها لتحويل تراث الإسلام إلى «أنقاض»، وذلك لتجاوز هذه «الأنقاض»!
صحيح - كما قال - أن هناك تباينًا بين هذه المفاهيم والمناهج، لكن الجامع بينها جميعًا هي أنها غربية !وأنها قد أقامت قطيعة معرفية كبيرة بين الحداثة الأوروبية وبين التراث الديني على وجه الخصوص! ويمضي «الجابري» في هذا الطريق عن «ضرورة الأخذ بالحداثة الأوروبية في مختلف الميادين»!
تحليل البنية
ولأنه تحدث كثيرًا في مشروعه الفكري عن «بنية التراث»، و«تحليل هذه البنية» «وتفكيكها» ... فقد تكرّم على قرائه فصارحهم وأوضح لهم مقاصده من وراء هذه المصطلحات فإذا هذه المقاصد هي «تحليل بنية التراث للقضاء عليه، ونسخ ثوابت الهوية، بما فيها الدين»!
وحتى لا يتوهم القارئ أننا نبالغ في تصویر مقاصد الرجل أو «نؤول» كلامه، فإننا نقدم عباراته هو ، التي يقول فيها : «كيف نتحرر من سلطة التراث علينا ؟ تلك هي مهمة المنهج الذي نقترحه، إنه منهج تحليلي.. بمعنى تحليل البنية.
إن تحليل البنية معناه القضاء عليها بتحويل ثوابتها إلى تحولات ليس غير، وبالتالي التحرر من سلطتها وفتح المجال الممارسة سلطتنا عليها، هذا النوع من التحليل هو ما أسميه «بالتفكيك».. تفكيك العلاقات الثابتة في بنية ما يهدف تحويلها إلى بنية، إلى مجرد تحولات، وهذا يندرج تحته، كما هو واضح تحويل الثابت إلى متغير والمطلق إلى نسبي واللا تاريخي إلى تاريخي، واللازمني إلى زمني ».
هكذا، نجد أنفسنا أمام المنهج التفكيكي «الصارم والصادم»!، الذي يستخدم« التفكيك العبثي والعدمي» لما بعد الحداثة.. تفكيك كل شيء في ميراثنا الإسلامي، بما في ذلك «المطلق» (الدين)، واللاتاريخي (الثوابت) واللازمني (الخالد ) .. تفكيك كل ذلك بتحويل المطلق إلى نسبي، واللاتاريخي إلى تاريخي واللازمني إلى زمني .. كل ذلك للتحرر من هذا التراث، وتحويله إلى أنقاض، وتجاوزه كله ... لا إلى المجهول، وإنما إلى البضاعة الجاهزة المعلبة التي تزاحم بضاعتنا، وتحاول أن تغلبنا على هويتنا منذ قرنين من الزمان!
نفق مظلم
و«الجابري»- وتلك فضائله - لا يدع مجالًا للبس في تحديد مقاصده من وراء مشروعه لنقد التراث وتفكيك بنيته.. فهو في النص الذي سقناه للتو، قد أعلن أن التفكيك والتجاوز لا يستثني الدين «المطلق» و«اللا تاريخي» و«اللازمني» الذي سبق وأخرجه من إطار التراث .. ولذلك رأيناه يلح على هذه الفكرة الشاذة التي سبق وقدمها التنويريون الغربيون إزاء تراث الغرب الديني( اليهودية والنصرانية) عندما استبدلوا - بالتأويل -«دين الحداثة الطبيعي» بالدين الإلهي!
لا يدع «الجابري» مجالًا للبس في أنه يسير - بإزاء الإسلام - في هذا الطريق ويسعى ليدخل بنا في هذا النفق المظلم الذي تعاني منه أوروبا في هذه الأيام، بعد أن ضلت «الحداثة المسيحية»، ثم عجزت عن أن تجيب على الأسئلة الأبدية للإنسان، وعن أن تمنحه طمأنينة الإيمان الديني، وفقدت أوروبا «فراغًا دينيًا»، تتمدد فيه - لتملأه - مختلف العقائد: بما في ذلك الإسلام.
وبعبارة القس الألماني عالم الإجتماع «زد. جوهر إيدكومزلن»: «لقد مثلت العلمنة : تراجع السلطة المسيحية، وضياع أهميتها الدينية وتحوّل معتقدات المسيحية إلى مفاهيم دنيوية، والفصل النهائي بين المعتقدات الدينية والحقوق المدنية، وسيادة مبدأ : دين بلا سياسة، وسياسة بلا دين».
لقد نبعت العلمانية من التنوير الغربي وجاءت ثمرة الصراع العقل مع الدي وانتصاره عليه بإعتباره مجرد أثر لحقبه من حقب التاريخ البشري، يتلاشى باطراد في مسار التطور الإنساني.
ومن نتائج العلمانية: فقدان المسيحية لأهميتها فقدانًا كاملًا، وزوال أهمية الدين كسلطة عامة لإضفاء الشرعية على القانون والنظام والسياسة والتربية والتعليم، بل وزوال أهميته أيضا كقوة موجبة فيما يتعلق بأسلوب الحياة الخاص للسواد الأعظم من الناس وللحياة بشكل عام .. فلسفة الدولة - وليست الحقيقة - هي التي تصنع القانون، وهي التي تمنح الحرية الدينية.
وقد قدمت العلمانية الحداثة باعتبارها دينا حل محل الدين المسيحي، يفهم الوجود بقوى دنيوية، هي العقل والعلم.
لكن.. بعد تلاشي المسيحية سرعان ما عجزت العلمانية عن الإجابة على أسئلة الإنسان التي كان الدين يقدم لها الإجابات فالقناعات العقلية أصبحت مفتقرة إلى اليقين، وغدت الحداثة العلمانية غير واثقة من نفسها، بل وتفككت أنساقها العقلية والعلمية فدخلت الثقافة العلمانية في أزمة بعد أن أدخلت الدين المسيحي في أزمة ... فالإنهاك الذي أصاب المسيحية أعقبه إعياء أصاب كل العصر العلماني الحديث، وتحققت نبوءة «نيتشه» (١٨٤٤ - ١٩٠٠م) عن «إفراز التطور الثقافي الغربي لأناس يفقدون« تجمعهم »الذي فوقهم، ويحيون حياة تافهة ذات بعد واحد لا يعرف الواحد منهم شيئًا خارج نطاقه»... وبعبارة «ماكس غير» (١٨٦٤ -۱۹۲۰ م) «لقد أصبح هناك أخصائيون لا روح لهم، وعلماء لا قلوب لهم»!
أهداف ومقاصد
ولأن الإهتمام الإنساني بالدين لم يتلاش بل تزايد، وفي ظل انحسار المسيحية، انفتح باب أوروبا لضروب من الروحانيات وخليط من العقائد الدينية لا علاقة لها بالمسيحية ولا بالكنيسة من التنجيم إلى عبادة القوى الخفية والخارقة والاعتقاد بالأشباح وطقوس الهنود الحمر، وروحانيات الديانات الآسيوية، والإسلام الذي أخذ يحقق نجاحًا متزايدا في المجتمعات الغربية.
لقد أزالت العلمانية السيادة الثقافية للمسيحية عن أوروبا، ثم عجزت عن تحقيق سيادة «دينها » العلماني مع الإنسان الأوروبي عندما أصبح معبدها العلمي عتيقًا .. ففقد الناس «النجم» الذي كانوا به يهتدون «وعد الخلاص المسيحي .. ثم وعد الخلاص العثماني»! .
هذا هو الطريق أو النفق المظلم الذي أدخل التنوير الغربي أوروبا والمسيحية فيه والذي مثل كارثة قاتلة للمسيحية، ثم للعلمانية أيضًا.
ولا يدع« د. الجابري» مجالًا للبس في أنه يسير في هذا الطريق البائس، وإلى هذا النفق المظلم فيقول: « ينبغي تحويل العقيدة إلى رأي»! ... ثم يزيد الطين بلة، عندما يعلن أن دعوته تلك إلى تجاوز كل التراث والتحرر منه، لا تقف عند العقيدة وهي أم الثوابت وأس القواعد في دنيانا وآخرتنا ... وإنما يضيف إليها كل الثوابت التي تجعل منا أمة متميزة حضاريًا، وذات مناعة تجعلها مستقصية على اجتياح التغريب الذي يسعى إلى نسخ ومسخ وتشويه ثوابت الهوية التي تأسست على قواعد الإسلام.. فيقول: « اللغة والشريعة والعقيدة والسياسة، في الماضي والحاضر، هي العناصر الرئيسة التي تتكون منها المرجعية التراثية، التي قلنا : إنه لا سبيل إلى تجديد العقل العربي إلا بالتحرر منها».
ولم يقل لنا «الجابري» - عفا الله عنه- من الذي سيصنع لنا البديل عن هذه العناصر الرئيسة التي تتكون منها مرجعيتنا التراثية وإن كان قد سبق وأعلن عن منهجية صناعة هذا «البديل» منهجية: «كانت» و«فرويد» و» باشلاء» و«ألتوسير»، و«فوكون» و«كارل ماركس» (۱۸۱۸- ۱۸۸۳م).. فلم يدع الرجل مجالًا للشك في نوعية المقاصد التي سعى إليها من وراء نقده وتفكيكه لتراث الإسلام.
قطيعة معرفية
لقد أقامت الحداثة الغربية - التي دعا «الجابري» إلى «ضرورة الأخذ بها في مختلف الميادين» - أقامت قطيعة معرفية كبرى مع موروثها« الديني اليهودي.. النصراني»، لكنها أحيت وجددت مواريثها الإغريقية الرومانية في الفلسفة والقانون والعلوم والآداب والفنون، وأسست نهضتها الحديثة على «كلاسيكية» هذه المواريث.. أي إنها لم تقم قطيعة مع كل مكونات مرجعيتها التراثية... أما «الجابري»، فإنه - وبنصوص عباراته - قد دعا إلى«تدشين سلسلة من القطائع مع العناصر الرئيسة التي تتكون منها المرجعية التراثية.. بما في ذلك :اللغة والشريعة والعقيدة والسياسة» !
وهكذا .. فبرغم «عروبة الرجل» و«قوميته العربية»، إلا أنه وضع اللغة ضمن العناصر المطلوب التحرر منها »!... ورغم إسلام الرجل، فقد وضع« العقيدة والشريعة» في هذا الإطار أيضًا !
ويبدو - والله أعلم - أنه قد حسب كل ذلك من صناعة« الأعراب»، عندما قال: «إن الأعرابي هو صانع العقل العربي !.. فدعا -سامحه الله - إلى إلقاء كل ذلك في سلة مهملات التاريخ!.. وهي دعوة لا أظن أنه قد سبقه إليها أحد من الحداثيين والعلمانيين اللهم إلا «سلامة موسى» (۱۸۸۸ - ۱۹۵۸م) على وجه التحديد .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل