العنوان ردًا على محمد حسنين هيكل: حادث المنشية وعقدة الذنب
الكاتب د عبد الله رشوان
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يناير-1987
مشاهدات 61
نشر في العدد 799
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 06-يناير-1987
الحادث الذي وقع بميدان «المنشية» بالإسكندرية عام ١٩٥٤ يمثل بداية الانطلاقة المسعورة المتحللة من أي قيد أو رادع أخلاقي أو ديني أو وطني أو إنساني، إذ نزل التعذيب والقهر والاذلال على رأس الشعب المصري مبتدئًا بجماعة الإخوان المسلمين في خسة ونذالة وقذارة وقسوة لم تر البشرية له نظيرًا على كثرة ما عانت من ظلم الطغاة وعنت المتجبرين، بما أصبح يشكل «بطحة» غائرة لا تندمل على رأس ذاك العهد البغيض، بحيث أصبحنا نرى سدنة وكهنة ذاك الزمان ومن أفرزتهم أيامه واستفادوا من فتات موائده ما أن تمس بؤرة ذاك الجرح أو يذكر حادث «المنشية» عرضًا حتى ينتفض الواحد منهم كمن لدغته أفعى فيروح يهذي ويرغي و يزيد و يرتجف ثم يهمد إلى حين، كالكاتب الذي راح يتهكم على الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله يوم قال عن حادث «المنشية» إنه «تمثيلية» ومن هذه الحاشية والبطانة من لا يكتفي بالسكوت حتى يثار فتتحرك عنده عقدة الذنب، بل يبادر باستغلال أي مناسبة ويحشر مثل موضوع المنشية وما تلاه من مظالم ويروح يدافع عن قضية خاسرة فيسيء من حيث يريد أن يحسن كمن استخف يومًا بعقول الناس فقال في مقالاته عن هزيمة أو نكبة أو عار «5 يونيو» التي سموها «نكسة» إن عدونا لم ينتصر في تلك الحرب لأنه لم يحقق هدفه الذي كان إسقاط عبد الناصر ونظامه وما دام عبد الناصر لم يسقط فالعدو لم ينتصر، ثم يترك الكاتب للبسطاء أمثالنا أن نفهم ونستنتج أنه ما دام عدونا لم ينتصر في حربه ضدنا فنكون نحن قد انتصرنا!! وهيكل يعرف طبعًا هذا الكاتب الذكي.
واليوم نجد الأستاذ محمد حسنين هيكل يكتب في الأهرام «وبعض الصحف العربية كالقبس الكويتية» حلقات تحت عنوان ملفات السويس وحرب السويس سنة ١٩٥٦، ولكنه وبغير مناسبة يخرج عن هذا الإطار في حلقة يوم 26/١٠/86 ويقحم موضوع الإخوان، وذكر «حادث المنشية» وأورد معلومات واستنتاجات فيها الكثير من إبراز غير الصحيح وحجب الصحيح الذي يجب أن يقال، تغليفًا للفكرة التي يريدها دفاعًا عن ذاك العهد وصاحبه بما يناسبها ويؤيدها فهو يقول:
«أقدم شاب ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين اسمه محمود عبد اللطيف على إطلاق النار على جمال عبد الناصر بينما هو يخطب بالمنشية بالإسكندرية يوم ٢٦ نوفمبر ١٩٥٤، وأطلق الشاب ست رصاصات من مسدسه على جمال عبد الناصر وهو يخطب على المنصة في شرح تفاصيل اتفاقية الجلاء، ونجا جمال عبد الناصر بشبه معجزة فإن الرصاصات الست أصابت بعض من كانوا حوله، ولكن أيًا منها لم تصل إليه».. ويريد الأستاذ هيكل في روايته أن يتركنا نستنتج بعد ترسيخ الواقعة أن عبد الناصر كانت تحوطه العناية الإلهية فقد نجا «بشبه معجزة» ما دامت الرصاصات الست التي أطلقها الجاني عليه أخطأته وأصابت من حوله ثم يضيف أن موقف عبد الناصر عقب الحادث كان «صورة للشجاعة الإنسانية» إذ قال في هذه اللحظة المثيرة «إذا قتل جمال عبد الناصر فكلكم جمال عبد الناصر» وحجب ما قاله عبد الناصر وقتها مخاطبًا الشعب المصري «خلقت فيكم العزة والكرامة» كأننا كنا قبله قطيعًا لا نعرف العزة ولا الكرامة فخلقها فينا خلقًا، ونعوذ بالله ثم ينقلنا الأستاذ هيكل إلى موضوعات هامشية كالخلافات داخل الإخوان ومع عبد الناصر، ثم يعود إلى حادث المنشية قائلًا: «وحين انطلقت الرصاصات الست على جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية ثم انكشفت شخصية الفاعل فقد أصبح الصدام بين الثورة وبين الإخوان المسلمين محققًا» ثم نرى عنوانًا ضخمًا على رأس كلام هيكل يقول «خطاب من الهضيبي إلى عبد الناصر: استنكر ما قالوه ضدك ولا أقرهم عليه» و يورد نص هذا الخطاب.. وفي آخر الصفحة وبالخط العريض نقرأ عبارة «نص الاعترافات التي كتبها محمود عبد اللطيف وقدمها إلى محكمة الشعب»، مع نص خطاب هذه الاعترافات المزعومة، ثم صورة لمحمود عبد اللطيف وتحتها عبارة «أثناء المحاكمة» وصورة «عبد الناصر يخطب في ميدان المنشية قبل إطلاق الرصاص عليه». ولا ينسى هيكل بذكائه السذج أمثالنا فيدغدغ عواطفنا ويربت على خدودنا بعبارة كتبها في آخر هامش بنهاية الصفحة وبخط وبنط صغير لا يقرأ إلا بعدسة مكبرة يقول فيه لا بد من القول إحقاقًا للحق أن الأحكام التي صدرت في قضية محاولة الاغتيال كانت شديدة القسوة ولم تقتصر على الفاعلين والمحرضين مباشرة، وإنما وصلت إلى ما فوقهم بكثير. كذلك من سوء الحظ فإن أجهزة الأمن الرسمية في الدولة كانت معبأة ضد الإخوان».. ثم يقول في نهاية هذا الهامش إن هذه «قضية لا بد أن توضع يوما لتحقيق نزيه يبحث المقدمات والملابسات والنتائج ويلقي ضوءًا على منطقة شك وحيرة في أعماق الضمير المصري».
ويريد الأستاذ هيكل من كل هذا العرض وبهذا الأسلوب المرتب والمنسق أن يلوي عنق الحقيقة ويقنعنا بمنطقه وأسلوبه أن حادث المنشية صحيح وبالشكل الذي أورده وأن النتائج والمحاكمات كانت صحيحة وأن الإخوان اخطأوا وأن عبد الناصر كان محفوفًا بالعناية الإلهية وكانت تصرفاته سليمة وبريئة، وليس في الأمر كله من جانب النظام ما يشن إلا فقط قسوة محكمة الشعب في أحكامها «وليس من قضاتها جمال عبد الناصر» ولم يذكر هيكل أن مجلس قيادة الثورة برئاسة عبد الناصر كان هو الذي شكل هذه المحكمة وصدق على أحكامها القاسية بل الظالمة، وهو الذي أعطى إشارة التنفيذ، وكان يملك ألا يفعل.
ومن بديهيات العدالة وصحائف التاريخ وموسوعة الأيام التقط فقرات بسيطة وموجزة أرد بها على الأستاذ هيكل وأقول له إن كل ما ذكرته عن حادث المنشية وما حوله وما تبعه غير صحيح، لا في الوقائع ولا في النتائج ولا في الاستنتاجات حتى مع إقرارك بقسوة أحكام محكمة الشعب وظلمها لأنها ليست أحكامًا ولا هذه محكمة.
وإليك البيان:
1- واقعة المنشية كما حدثت أن عبد الناصر كان يخطب في ميدان المنشية بالإسكندرية مساء الثلاثاء ٢٦ أكتوبر ١٩٥٤ «وليس ٢٦ نوفمبر كما يقول هيكل» وأمامه حشد من الجماهير وإذا برجل يقف «وكان قريبًا جدًا من المنصة التي يخطب عليها عبد الناصر» ويرفع يده إلى أعلى وأطلق في الهواء رصاصات أصابت بعض اللمبات الكهربائية المعلقة في أسلاك ممتدة فوق رؤوس الناس فتناثر زجاجها، وحدث هرج وراح عبد الناصر يردد عبارات منها... «خلقت فيكم العزة والكرامة.. إذا مات عبد الناصر فكلكم عبد الناصر» ولم تصب الرصاصات التي أطلقها الرجل أي واحد من الناس لا حول عبد الناصر ولا غيرهم «وقالت بعض الصحف في اليوم التالي إن الأعيرة أطلقها أكثر من واحد» وأطالب الأستاذ هيكل أن يذكر أسماء من أصابتهم تلك الرصاصات أو حتى رصاصة واحدة منها. ولو أراد ذلك الرجل أن يصيب عبد الناصر برصاصاته لأصابه في مقتل إذ كان قريبًا منه وفي مواجهته. وبعد ذلك جاءوا لعبد الناصر في مكان آخر ذهب إليه بعد الحفل بالشاب محمود عبد اللطيف قائلين إنه هو الذي أطلق الرصاص. وتحمس الشيخ الباقوري الذي كان حاضرًا هذا اللقاء وراح يردد أبياتًا من الشعر منها فقرة تقول «أريد حياته و يريد قتلي»... ومنذ هذه اللحظة اختفت الحقيقة تمامًا وأهدرت القوانين القائمة في الدولة من عقوبات وإجراءات وغيرها، وضاعت جميع الأصول المجمع عليها عند جميع البشر، فلا تحقيق ولا شهود ولا قضاء ولا محاكمة، بل انقلب الوضع إلى صورة أخرى محزنة وغريبة إذ انطلقت الزبانية من مكامنها وراحت تعربد بطريقة مرتبة وتهاجم الإخوان وشعبهم وتخربها وتحرقها، وهاجموا المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة وأحرقوه بما فيه من مصاحف وكتب دينية. وتولى كبر هذه الأفعال المشينة مجموعة من الضباط، منهم من شغل بعد ذلك أكبر المناصب وتولى الوزارة، ومنهم من يلبس اليوم مسرح الوطنية المتطرفة على مسرح الأحزاب الحكومية والمعارضة على سواء. وما أكثر ما أذكر من حادثات وآلام تلك الأيام، التي أدعو الله ألا يرزأ بمثلها شعبنا بعد ذلك، ولا أي شعب آخر على وجه الأرض. ومن الغرائب وقتذاك أن يفاجأ الناس بعد أسبوع من حادث المنشية بالصحف تنشر في صفحاتها الأولى وبالعناوين الضخمة والصور حكاية مثيرة للسخرية مضمونها أن عاملًا نوبيًا اسمه «خديوي آدم» عثر على المسدس الذي استعمله محمود عبد اللطيف في الاعتداء على جمال عبد الناصر، ومن شدة وطنية هذا العامل وحبه للزعيم أبى إلا أن يأتي بالمسدس من الإسكندرية إلى القاهرة جريًا ومشيًا وهرولة، ولم يقبل أن يركب سيارة أو قطارًا أو حتى حمارًا، وذهب إلى الزعيم عبد الناصر في بيته بمنشية البكري، وهناك استقبلوا بطل الجري آدم استقبال الأبطال وفي مقدمة المستقبلين عبد الناصر الذي سلم على البطل والتقطت الصور الكثيرة وأذيع الخبر على أوسع نطاق. ثم تبين بعد ذلك أن مسدس آدم لم يستعمل في حادث المنشية لاختلاف عياره عن عيار الطلقات الفارغة التي ضبطوها في مكان الحادث.
وهنا «كفوا عن الخبر ماجور» كما يقول المثل العامي، لاختلال الحبكة في هذه الجزئية من المسرحية. وهل يكون الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله قد جافى الحقيقة يوم وصف حادث «المنشية» بأنه «تمثيلية»؟! وهل يكون الأستاذ هيكل محقًا وهو يقول في هامشه إنه جاء بمصر من شككوا في هذا المشهد ويصورونه على أنه مسرحية رتبها جمال عبد الناصر ليضرب عصفورين بحجر: يحصل لنفسه على شعبية بين الناس ويتخذ لنفسه ذريعة لضرب جماعة الإخوان المسلمين أو ليس هذا هو الهدف فعلًا من هذه المسرحية الهزيلة؟! وإذا كان الأمر حقيقة غير ذلك فلماذا لم يتركوا الموضوع لجهات الاختصاص القائمة كي تتولى التحقيق والمحاكمة وتوقيع العقاب، أو حتى مرحلة التحقيق الأولى التي تسجل النيابة العامة فيها كافة الحقائق والوقائع. وليس الأستاذ هيكل يكتب لنا قصة «البطل آدم» كما سجلوها، وحتى يتعلم أطفالنا درسًا وصفحة من تاريخ بلادهم.
2 - ونمضي مع الأحداث فتجد رجال السلطة فور حادث المنشية أخذوا محمود عبد اللطيف وباقي قادة الإخوان ومنهم الأستاذ الهضيبي وادخلوهم إلى جحيم السجن الحربي بسياطه وكلابه وعذابه بألوانه البشعة، وادخلوا معهم عشرات الألوف وكنت واحدًا منهم وكان قد سبقنا إليه وقبل حادث المنشية غالبية قادة الإخوان ومنهم الشهيد عبد القادر عودة. والكل يجبر كل صباح ووسط العذاب على ترديد أغنية «يا جمال يا مثال الوطنية أجمل أعيادنا القومية بنجاتك يوم المنشية» إلى هذا الحد من الصغار والتفاهة بلغ حكامنا وثوارنا!! وكم من شهيد سقط فينا مقتولًا من هذا العذاب ودفنوا حطامه في أحشاء الرمال. وكان الضحية ما أن يدخل من البوابة السوداء للسجن الحربي حتى يجرد من كل شيء حتى ثيابه بكاملها، يعني لا ورق ولا قلم ولا شيء إطلاقًا ثم يدخلونه في الأتون والعذاب المستمر ليلًا ونهارًا، وهناك يسهل استكتابه أي كلام وإجباره على أي اعتراف. وهيكل يتجاهل ويتجاوز هذا كله مما يعلمه يقينا، ويشير إلى خطاب قال إن محمود عبد اللطيف كتبه كاعتراف قدمه إلى محكمة الشعب، ويجعله هيكل ضمن أسانيده التاريخية ووثائق كتابه. ومثل هذا الخطاب المكتوب في هذه الظروف لا يعد في ميزان الاعتراف عند جميع رجال العلم والعدالة والقانون والقضاء بأكثر من قصاصة ورق مكانها سلة المهملات.
3- أما تلك المسماة «محكمة الشعب» فهي المهزلة الكبرى، إذ اجتمع مجلس قيادة الثورة برئاسة جمال عبد الناصر يوم أول نوفمبر ٥٤ وأصدر كلامًا سموه قانونًا، وهو في الحقيقة أضحوكة في تاريخ القوانين، إذ نصوا فيه على تشكيل ما سموه «محكمة الشعب» من ثلاثة منهم برئاسة جمال سالم وعضوية أنور السادات وحسين الشافعي، لا صلة لهم بالقانون ولا بالقضاء، وأعطوا هذه المحكمة المسخ الحق في أن تحاكم من تشاء على أي فعل تشاء وأن تطبق من الإجراءات ما تشاء وتنزل من العقوبات ما تشاء!! وسموا هذا قانونًا. وسارت المحاكمات أمام هذه المحكمة التي تعد سبة في تاريخ القضاء والعدالة ورأينا فيها عجبًا الجلسات تدار بغير عقل، وكل من الثلاثة فاقد لأبسط صفات القاضي، والقرآن يستهزئ به علنًا، وسورة آل عمران سموها سورة «آل كابوني» والفاتحة تقرأ بالمقلوب، والمتهم فاقد لكل الضمانات ويأتي أمامهم وقد تحطمت عظامه وتهرأ جلده من التعذيب وجلسات كلها مهازل نشروها في كتب حوت ١٦٥٠ صفحة. ويوم السبت ٤ ديسمبر ٥٤ حكموا بالإعدام ووافق مجلس قيادة الثورة برئاسة عبد الناصر على هذه الإعدامات مع السجن المؤبد للأستاذ الهضيبي، وأمر بتنفيذ الإعدام وتم ذلك فجر الثلاثاء ٧ ديسمبر ٥٤ في الشهداء الستة عبد القادر عودة ومحمد فرغلي وإبراهيم الطيب ويوسف طلعت وهنداوي دوير ومحمود عبداللطيف رحمهم الله ثم توالت الأحكام الظالمة ومن دوائر أخرى شكلها مجلس قيادة الثورة.
«يتبع»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل