; رسائل الحبيب صلى الله عليه وسلم.. لم أحببنا كعبا!؟ | مجلة المجتمع

العنوان رسائل الحبيب صلى الله عليه وسلم.. لم أحببنا كعبا!؟

الكاتب د. حمدي شعيب

تاريخ النشر السبت 23-يوليو-2011

مشاهدات 62

نشر في العدد 1962

نشر في الصفحة 54

السبت 23-يوليو-2011

سيدي الكريم.. هكذا فهمنا رسالتكم الطيبة أيها الحبيب صلوات الله عليك وسالمه: وهي أن التحرك لنصرة دين الله لم يعد نقال المسلمون فيه على الخيار بل هو على الوجوب، دائر فيما هو معلوم من الدين بالضرورة من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق.

وهذا التحرك المبارك له خاصية متميزة، فالإنسان فيه يأخذ من خلال عطائه للآخرين، وهذه الطبيعة تأتي متناسقة مع خلق الله العظيم ﴿ وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةٗ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ ﴿٨٨﴾﴾ (النمل).

الحركة.. وحكمة التمايز

ومن خلال هذه الحركة وما تقتضيه من جهد وبذل تجري حكمته تعالى: وهي ضرورة التمايز: لأنه: ﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ﴿١٧٩﴾ (آل عمران).

فيتميز الصف فيبرز:

 1- صنف عالي الهمة :

مثل عمر الذي قال لمعاوية بن خديج عندما جاء مبشرًا بفتح الإسكندرية «لئن نمت النهار لأضيعن الرعية، ولكن تمت الليل لأضيعن نفسي فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية» وتدبر ما حدث مع موسى عليه السالم عندما صعد الجبل وترك قومه في أسفله وترك عليهم هارون عليه السالم نائبًا عنه.

وعليه الشوق لملاقاة ربه، فتعجل اللقاء، ولم يشفع له حسن النية في الخلوة بربه، فأوقفه الله عز وجل موقف الحساب والمؤاخذة بأسره ضل بغيابه عنهم  ﴿إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ﴿٧٣﴾ إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ﴿٧٤﴾ وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ ﴿٧٥﴾ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ﴿٧٦﴾﴾ (طه).

هكذا فإن الأعمال الكبار يطلب لها كبار الرجال، قال رجل لعبد الله بن عباس: أتيتك في حاجة صغيرة قال: فاطلب لها رجيال صغيرًا

2- صنف ضعيف الهمة

يراوح في القاع ويصرخ عند الملمات معتذرًا ومتحججًا  ﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ﴿٨٧﴾ لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ جَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡخَيۡرَٰتُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ﴿٨٨﴾﴾ ( التوبة).

  فهم قد جاؤوا ليتخاذلوا ويعتذروا ويطلبوا أن يقعدوا مع النساء لا يذودون عن حرمة ولا عن سكن غير مستشعرين ما في هذه القعدة الذليلة من صغار مادام فيها السلامة ولا يحسون العار، فالسلامة هدف الراضين بالدون.

3- الصنف الوسط

وهو يقع بين هذين الصنفين السابقين: وهو الذي يتحرك حاملًا عامل السمو والرقي أي إيمانه فيقوده إلى مرضاة ربه.

وفي الوقت نفسه يحمل عامل النقل والجذب إلى أرضيته أي واقعيته البشرية التي يحاول عن طريقها العدو اللدود إبليس أن بيبث أعاصير الشر وجواذب القعود ويصف هذه التجربة المريرة كعب رضوان الله عليه فيقول: وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوه هكذا أخطأ وسقط .. ثم وقف بعد السقوط، وكان الصدق مع النفس ومعك أيها الحبيب وعن هذه الحالة التي تعتري المسلم والتي تأتي من باب الإبتلاء بالرخاء بالخير كما يتضح من قوله تعالى﴿ كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ﴿٣٥﴾ ﴾(الأنبياء) وذلك لأن الإبتالء بالخير أشد وطأة، وإن خيل للناس أنه دون الإبتلاء بالشر.. إن كثيرين يصمدون للابتلاء بالشر ولكن القلة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير كثيرون يصبرون على الكفاح والجراح، ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الدعة والمراح.

إن الشدة تستحث الهمم والمقاومة وتعبى القوى أما الرخاء فيرخي الأعصاب وينيم المقاومة ويخدر القوى.

منهجية كعبية واقعية رائعة

سيدي لكم دعونا وطمحنا وحلمنا أن ترتقي إلى درجة الصنف الأول وكم دعونا أن يعافينا الحق سبحانه من سلوكيات وسقطات الصنف الثالث ولكن كم أحببنا صاحبك الجليل كعب ووجدنا فيه أنفسنا، والتحمت شخصياتنا بشخصيته، وتعاطفنا معه بقلوبنا في محنته، وأحسسنا أن من حكمته سبحانه أن يحدث له ما حدث لكي يضع أمامنا تجربة بشرية واقعية في كيفية النهوض بعد الإنكفاء والنجاة بعد السقوط، والرقي بعد الفتور.

رسائل تربوية

وفي تعاملك معه أيها الحبيب، بل وكل من شاركه في محنته سواء بالإيجاب أو بالسلب وصلتنا هذه الرسائل التربوية:

1- هؤلاء الأصناف المذكورون يضمهم الصف المسلم على رحابته واستيعابه للجميع ولكن لكل مكانه، ولكل بذله، ولكل مصيره ودرجته

﴿فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّمَّا يَعۡبُدُ هَٰٓؤُلَآءِۚ مَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبۡلُۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمۡ نَصِيبَهُمۡ غَيۡرَ مَنقُوصٖ ﴿١٠٩﴾ ﴾ (هود).

2- ولقد تأثرنا كثيرًا بموقفك الراقي الذي وصفه لنا كعب مرة: ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداء ونظره في عطفيه- أي منعه من الخروج إعجابه بنفسه ولباسه و برداه مثنى برد وهو الكساء، وعطفيه مثنى عطف وهو الجانب فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت. والله يا رسول الله ما علمنا عليه الإ خيرًا، فسكت رسول الله، هكذا كان صمتك أيها الحبيب التربوي، وعدم تعليقك على من انتقص أو الذي انتصر لأخيه.

لتعلمنا أن أي تجمع بشري ولو كان من خير البشر؛ يشمل كل الفئات البشرية بواقعيتها وسموها للتجنب الخطأ وتقلد الصواب.

3- كم هو رائع هذا الفذ معاذ بن جبل وهو يزود عن عرض أخيه، وينصره في غيبته، ويدافع عنه في موضع ينتقص فيه! لهذا ذكره كعب باسمه ليخلد مكانه في أطيب مثال للرجولة، وللفارس الذي لا يقاتل من سقط من على صهوة جواده وتذكرت عندها كلماتك الطيبة أبها الحبيب ما من امرئ مسلم ينصر مسلمًا في موضع ينتهك فيه عرضه، وتستحل فيه حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصره، وما من امرئ خذل مسلمًا في موطن تنتهك فيه حرمته إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصره.

4- لقد كان كعب ذلك الشاعر الرقيق الحس رائعًا في عدم الإهتمام بذكر من ذمه، كما ذكر اسماء لها وقفات رجولية امثال صفوان ومرارة ومعاذ وطلحة رضي الله عنهم.

5- سيدي؛ هكذا كان كعب كبيرًا وعظيمًا في تسجيل صفحات ملف محنته.

وهكذا امتلك حبنا فارتفع بنفسه وارتفع بنا إلى منزلة فاقت– في نظرنا منزلة الصنف الأول.

الرابط المختصر :