; من الحياة : رسائل إلى المدخنين(۷): التدخين.. عادة أم إدمان؟ | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة : رسائل إلى المدخنين(۷): التدخين.. عادة أم إدمان؟

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 22-ديسمبر-2012

مشاهدات 55

نشر في العدد 2032

نشر في الصفحة 58

السبت 22-ديسمبر-2012

يقول أحد التائبين عن التدخين بعد ابتلاء دام ربع قرن كثيرًا ما استغرقني التفكير في سر سيطرة السيجارة على جوامع نفسي، بل وهيمنتها على مواقف حياتي كلها، واحتلالها هذه المساحة الشاسعة منها، ولماذا أزهد فيها وأكاد أنساها طوال أيام الصوم في رمضان برغم انخفاض نسبة «النيكوتين» في دمي؟ ثم لا يزال نهمي بها باقيًا بعد تناول الإفطار برغم تشبع دمي بسمومها مع مواصلة التدخين ليلا؟

ثم يردف قائلًا:

ولقد لاحظت أن رغبتي في السيجارة كثيرًا ما تكون بدافع خارجي، حتى إنها لتتولد في نفسي لمجرد رؤيتي لمن يدخن، أو عندما أستنشق دخانها من غيري، أو مع وقوع بصري على علبتي، أو عند رؤية إعلان أو سماع خبر عن الدخان، حتى وإن كان الإعلان يحذر من أخطار التدخين!

والطريف أن رغبتي في التدخين ربما كانت تنشط عند الحديث مع الأصدقاء، عن أهمية الإقلاع عنه، فترى السجائر مشتعلة بيننا، يتصاعد دخانها الكريه من فوق رؤوسنا، وكأنه يبارك خططنا في التخلص من أهوائنا! 

بتحليل الكلام السابق، نلاحظ أن الرجل يشخص تشخيص مجرب، وحيث إنه معلم فإنه يحلل سلوك التدخين تحليلًا نفسيًا رائعًا ودقيقًا، إنه يكاد أن يؤكد أن سلوك التدخين يرتبط بعادات تأصلت في نفوس المدخنين بسبب أمور، عارضة، أو بفعل التكرار المستمر، والإلف القبيح، وأن التدخين ليس رغبة حقيقية استدعتها الحاجة.

التدخين.. ونظريات علم النفس:

بناء على ما سبق، فإن المدخن واهم، كما أن التفسير الأقرب إلى الحقيقة هو أن التدخين سلوك متعلم، مع عدم إهمال التأثير النفسي، كما أن الجانب الفسيولوجي يؤثر أيضًا في وجود سلوك التدخين لكنه ليس مؤثرًا قويا، لكن سلوك التدخين واضح أنه يتأثر بالظروف الاجتماعية وجماعة الأصدقاء الذين يحرضون على هذا السلوك، وكذلك التشبه بالكبار والتأثر بالإعلام، والشعور المزيف بالسعادة عند التدخين؛ مما أدى إلى الارتباط الشديد بين المدخنين وبين مجموعة من السلوكيات والعادات، وذلك يوجد علاقة شرطية مع تكرار عملية الارتباط على المدى البعيد بين التدخين والإحساس الوهمي بالراحة، ومن ثم يصير الإقلاع عن التدخين شاقًا ومؤلمًا، نظرًا لشعور المدخن بالحرمان من المتعة والنشوة والراحة المزعومة الموهومة المرتبطة بالتدخين، ويظهر ذلك في صورة آلام نفسية وجسمية، وذلك وفق نظرية «الارتباط النفسي» لـ«ثورنديك»، ونظرية «الانعكاس» لعالم النفس الروسي «بافلوف».

علاقة السيجارة بالغضب:

أعرف مدخنا تزداد شراهته للتدخين عندما يغضب، فسألته عن السبب، فأجابني: إن السيجارة تطفئ الغضب! فقلت في نفسي: سبحان الله! هل تتسع الصدور التي ضاقت بالغيظ والغضب بالدخان المسموم؟! إنه لأمر عجيب، ووهم مزعوم وعادة وليست إدمانًا.

 لقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم الغضب بأنه جمرة من قلب ابن آدم، وأنه من عمل الشيطان، فهل نيران السجائر هي التي ستطفئ جمرة الغضب في قلب صاحبها؟ وهل الرائحة الكريهة المنفّرة لدخان السيجارة الذي يؤذي الملائكة سيعين صاحبه على التخلص من الغضب؟ هل السموم التي تجثم على صدر المدخن هي التي توسع الأنفاس التي ضاقت بسبب الغضب؟!.

التدخين يلهمك الإبداع!

ذاك وهم، آخر، فمن المؤسف أن مقولة «التدخين يلهمك الإبداع» جاءت على لسان أستاذ جامعي! لاحظت شراهته في التدخين فحاولت نصحه برفق، فكانت هذه إجابته ثم ذكر لي أنه عندما تواجهه مشكلة علمية أو حياتية أو يبدأ عمله في إجراء بحوثه وتأليف كتبه يحتاج إلى كمية كبيرة من السجائر ويلتهمها بشراهة، فتلهمه الفكر والإبداع أي عاقل هذا الذي يلهمه التدخين العبقرية والإبداع؟

هذا الذهن المشتت والفكر المشوش بفعل التدخين، هل يحتاج إلى السيجارة ليستدعي جوامع الفكر؟ أم أن التدخين يضاعف التشويش والتشتت؟

إن البحوث التربوية والنفسية والطبية المتواترة تؤكد أن التدخين يزيد صاحبه خبلا وتشتتا وتشويشًا.. لا شك أن التدخين لا يمكن أبدًا أن يساعد صاحبه على حل مشكلة، بل يزيدها تعقيدًا، ويطمس الأفكار، وكيف تحل المشكلات وينتعش الفكر ويحصل العلم في جوً تملؤه الشياطين؟ إن العلم لا يُحصل، والمشكلات لا تحل إلا في جو تحفه الملائكة برحماتها، ولقد علمنا القرآن ذلك في قول الله تعالى:﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾(البقرة: ۲۸۲).

وفي إحدى رسائل ابن تيمية التي كتبها لأهله في أثناء سجنه بالقلعة، يخبرهم بأنه عندما تستعصي عليه مسألة فقهية كان يسجد لله تعالى تذللا ودعاء وطلبا أن يفتح له بالمسألة فييسر الله عليه ويصل إلى المعرفة.

وهم السيجارة عقب الطعام:

كثير من المدخنين تحلو لهم السيجارة عقب تناول الطعام، وخاصة مع كوب الشاي، أو فنجان القهوة.

والحقيقة أن التدخين يسبب عسر الهضم، وخاصة للمواد النشوية والشاي والقهوة يمنعان امتصاص الجسم بعض العناصر الغذائية اللازمة لبقاء الجسم، وهذا يعني أن المدخن يدمر بذلك معظم العناصر الغذائية اللازمة لجسمه بهذه العادة الخبيثة.

وأود أن أنهي حديثي بالسؤال ذاته الذي عنونت به المقال، وهو: «التدخين.. عادة أم إدمان؟».

وأجيب عن هذا السؤال فأقول: في ضوء ما سبق ذكره، يتضح أن التدخين عادة مستحكمة في نفس المدخن، تسيطر على نفسه، ويتمخض عن هذه العادة بعض العادات التي تلازم المدخن ويتوهم أن فيها نشوته وراحته وسعادته، مما يجعله متشبثًا بسلوك التدخين.. فالتدخين وفق ذلك عادة سلوكية تتولد من ممارسة متكررة، وربط بين المثير والاستجابة، وعندما تكتسب هذه العادة «التدخين» يستجيب لها الجسم بقوة، فكأن العادة بذلك هي المدخل للإدمان، وهذا يعني أن التدخين يبدأ عادة، له تأثيره النفسي، الذي يتطور بعد ذلك فيصبح تأثيرًا نفسيًا، جسميًا، وهنالك يدخل المدخن مرحلة أخطر وأكثر تطورًا، تكون هي بداية الإدمان.

(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية

الرابط المختصر :