العنوان رسائل الدكتوراه وثمار كامب ديفيد
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مايو-1981
مشاهدات 63
نشر في العدد 530
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 26-مايو-1981
هل أصبح سب الإسلام جواز المرور إلى الدكتوراه؟
إن كانت المساومة جائزة؟ فهل يمكن للمسلم أن يساوم على عقيدته؟
لم يعد من المستغرب في حالة الهبوط الحضاري لأية أمة أن يُرى الفكر هدّامًا للقيم، والبشر يعيشون ليأكلوا، وأن تُرى السياسة العامة بيد الجهلة والمرتزقة، والاقتصاد بيد المستغلين الحاقدين على الشرفاء المخلصين.
ولعل من أبرز دلائل الهبوط الحضاري للأمة أن يتولى المفكرون صياغة المفاهيم وفق ما يراه السياسيون.. وخاصة السياسيين الذين لم يأتوا للحكم عن طريق الأمة.. بل في غفلة من الزمن صاروا يتحكمون في رقاب العباد.
وإذا صح القول بأن أساتذة الجامعات هم المفكرون الذين يصوغون عقلية الجماهير، فإلى أي مدى وصلت الصياغة من قبل هؤلاء، وإلى أي مدى استطاع أساتذة الجامعات إیجاد مفاهيم صحيحة، وهدم مفاهيم فاسدة؟
كانت هذه مقدمة.. أردت بها البدء في إلقاء الضوء على كتاب وقع في يدي بحكم الصدفة، ونظرا لأن الكتاب بحدِّ ذاته بحث علمي أكاديمي، نالت مؤلفته به درجة الدكتوراه في علم السياسة، ومن أكبر جامعة عربية هي جامعة القاهرة.. ولأن موضوع الكتاب يتناول وضع فئة من أهل الذمة عاشوا في ظل الحكم الإسلامي عدة قرون.. فإن الموضوع شد انتباهي فقرأته.
أولا: حدود الكتاب
أ - عنوانه «الأقباط في الحياة السياسية المصرية».
ب - مؤلفته الدكتورة/ سميرة بحر.
ج - سبب التأليف: لنيل درجة الدكتوراة في السياسة من جامعة القاهرة.
د - المشرف على الرسالة الدكتور/ علي عبدالقادر، رئيس قسم السياسة بكلية العلوم السياسية بجامعة الإمارات.
هـ - زمن التأليف والمناقشة والإشراف الأكاديمي ومنح الدرجة في ظل اتفاقات كامب ديفيد.
ثانيا: غاية الكتاب
بذلت المؤلفة «وهي نصرانية الدين» جهدًا مكثفًا للوصول إلى إقرار حقيقة تريد لها أن تسود في الحياة الفكرية لدى الشعب المصري مفادها أن الأقباط هم أهل مصر، وملاك الأرض المصرية، فهم في ظل الكنيسة القبطية حافظوا على تراث الأجداد الفراعنة، لذلك فإن كلمة قبطي = مصري، وكل من ليس قبطيًّا فليس بمصري، وإن كل من وفد إلى أرض الأقباط فهو مستعمر دخيل سواء من العرب المسلمين أو غيرهم، لذلك فإن الأقباط الذين هم المصريون عانوا على يد المسلمين من الذل والإرهاب في ظل الحكم الإسلامي الذي فرض على الأقباط دفع الجزية، ووضع بعض الشروط لبناء الكنائس، ومن أجل أن تعود مصر إلى أحضان أهلها القبط لابد من حذف خانة الديانة في المستندات الرسمية، (وهو نفس طلب سفارة إسرائيل في واشنطن من جامعة الإمارات)، والسماح للأقباط بدخول جامعة الأزهر أكبر جامعة إسلامية في العالم لتدريس العلوم الشرعية، وإن لم يحدث ذلك فإن الإسلام سيكون هو السبب الأول في قدح شرارة الفتنة الطائفية في مصر، وبالتالي هو العائق الوحيد أمام الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي وإقامة نظام علماني للحياة المصرية العامة.
ثالثا: فقرات من الكتاب
1- إن لطبيعة الأرض والشعب المصري أثر حاسم في إعطاء مصر صورة الوحدة والتناسق. ويرجع ذلك إلى عمق ورسوخ شعور المصري بالانتماء إلى أرض مصر شعورًا تجاوز انتماءه إلى دين من الأديان. (صفحة 5).
2- كان الدين وسيلة في يد الحاكم أو المحتل، ومصاحبًا لوجوده وستارًا لتبرير الوضع الراهن، ومواصلة الظلم لشعب يتسم بالطيبة والبساطة . (صفحة ٦)
3- من أراد أن يعرف عن مصر القديمة لا مندوحة له أن يتوقف أول ما يتوقف عند الكنيسة القبطية، ويتأمل في تراثها، وما حملته في أحضانها عبر التاريخ، وما رعته وحافظت عليه من ذخائر الماضي التليد. (صفحة ٧)
4- ومنذ القرن السابع للميلاد صارت كلمة «قبط» تطلق على المصريين النصاري وحدهم. وإن كان يمكن أن تقال على المصريين المسلمين أيضًا، لأن مصري وقبطي بمعنى واحد، ومن هذا المنطلق المصري الصميم عاشت الكنيسة القبطية دون انقطاع على أرض مصر منذ بدء التاريخ الميلادي، تقدم نموذجًا رائدًا للجماعة النصرانية الأمنية لعقيدتها المخلصة للأرض التي نشأت عليها، وعاشت فيها إخلاصًا بلا حدود كما يذكر الدكتور وليم سليمان. (صفحة ۸)
5- ومضت الحكومات الإسلامية المتعاقبة في معاملة القبط معاملة لا توصف في جملتها بأنها سيئة باستثناء أمرين:
أولهما: دفع الجزية.
ثانيهما: هدم الكنائس. (صفحة ٢٣)
6- لقد ألف بطرس غالي «نصراني» الوزارة في ١٢ نوفمبر ۱۹۰۸ بعد استقالة وزارة مصطفى فهمي «مسلم» فكان أول مواطن مصري يتولى رئاسة الوزارة في مصر . (صفحة ٥٢)
7- لما دعا السلطان عبدالحميد إلى "الجامعة الإسلامية" ووقف يؤازره بذلك المفكرون المسلمون في شتى أنحاء دار الخلافة.
تقول مؤلفة الكتاب:
«كان رد الفعل التلقائي لدى الأوساط القبطية هو الهجوم على دعوة الجامعة الإسلامية، فكانت الصحف القبطية تتحين الفرص للنيل من دولة الخلافة العثمانية، وسلاطين آل عبدالحميد». (صفحة ١٤)
8- عندما اشتد ساعد الحركة الوطنية المعادية للاحتلال البريطاني، سيما بعد حادث دنشواي ١٩٠٦م، وأسس مصطفى كامل الحزب الوطني سنة ١٩٠٧م، استحوذ هذا الزعيم على إعجاب الشباب القبطي، إلا أن الصبغة الإسلامية في فكر الحزب بعد ذلك قد تسببت في تصاعد حساسية الأقباط المؤيدين له، والابتعاد عنه تدريجيًّا مع التزام الحذر في تأييده، أما بالنسبة لبقية جماهير الأقباط، فلم تستطع أن تنصر دعوة تدع الإيراني والأفغاني والتونسي إلى جانب المصري المسلم على قدم المساواة، ولم يستطع الأقباط أن يهضموا هذه الدعوة إلى الجامعة المصرية. (صفحة ١٤٩)
9-إن فكر الأقلية القبطية في مصر يرى أن البديل للاتجاه الإسلامي الخاص وبالحزب الوطني حزب مصطفى كامل هو الغلو في الاتجاه المصري، كما صاحب هذا الاتجاه اتجاه علماني على أساس أنه البديل للاتجاه الديني بفصل الدين عن السياسة. فصلًا تامًا. (صفحة ١٤٩)
10 -إننا نرى التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى في منتصف هذا القرن، ولكن بشكل مختلف ومغاير تمامًا تبعًا لتطورات الظروف والأحداث، وإن كان يؤدي إلى ردود فعل عنيفة لدى الجانب القبطي، وذلك حين سمحت حركة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م لجماعة الإخوان المسلمين بالعمل حتى بعد حل الأحزاب السياسية في يناير ١٩٥٣م على أساس أن جماعة الإخوان المسلمين ليست حزبًا مثل بقية الأحزاب. (صفحة ١٥٠)
11- إن دور الأقباط المصريين في الحياة السياسية يرتبط إلى حد كبير بمدى ما يسود هذه الحياة من مفاهيم وأفكار وتنظيمات علمانية تقدمية. (صفحة ١٧٤)
رابعا: الأبحاث العلمية والأوضاع السياسية
إذا صحت المقولة في أن الفكر الجيد نتاج السياسة الجيدة، وأن الفكر المنحط نتاج السياسة المنحطة، فإن نظرة موضوعية إلى تاريخ نمو هذا البحث ترشدنا إلى أن المؤلفة اختارت موضوعها وكتبته وناقشته ونالت به أعلى درجة علمية في العالم، في ظل اتفاقات كامب ديفيد والصلح مع إسرائيل، وبيع النيل لليهود والدعوة إلى فصل الدين عن السياسة، وتوعد الجماعات الإسلامية بالفرم، وجعل أرض مصر قاعدة عدوانية لأقوى دولة نصرانية في العالم، وفتح مصر أمام الرأسمالية الحاقدة لتمتص آخر قطرة دم من آخر مصري على أرض مصر.
فلا عجب إذن أن نرى الأقباط يطلون على الأمة الإسلامية بوجه جديد، هذه المرة عن طريق الأبحاث العلمية ورسائل الدكتوراه، يهاجمون الأحكام الشرعية، وذلك بوصفهم أحكام الجزية «وهي الضريبة الشخصية على غير المسلمين» بأنها سيئة.. وهكذا.
والسؤال الذي يطرح نفسه؟ ما موقف هذا الكتاب من إثارة النعرة الطائفية في مصر؟ هل موضوع الكتاب يعالج القضاء على الفتنة؟ أو أنه يزيد نارها اضطرامًا ولهيبًا؟ هل الكتاب دعوة إلى المعايشة في ظل أحكام الله تعالى في الأرض بين المسلمين وأهل الكتاب؟
أم أن الكتاب يحرض الأقباط على الثورة للخلاص من استعمار المسلمين والحكومات الإسلامية؟ هل ما كتب في الكتاب يعد دفاعًا عن الإسلام الحاكم الذي تفيأ النصارى في ظله أرقى صور العدل التي شهدتها البشرية في العالم؟ وفي النهاية.. ألا يعد هذا الكتاب قد نما في ظل أوضاع مشبوهة أقل ما توصف به أنها تسمسر على بيع مصر إلى إسرائيل؟ وبالتالي.. فإن الكتاب ومؤلفته تراهن على نجاح هذه الصفقة الخائنة الخاسرة بإذن الله؟
خامسا: ولنا وقفة؟
ولئن كان للمؤلفة «الدكتورة سميرة جرجس بحر» من سبب يحملها على الكيد للإسلام والمسلمين الذين دافعوا عنها وعن أجدادها أكثر من ألف عام بدمائهم وأموالهم.. فلن يكون هذا السبب إلا العمالة لأمريكا مخترعة كامب ديفيد.
ولكن لنا وقفة ليست هينة ولا لينة، مع الأستاذ الدكتور علي أحمد عبدالقادر رئيس قسم السياسة بكلية العلوم السياسية بجامعة الإمارات العربية المتحدة، وهو «مسلم».
إذ كيف تسمح له عقيدته بقبول الإشراف على هذه الرسالة، وأن كان لابد فكيف يجيز للمؤلفة سب الإسلام والمسلمين في بحث وثائقي يقدم إلى جامعة القاهرة لنيل درجة الدكتوراه، ثم كيف يمكن تصور ثبوت الهجوم الذي شنته المؤلفة على الأحكام الشرعية والمعالجات الإسلامية لنظام أهل الذمة الذي شهد الباحثون من غير المسلمين بعدالته وسموه ورفعته، مستعينين بالوثائق والمراجع المعتمدة، بينما هو قبل من المؤلفة أن تستند إلى وثيقة مزورة منسوبة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟
وإن كان للأستاذ الدكتور المشرف على الرسالة من عذر وهو أستاذ بجامعة القاهرة تحت ظرف من الظروف.. فكيف يمكن تفسير ما ورد في تقديمه للطبعة الأولى للكتاب الذي ورد فيه ما يجعلنا حيارى أمام عقيدته؟
إذ قام بكتابة تقديم الكتاب والمؤلفة إلى جمهور القراء، بعرض مجموعة من المفاهيم الخطيرة، والتي يمكن أن توصف بأنها ذبح للإسلام على صخرة إثارة الفتنة بين المسلمين والنصارى في مصر، والتركيز على أحقية الأقباط في تسييس الحياة المصرية لأنهم أبناء مصر المؤمنون ذوو الأصالة الفرعونية المجيدة.
فالأستاذ الدكتور المشرف على الرسالة تجاوز كل حد عقلي وعلمي وإيماني فيما ذهب إليه من مفاهيم منها:
أ- أن المصري ظل على ولائه لمصريته بالرغم من دخول الإسلام إلى أرض وشعب مصر.
ب- أن مواقف القبط السياسية هي مواقف مصرية حقة تستحق التمجيد.
ج- اعتبار الدكتور «الوحدة الوطنية» لها من الدولية على نداء العقيدة.
د- أن إلقاء الضوء على الأقلية القبطية ومواقفها من الإسلام والمسلمين مؤشر لنهضة حضارية مصرية، وبعث لتراث مجتمع علماني مدرك فطن.
هـ- اعتبار المسلمين غزاة مستعمرين لأرض مصر وأهل مصر الأقباط.
و- لما قامت المؤلفة بمهاجمة الدعوة إلى وحدة الأمة الإسلامية في ظل دولة واحدة وخليفة واحد، وذلك بالدعوة إلى «الجامعة الإسلامية»في بداية القرن العشرين، وأثر هذه الدعوة على فكر جماعة الإخوان المسلمين فيما بعد، وموقف نصارى مصر الحاقد على دعوة الجامعة الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين، يقول الأستاذ الدكتور المشرف على هذا البحث المخرب المدمر المفتت لأواصر العلاقات التي شيدها الإسلام عبر أكثر من ألف سنة:
«لقد سعدت بقراءة هذا الجزء بما فيه من واقعية تعبير كاتبة تنتمي أصلًا إلى قطاع أصيل من شعب مصر، هذه السعادة التي لا يضاهيها إلا ما تمتعت به من مواكبة أبحاث الكاتبة كمشرف على رسالتها للحصول على الدكتوراه، فهي تضع تصوراتها لما يحدث في وقتنا هذا، وتوضح رؤية وتطلعات الأقباط كقطاع من شعب مصر، عاش حياته كلها -لا كشريك- بل كصاحب حق أصلي، أصالة أرض النيل وترابها عبر أغوار زمن سحيق» ثم ينهي الأستاذ الدكتور المشرف على الرسالة بمدح هذا السم الزعاف الذي يفيض حقدًا وتربصًا لشعب مصر المسلم بأن البحث «بحث قيم فازت كاتبته على أساسه بدرجة الدكتوراه في الفلسفة في العلوم السياسية من جامعة القاهرة».
هكذا إذن.. في زمن الانفتاح على بيع مصر إلى إسرائيل، وفي ظل لقاءات كامب ديفيد التي دفنت كارتر، وتوشك أن تدفن مناحيم بيجن وستدفن في تراب قبر الاثنين ثالث الشركاء، هكذا تكون رسائل الدكتوراه وهكذا تكون الأبحاث، وهكذا تكون أمانة العلم والبحث العلمي لدى المشرفين على منح أعلى الدرجات العلمية، ومن يدري.. فستكون سميرة جرجس بحر في القريب تشرف على رسائل الدكتوراه في الفكر السياسي الإسلامي.. من باب مرة لك وأخرى عليك.. ولكن الله غالب على أمره، والفاسقون الحاقدون الملوثون لا يعلمون، فهل من يستصرخ ضمائر جامعة فؤاد الأول لتوقف هذا المد الإجرامي، الذي بدأ بمنح السيدة الأولى درجات علمية في الفكر، وهي لا تستطيع أن تفرق بين الفول السوداني والفول المصري.. مرورًا بجعل شرف الجامعة الأكاديمي أن تلوثه فئة حاقدة مبغضة للإسلام والمسلمين.. فإن كان اليوم ضياع.. فغدا سيأتي الطوفان، فماذا عساهم قائلون وهم وقوف في قفص الاتهام؟!
حين الاتهام ببذر نار الفتنة وإلهاب سعيرها، وسقي نموها، والافتراء على التاريخ.. ويا ويل من يستهين بالتاريخ ولا يحسب له حسابًا.