; رسائل النور والأخلاق الإسلامية «٢ من ٥» | مجلة المجتمع

العنوان رسائل النور والأخلاق الإسلامية «٢ من ٥»

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 28-ديسمبر-2002

مشاهدات 77

نشر في العدد 1532

نشر في الصفحة 56

السبت 28-ديسمبر-2002

الإخلاص أساس الأخلاق ومحور النجاة

رؤية النورسي للإخلاص تتلاقى مع رؤية الإمام الغزالي

ألقينا الضوء في العدد الماضي على جوانب من حياة بديع الزمان سعيد النورسي، وتعرفنا على ملابسات مولده وكيف أنه شب في ظروف سياسية محلية وعالمية غير مواتية، حيث أسقطت الخلافة، وتمزق شمل الدول العربية والإسلامية، وانفرط عقدها، وكيف قام مناديًا بإصلاح الأخلاق، جاهزًا بكلمة الحق، فكاد يتعرض للنفي من أنقره بعد أن تصدى لمصطفى كمال وجهر بكلمة الحق في وجهه، وكيف كاد أن يعدم، غير أن الله شاء أن يمتد به العمر ليتم رسائله الأخلاقية الإصلاحية «رسائل النور» وعرفنا أنه اهتم في رسائله بالحديث عن القيم الإيجابية والسلبية معًا داعيًا إلى الأولى، ومحذرًا من الثانية، ونواصل في هذا العدد حديثنا عنه فنقول:

كانت أولى القيم الإيجابية وعمدتها لدى النورسي، قيمة «الإخلاص» ولأهميتها أفرد لها رسالتين في «اللمعات» «العشرين والحادية والعشرين»، فضلًا عن إشارات أخرى عديدة في أكثر من «لمعة» وأكثر من مكان في رسائله.

ويقوم تناوله لقيمة الإخلاص على تأمل الآية الكريمة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (سورة الزمر: آية: 2:3).

وقد جاء في الأثر «هلك الناس إلا العالمون وهلك العالمون إلا العاملون، وهلك العاملون إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم»

ويرى أن الآية الكريمة تدلنا -مع الحديث الشريف- على مدى أهمية الإخلاص في الإسلام ويتحدث عن اختلاف أصحاب الدين والعلم وأرباب التصوف وهم أهل حق ووفاق ووئام بالتنافس والتزاحم في حين يتفق أهل الدنيا والغفلة والضلالة والنفاق من دون مزاحمة ولا حسد فيما بينهم، مع أن الاتفاق من خصائص الأولين والخلاف ملازم لأهل الشقاق والنفاق.

إن الأسباب السبعة للاختلاف -التي ذكرها- تستغرق اللمعة العشرين كلها على طولها وأفاضتها ولكنه يستطرد في اللمعان الحادية والعشرين لمزيد من تجليه قيمة الإخلاص من خلال المفاهيم القرآنية في قوله تعالى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (سورة البقرة: آية: 238)وقوله تعالى: ﴿أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ (سورة الشمس: آية: 9:10) وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (سورة البقرة: آية: 41) ويضع على ضوئها ثلاثة أسس للإخلاص، وأيضًا ثلاثة موانع له.

ويرى النورسي أن اختلاف أهل الحق غير نابع من فقدان الحقيقة، كما أن اتفاق أهل الغفلة ليس تابعًا من ركونهم إلى الحقيقة، بل إن وظائف أهل الدنيا والسياسة والمثقفين وأمثالهم من طبقات المجتمع قد تعينت وتميزت، ولكل منهم مهمته الخاصة التي ينشغل بها، وأجرته عليها متميزة ومتعينة أيضًا. فضلًا عما يأخذه من أجرة معنوية كحب الجاه وذيوع الصيت والشهرة. فليس هناك إذًا ما يولد منافسة أو مزاحمة أو حسدًا فيما بين هؤلاء، وليس هناك ما يوجب المناقشة والجدال، لذا تراهم يتمكنون من الاتفاق مهما سلكوا من طرق الفساد.

 علاماته: إيثار الحق والهدى على اتباع النفس والهوى

 أما أهل الدين وأصحاب العلم وأرباب التصوف، فإن وظيفة كل منهم متوجهة إلى الجميع وإن أجرتهم العاجلة غير متعينة وغير متخصصة كما أن حظهم من المقام الاجتماعي وتوجه الناس إليهم والرضا عنهم لم يتخصص أيضًا، فهناك مرشحون كثيرون لمقام واحد، وقد تمتد أيد كثيرة جدًا إلى أية أجرة مادية كانت أو معنوية، ومن هنا تنشأ المزاحمة والمنافسة والحسد والغيرة، فيتبدل الوفاق نفاقًا والاتفاق اختلافًا وتفرقًا.

الإخلاص... « مرهم» ناجع

ويرى النورسي أنه لا يشفي من هذا المرض العضال إلا مرهم الإخلاص الناجع، أي أن ينال المرء شرف الامتثال للآية الكريمة: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ (سورة يونس: آية: 72)، بإيثار الحق والهدى على اتباع النفس والهوى، وبترجيح الحق على أثرة النفس، وأن يحصل له امتثال بالآية الكريمة: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ (سورة النور: آية: 54)، باستغنائه عن الأجر المادي والمعنوي المقبلين من الناس، مدركًا أن استحسان الناس كلامه، وحسن تأثيره فيهم، ونيل توجههم إليه هو مما يتولاه الله سبحانه وتعالى، ومن إحسانه وفضله وحده وليس داخلًا ضمن وظيفته التي هي منحصرة في التبليغ فحسب، فمن وفقه الله إلى ما ذكر أنفًا يجد لذة الإخلاص وإلا يفوته الكثير (1)

 إن الدنيويين الغافلين يحصرون نظرهم حصرًا في ا الحياة الدنيا، فهي أكبر همهم ومبلغ علمهم، وتراهم يرتبطون معها بأوثق رباط، وبكل ما لديهم من مشاعر روح وقلب، فأيما شخص يمد لهم يد المساعدة يستمسكون بها بقوة، فهم يحصرون وقتهم الثمين جدًا في قضايا دنيوية لا تساوي شيئًا في الحقيقة لدى أهل الحق» (۲).

من ثمار عدم الإخلاص.. الحسد والمنافسة

إن النورسي، ومن خلال خبرته الحياتية والدعوية، يرى أن الحسد والمنافسة نتاج لعدم الإخلاص، وأن الأعمال الصالحة التي تفضي إلى الآخرة لا مجال فيها للتنافس أو التحاسد، فمن تحاسد فهو لا شك مراء يتحرى مغانم دنيوية تحت ستار الدين، ويبحث عن منافع باسم العمل الصالح أو أنه جاهل صادق لا يعلم أين وجهة الأعمال الصالحة، ولم يدرك بعد أن الإخلاص روح الأعمال الصالحة وأساسها (۳)

ويشير النورسي إلى أن العلاج الوحيد للتحاسد ويسميه به المرض، هو اتهام المرء نفسه والانحياز إلى جهة رفيقه في نهج الحق وعدم الانحراف عن دستور الإنصاف، أي أن طالب الحق المنصف يسخط نفسه لأجل الحق، وإذا ما رأى الحق لدى خصمه رضي به وارتاح إليه (٤)

ويخاطب النورسي تلاميذه قائلًا:

اعلموا أن قوتكم جميعًا في الإخلاص والحق نعم إن القوة في الحق والإخلاص، حتى إن أهل الباطل يحرزون القوة لما يبدون من ثبات وإخلاص في باطلهم.

نعم إن خدمتنا هذه في سبيل الإيمان والقرآن هي دليل بذاتها على أن القوة في الحق والإخلاص فشيء يسير من الإخلاص في سبيل هذه الخدمة يثبت دعوانا هذه ويكون دليلًا عليه» (٥).

موانع الإخلاص

ويحدد النورسي في نهاية الأمر ثلاثة موانع للإخلاص هي:

أولًا: الحسد الناشئ من المنافع المادية، وسبقت الإشارة إليه، وإلى طرق العلاج منه.

ثانيًا: حب الشهرة وذيوع الصيت أو إعطاء ما يداعب أنانية النفس الأمارة بالسوء.

ثالثًا: الخوف والطمع.

ويضرب هذا المثل لإدامة الإخلاص.

يقول:

«يحصل الصناعيون وأهل الحرف على الإنتاج الوفير وعلى ثروة هائلة نتيجة اتباعهم قاعدة «المشاركة في الصنعة والمهارة» وإليك المثال

قام عشرة من صناعي إبر الخياطة بعملهم، كل على انفراد، فكانت النتيجة ثلاث إبر فقط لكل منهم في اليوم الواحد. ثم اتفق هؤلاء الأشخاص حسب قاعدة توحيد المساعي وتوزيع الأعمال، فأتي أحدهم بالحديد والآخر بالنار، وقام الثالث بثقب الإبرة والآخر بإدخالها النار والآخر بدأ يحدها وهكذا فلم يذهب وقت أحد سدى، حيث انصرف كل منهم إلى عمل معين وأنجزه بسرعة، لأنه عمل جزئي بسيط أولًا، ولاكتسابه الخبرة والمهارة فيه ثانيًا. وحينما وزعوا حصيلة جهودهم رأوا أن نصيب كل منهم في يوم واحد ثلاثمائة إبرة بدلًا من ثلاث إبر..

 فذهبت هذه الحادثة أنشودة يترنم بها أهل الصناعة والحرف الذين يدعون إلى توحيد المساعي وتوزيع الأعمال (6).

وإذا كانت هذه الفوائد العظيمة نتيجة الاتفاق في الأعمال الدنيوية فكم يكون يا ترى ثواب أعمال أخروية ونورانية وكم يكون الثواب المنعكس من أعمال الجماعة كلها بالفضل الإلهي في مرأة كل فرد منها.

إن الفوائد العظيمة دنيويًا وأخرويًا كفيلة بإدامة الإخلاص بين المسلمين. ثم إنها تدفعهم إلى التعاون والتلاحم لتجاوز صعوبات الحياة، والتغلب على مشكلاتها والتساند لإقامة الدين ونشره ومواجهة خصومه، ومن هذا المنطلق، فإن المسلم يترك أوجه الاختلاف ويحض على أوجه الاتفاق خاصة وأن دساتير الإخلاص تحقق وحدة الأمة، أو الجماعة وترابط المسلمين في كل مكان.

الإخلاص. محور النجاة ومدارها

موانعه: الحسد. حب الشهرة. والخوف والطمع

إن النورسي بعد الإخلاص محور النجاة ومدارها بالنسبة للمسلمين والإخلاص يجب أن يشمل كل شيء في حياة المسلم، ويرى أن ذرة من حب خالص تفضل على أطنان من الحب الصوري الشكلي، وهو ما عبر عنه شاعر قديم بقوله:

 وما أنا بالباغي على الحب رشوة

ضعيف هوى يبغي عليه ثواب (۷) إن رؤية النورسي تتلاقى في مجملها مع رؤية أبي حامد الغزالي للإخلاص، وإذا كان النورسي قد انطلق من الواقع الذي يحياه تلاميذه ومجتمعه معتمدًا على المعطيات القرآنية والسنة النبوية وأحداث التاريخ والحياة، فإن الغزالي يبدو أقرب إلى «الأكاديمية» التي تلجأ إلى منهجية التعريف والأدلة والبراهين ثم الوصول إلى النتائج من خلال لغة تبدو موجهة للخاصة قبل العامة.

توحيد المساعي وتوزيع الأعمال أهم ضمانات التغيير والإصلاح

يبين الغزالي حقيقة الإخلاص فيقول:

«أعلم أن كل شيء يتصور أن يشوبه غيره فإذا صفا عن شويه وخلص عنه سمي خالصًا ويسمى الفعل المصفى المخلص إخلاصًا، قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ (سورة النحل: آية: 66)، فإنما خلوص اللبن ألا يكون فيه شوب من الدم والفرث ومن كل ما يمكن أن يمتزج به، والإخلاص يضاده الإشراك، فمن ليس مخلصًا فهو مشرك، إلا أن الشرك درجات فالإخلاص في التوحيد يضاده التشريك في الإلهية والشرك منه خفي ومنه جلي، وكذا الإخلاص، والإخلاص وضده يتواردان على القلب. فمحله القلب، وقد ذكرنا حقيقة النية وأنها ترجع إلى إجابة البواعث، فمهما كان الباعث واحدًا على التجرد سمي الفعل الصادر إخلاصًا، بالإضافة إلى المنوي، فمن تصدق وعرضه محض الرياء فهو مخلص، ومن كان غرضه محض التقرب إلى الله تعالى فهو مخلص ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب(8).

ويستمر الغزالي في شرح حقيقة الإخلاص وما يلتبس به من مفاهيم حتى يصل إلى مفهوم التجريد قصد التقرب إلى الله تعالى، وتخليص العمل من كل الشوائب قليلها وكثيرها، وهو ما لا يفعله إلا محب الله مستغرق الهم بالآخرة، بحيث لم يبق لحب الدنيا في قلبه قرار (۹)

إن الغزالي يمضي في شرح حقيقة الإخلاص متتبعًا دقائقه مستعينًا بأمثلة وحكايات تؤكد ما يذهب إليه، كما يسجل أقاويل الشيوخ في الإخلاص، ثم يتحدث عن درجات الشوائب والآفات المكدرة للإخلاص، وهي تعادل موانع الإخلاص التي ذكرها النورسي، ومنها الرياء والخوف. والرجاء، ويفيض الغزالي في شرح دور الشيطان ووسوسته للمؤمن كي يشوب إخلاصه بهذه المواقع (۱۰)

ولا شك أن التقارب في الحديث عن حقيقة الإخلاص وشوائبه بين النورسي والغزالي يؤكد وعي الرجلين بقيمة الإخلاص بوصفها أساسًا خلقيًا تقوم عليه حياة المسلم، ونهضة المسلمين وعزتهم وقوتهم في الدنيا، وقبولهم عند الحق سبحانه في الآخرة.

ويمكننا أن نعد هذه المقارنة السريعة بين تناول قيمة الإخلاص لدى الرجلين موجودة بمشابهها المتعددة في تناول بقية القيم الخلقية الإسلامية. سواء في رسائل النور للنورسي أو إحياء علوم الدين، وأسماء الله الحسنى للغزالي .

الهوامش

(1) بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات: ترجمة إحسان قاسم الصالحي ، سوزلر للنشر، القاهرة ١٤١٣هـ - ١٩٩٣ م ص 225 – ۲۸۸

(2) السابق، ص ٢٣٥

(3) نفسه، ص ۲۳۷

(4) نفسه، ص ۲۳۹

(5) السابق اللمعة الحادية والعشرون، ص ٢٤٤

(6) نفسه، ص ٢٤٩

(7) اللمعات اللمعة السابعة عشرة، ص ۲۰۱

(8) أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، إحياء علوم الدين شركة ومكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة ١٣٥٨هـ . ١٩٣٩م. 4/367

(9) السابق ٣٦٨/٤

(10) نفسه ٣٧٠/٤ - ٢٧٤

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل