العنوان سنة الله في الدعوات
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1987
مشاهدات 73
نشر في العدد 802
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 27-يناير-1987
المحن سنة الله في الدعوات لا تتخلف، وهي آية صدقها واستقامتها، وسبيل تمييزها
عن غيرها وصقلها وتمحيص أهلها حتى يعلم الصادقين من الكاذبين ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾
(محمد: ٣١).
والمبتلون دائمًا هم من المصطفين الأخيار يتكررون في كل زمان ومكان، كما فعل
المأمون في تنقص الفقهاء الذين امتنعوا عن الإجابة في المحنة، وذكر معايبهم رجلًا رجلًا،
واتهامهم باختلاس الودائع، وأكل الربا، وخساسة المتجر، وادعاء العلم، وما يعرف من سياسته
الخاطئة التي عاقبتها الفشل في النهاية، من امتحان الناس وتكشيف سرائرهم، وترويعهم
بصنوف الأذى والنكال، لحملهم قسرًا على معتقده، كما فعل مع إمام الهدى المبجل أحمد
بن حنبل.
وقد كانت تصل إليه بيانات عنهم من جهاز خاص للأخبار ابتدعه خلفاء بني العباس
في صدر دولتهم، وفاقوا في حسن تنظیمه وأحكامه سلفهم من خلفاء بني أمية، وكان يشرف عليه
موظف كبير يسمى «صاحب الخبر» يتحسس أخبار الناس، ويستكشف دخائلهم، مستعينًا بمختلف الأعوان
من الرجال والنساء، حاذقًا أديبًا فيما يتخذ من الخطط والوسائل لاستقاء البيانات من
أجل سلامة الدولة وأمنها.
ولدينا نوادر كثيرة ذكرتها كتب الأدب والتاريخ توضح يقظة العباسيين وإلمامهم
بكل صغيرة وكبيرة في دولتهم، تذكر منها تلك القصة التي رواها إبراهيم بن شاهك عن المأمون
التي أبان فيها ما رآه منه في ثلب أصحابه، وذكر ما يتظاهرون به فقال رجل من عظماء عسكره
حين خرجا من الدار: هل رأيت أو سمعت قط ملكًا أعلم برعيته وأشد تنقيرًا من هذا؟ فقال:
اللهم لا(1).
ولقد كان من سياسة الدولة العباسية، إبان قوتها أن تؤكد طابعها الديني، فقربت
إليها العلماء والفقهاء، وكانت تراقب حركات كل فريق منهم، وما يؤدى اشتهارهم بالعلم
والورع إلى تعلق الجماهير بهم إذ قد يؤثر ذلك في مركز الخلفاء، وقد يزعزع ولاء المسلمين
لهم، فكان الخلفاء يهتمون بما يجري في حلقات الفقهاء والمحدثين، ويراقبون من يتعرض
منهم بالنقد للنظام القائم وقد يبطشون به، أو يكتفون بتقصي معايبه أو وصمه بالنفاق
والتماس السمعة.
وقد جاء في وصف المأمون لهم بأنهم من «متصنعة القبلة، وملتمسي الرياسة فيما ليسوا
له بأهل»، بل إن عبارة الاتجار بالدين التي نظن أنها من التعبيرات الحديثة هي من المعاني
المعروفة في هذا العصر وقد جاءت بالنص في كتاب يعقوب بن إسحق الكندي إلى المعتصم ص
۸۲ عن أولئك الذين يدعون العلم
«ذبا عن كراسيهم المزورة التي نصبوها عن غير استحقاق، بل للترؤس والتجارة بالدين وهم
عدماء الدين»!
وهذا الابتلاء كما ترى لا يتعلق بالمسائل الفكرية الاعتقادية وإنما تغير قلوب
الخلفاء على أهل الدعوة والعلم يدفعهم لامتحانهم قال الشعبي «المحنة بدعة، وهي أن يأخذ
السلطان الرجل فيمتحنه ويقول فعلت كذا وفعلت، فلا يزال به حتى يسقط ويقول ما لم يفعله
أو ما لا يجوز قوله»(2).
_________________
1- المحاسن والمساوئ للبيهقي
1/ 115.
2- النهاية في غريب الحديث لابن الأثبر 4/ 82.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل