; منهج جمهور أهل السنة والجماعة في التغيير | مجلة المجتمع

العنوان منهج جمهور أهل السنة والجماعة في التغيير

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1994

مشاهدات 56

نشر في العدد 1121

نشر في الصفحة 55

الثلاثاء 18-أكتوبر-1994

ناقشنا في الحلقة الماضية منهج التغيير عند المتقدمين من السلف، ما أسفر عنه من فشل محاولات متتالية لم يبق بعد رؤيتها لمن جاء بعدهم توقع صدور الخير عن طريق استعمال العنف ويقرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ٤/٥٢٧ بتفصيل وتأصيل لا مزيد عليه يقول «أهل السنة يجتهدون في طاعة الله ورسوله بحسب الإمكان كما قال تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: 16) وقال النبي- صلى الله عليه وسلم- «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ويعلمون أن الله تعالى بعث محمدًا- صلى الله عليه وسلم- بصلاح العباد في المعاش والمعاد، وأنه أمر بالصلاح ونهى عن الفساد، فإذا كان الفعل فيه صلاح وفساد رجحوا الراجح منهما، فإذا كان صلاحه أكثر من فساده رجحوا فعله، وإن كان فساده أكثر من صلاحه رجحوا تركه، فإن الله تعالى بعث رسوله- صلى الله عليه وسلم- بتحصيل المصالح بتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها.

فإذا تولى خليفة من الخلفاء كيزيد، وعبد الملك، والمنصور، وغيرهم، فإما أن يقال: يجب منعه من الولاية وقتاله حتى يولي غيره كما يفعله من يرى السيف فهذا رأي فاسد، فإن مفسدة هذا أعظم من مصلحته.

وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة وكابن الأشعث الذي خرج علي عبد الملك بالعراق، وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة- أي العباسية- الذي خرج عليهم بخراسان أيضًا وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة وأمثال هؤلاء وغاية هؤلاء إما أن يغلبوا أو يغلبوا ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة، فإن عبد الله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلقًا كثيرًا، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور، وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم فهزموا وهزم أصحابهم، فلا أقاموا دينًا ولا أبقوا دنيا.

والله تعالى لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا، وإن كان فاعل ذلك من أولياء الله المتقين ومن أهل الجنة، فليسوا أفضل من علي وعائشة وطلحة والزبير وغيرهم، ومع هذا لم يحمدوا ما فعلوه من القتال وهم أعظم قدرًا عند الله وأحسن نية من غيرهم.

وكذلك أهل الحرة كان فيهم من أهل العلم والدين خلق، وكذلك أصحاب ابن الأشعث كان فيهم خلق من أهل العلم والدين والله يغفر لهم كلهم.

وقد قيل للشعبي في فتنه ابن الأشعث أين كنت يا عامر؟ قال كنت حيث يقول الشاعر:

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى***وصوت إنسان فكدت أطير

أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء.

وكان الحسن البصري يقول: إن الحجاج عذاب الله، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع، فإن الله تعالى يقول ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (المؤمنون: 76).

وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج علي يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث.

ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي- صلى الله عليه وسلم-، وصاروا يذكرون في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة، وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين وباب قتال أهل البغي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشتبه بالقتال في الفتنة، وليس هذا موضع بسطه، ومن تأمل الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي الله في هذا الباب واعتبر أيضًا اعتبار أولي الأبصار علم أن الذي جاءت به النصوص النبوية خير الأمور.

ولهذا لما أراد الحسين- رضي الله عنه- أن يخرج إلى أهل العراق لما كاتبوه كتبًا كثيرة أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين، كابن عمر وابن عباس وأبي بكر بن عبد الرحمن أن لا يخرج وغلب على ظنهم أنه يقتل، حتى قال بعضهم: أستودعك الله من قتيل وقال بعضهم لولا الشفاعة لأمسكتك ومنعتك من الخروج، وهم في ذلك قاصدون نصيحته طالبون لمصلحته ومصلحة المسلمين والله ورسوله إنما يأمر بالصلاح لا بالفساد لكن الرأي يصيب تارة ويخطى أخرى.

فتبين أن الأمر على ما قاله أولئك، فلم يكن في الخروج لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا، بل تمكن أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله- صلى الله عليه وسلم- له حتى قتلوه مظلومًا شهيدًا وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن حصل لو قعد في بلده، فإن ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشر لم يحصل منه شيء، بل زاد الشر بخروجه وقتله، ونقص الخير بذلك وصار سببًا لشر عظيم وكان قتله مما أوجب الفتن، ومنه نتبين أن ما أمر به النبي- صلى الله عليه وسلم- من الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والخروج عليهم هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد وأن من خالف ذلك متعمدًا أو مخطئًا، لم يحصل بفعله صلاح، بل فساد ولهذا أثنى النبي- صلى الله عليه وسلم- على الحسن فكان من أعظم مناقبه بقوله «أن النبي هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» ولم يثن على أحد لا يقتال في فتنه ولا بخروج على الأئمة ولا نزع يد من طاعة ولا مفارقة الجماعة، فلو كان القتال واجبًا أو مستحبًا لم يثن النبي ﷺ على أحد بتركه، فلم يرد عنه أنه أثنى على من خرج في أي فتنة.

ومما ينبغي أن يعلم أن أسباب هذه الفتن تكون مشتركة، فيرد على القلوب من الواردات ما يمنع القلوب عن معرفة الحق وقصده، فبعض الولاة يظلم باستئثار فلا تصبر النفوس على ظلمه، ولا يمكنها دفع ظلمه إلا بما هو أعظم فسادًا منه.

ولكن لأجل محبة الإنسان لأخذ حقه ودفع الظلم عنه لا ينظر في الفساد العام الذي يتولد عن فعله ولهذا قال النبي- صلى الله عليه وسلم- «إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» وكثير ممن خرج على ولاة الأمور أو أكثرهم إنما خرج لينازعهم ما استأثروا به عليه ظانًا أنه يقاتلهم لئلا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ومن أعظم ما حركه عليه طلب غرضه إما ولاية، وإما مال» انتهى ملخصًا.

الرابط المختصر :