العنوان رسالة الأخوة..صيانة الحرمات
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2012
مشاهدات 98
نشر في العدد 1999
نشر في الصفحة 49
السبت 21-أبريل-2012
من حقوق الأخوة في الله تبارك وتعالى صيانة أعراض المسلمين، وحفظ كراماتهم وحرمة أموالهم ودمائهم وعدم ازدرائهم أو تحقيرهم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كثيرًا منَ الظَّنِ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾(الحجرات: ۱۲)، وفي الحديث: «كل المسلم على المسلم حرام ماله وعرضه ودمه، حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم».
والله تبارك وتعالى توعد الذين يحبون أن تشيع قالة السوء في المؤمنين بالعذاب الأليم، فقال جل شأنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة في الذينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النور:19).
ولا ريب أن الغيبة والنميمة هي أصل كل بلاء، ومصدر كل شقاء، وأساس كل عناء، ومبعث كل سوء، وهي آفة خطيرة تأكل الحسنات، وتراكم السيئات، والمسلم إذا لم يشغل نفسه بالحق والخير والعمل الجاد شغلته نفسه بالباطل والشر والوقوع في أعراض الآخرين.
والخطير في الأمر أن يطلق البعض العنان للسانه لينهش في لحوم الآخرين، وأذنه لتحصد الآثام، وكأننا في ورشة عمل عنوانها الغيبة والنميمة حول هذا الشخص أو ذاك، من دون أن يعبأ المغتاب والمستمع إليه بعواقب هذه الآفة المدمرة في الدنيا والآخرة، قال عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾)الأحزاب:58)، وقد روى مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود قال: إن محمدًا قال: «ألا أنينكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هي النميمة القالة بين الناس»، وإن محمدًا ﷺ قال: «إن الرجل يصدق حتى يكتب صديقًا، ويكذب حتى يكتب كذابًا».
إن الإسلام ينشد مجتمعًا فاضلًا يسوده الأدب الرفيع، لا لمز فيه ولا غيبة، لكل فرد فيه كرامته التي لا تمس، وحقوقه التي لا تنتهك، ويجب أن نعلم أن لمز أي فرد فيه هو لمز للنفس ذاتها، لأن الجماعة كلها وحدة واحدة، كرامتها واحدة، والقرآن يهتف للمؤمنين بذلك النداء الحبيب ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ( الحشر: 18)، ويأمرهم باجتناب كثير من الظن، فلا يتركوا أنفسهم نهبًا لكل ما يهجس فيها حول الآخرين من ظنون وشبهات وشكوك، وتعلل هذا الأمر، ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ( الحجرات: 12).
إنه مادام النهي منصبًا على أكثر الظن، والقاعدة أن بعض الظن إثم، فإن إيحاء هذا التعبير للضمير هو اجتناب الظن السيىء أصلًا، لأنه لا يدري أي ظنونه يكون إثمًا، بهذا يطهر القرآن الضمير من داخله أن يتلوث بالظن السيئ، فيقع في الإثم، ويدعه نقيًا بريئًا من الهواجس والشكوك، أبيض يكن لإخوانه المودة التي لا يخدشها ظن السوء، والبراءة التي لا تلوثها الشكوك، والطمأنينة التي لا يعكرها القلق، وما أروع الحياة في مجتمع بريء من الظنون.
ولكن الأمر لا يقف في الإسلام عند هذا الأفق الكريم الوضيء في تربية الضمائر والقلوب، بل إن هذه الآية تقيم سياجًا حول حقوق الناس الذين يعيشون في مجتمعه النظيف العفيف، فلا يؤاخذون بظنة، ولا يحاكمون بريبة، ولا يصبح الظن أساسًا لمحاكمتهم، بل لا يصح أن يكون أساسًا للتحقيق معهم، ولا للتحقيق حولهم.
وأين أقصى ما تتعاجب به أحسن البلاد ديمقراطية وحرية، وصيانة لحقوق الإنسان فيها من هذا المدى الذي هتف به القرآن الكريم للذين آمنوا، وقام عليه المجتمع الإسلامي فعلًا، وحققه في واقع الحياة، بعد أن حققه في واقع الضمير؟، ثم يستطرد في ضمانات المجتمع إلى مبدأ آخر يتصل باجتناب الظنون: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ ( الحجرات: 12)، والتجسس قد يكون هو الحركة التالية للظن، وقد يكون حركة ابتدائية لكشف العورات، والاطلاع على السوءات.
والقرآن يقاوم هذا العمل الدنيء من الناحية الأخلاقية، لتطهير القلب من مثل هذا الاتجاه اللئيم لتتبع عورات الآخرين، وكشف سوآتهم، وتمشيًا مع أهدافه في نظافة الأخلاق والقلوب.
ولكن الأمر أبعد من هذا أثرًا، فهو مبدأ من مبادئ الإسلام في نظامه الاجتماعي، وفي إجراءاته التشريعية والتنفيذية، وللناس حرياتهم وحرماتهم وكراماتهم التي لا يجوز أن تنتهك في صورة من الصور، ولا أن تمس بحال من الأحوال.
إن أمة يربيها الدين الإسلامي القيم على مجاهدة النفس، واجتناب الظن، وحفظ اللسان، وطهارة الجنان، وحسن الصلة، لهي الأمة المختارة للقيادة والريادة للإنسانية.
الأمة المثالية التي يجب أن تعلم حقيقة أمرها، وحقيقة دورها، وعظمة شأنها، وعزة شأوها، ما دامت الأخوة الإسلامية معلمًا من معالمها، وأساسًا من أسسها، وصورة حية واضحة المعالم من مقومات حياتها.
والأمر لا يقف عند حد تربية الضمائر والخواطر، وتزكية النفوس والمشاعر، وتطهير الجوارح والجوانح، وإنما يحول الإسلام التربية والتزكية والتطهير إلى واقع عملي محسوس بحيث يكون هذا الواقع سياجًا منيعًا حول حقوق ومعالم الأخوة المباركة الطيبة.
وصفوة القول أن مقتضى الأخوة أن يحنو المسلم على أخيه المسلم ويعطف عليه، ويود له الخير والسداد، والتوفيق والرشاد، يحفظه إذا غاب، ويرفض كل ما يمس عرضه في قليل أو كثير، ونسأل الله أن يجنبنا الفواحش ماظهر منها وما بطن.
«*» أستاذ الحديث وعلومه