العنوان رسالة القاهرة: الأستاذ محمد حامد أبو النصر.. والمهمة الصعبة
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1986
مشاهدات 63
نشر في العدد 775
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 15-يوليو-1986
- أول التحديات التي تواجه السيد أبو النصر تكمن في مسالة الوجود القانوني للجماعة.
- السيد أبو النصر يقول: سيكون أول همي تربية الشباب على أصول الإسلام الذي يقوم على طاعة الله.
كان اختيار الأستاذ محمد حامد أبو النصر –٧٣ عاما- مرشدا عاما لجماعة الإخوان المسلمين خلفًا للمغفور له الأستاذ عمر التلمساني، مفاجأة لدى الكثيرين، سواء من المحللين السياسيين أو من الشخصيات العامة، أو حتى من الإخوان أنفسهم، فقد كانت التوقعات تشير إلى آخرين هم –في رأس تلك التوقعات- أقرب إلى قيادة الإخوان من غيرهم، وكان على رأس من رشحته تلك الآراء الأستاذ مصطفى مشهور الداعية الإسلامي المعروف، على اعتبار أنه كان أقرب المقربين إلى الأستاذ التلمساني منذ توليه مهمة المرشد العام للجماعة، وحتى لقي ربه في 14 من رمضان الماضي، وهو كذلك على إدراك كامل لطبيعة أوضاع ومشكلات جماعة الإخوان في كل قطر من أقطار العالم ثم هو أيضًا متفرغ للدعوة داخليًا وخارجيًا.
هذا بالإضافة إلى أن الأستاذ أبو النصر ليس هو أكبر أعضاء مكتب الإرشاد سنًا والذي تم حله في عام 1954 حسب نص قانون الجماعة، لأن الدكتور مهندس حسين كمال الدين، وقد كان عضوًا في آخر مكتب للإرشاد، يكبر الأستاذ أبو النصر بحوالي أربعين يومًا، فلماذا لم يتول هو مهمة المرشد العام؟ وهل هناك «موقع متميز» للأستاذ مصطفى مشهور كما رددت بعض الصحف والمجلات أنه «المرشد الفعلي» وأن الشيخ أبو النصر هو فقط واجهة، بينما الذي يحرك الأمور آخرون؟ ومن هو الأستاذ محمد حامد أبو النصر وما صلته بالدعوة والجماعة، وأين كان في فترة الأستاذ التلمساني ثم ما هي التحديات التي تواجه جماعة الإخوان في مصر وما هي رؤيته للمستقبل؟؟
من هو المرشد الجديد؟
وبداية فإن السيد محمد حامد أبو النصر ليس غريبًا على الدعوة، فهو أحد قدامى الإخوان المسلمين الذين التحقوا بالجماعة، حيث بايع الإمام الشهيد حسن البنا في حوالي عام 1934 وكان هو أول فرد ينضم إلى جماعة الإخوان من الصعيد، وتدرج في مسؤوليته داخل الجماعة من نائب شعبة منفلوط «مدينته» حيث يسكن ويقيم، إلى رئيس مركز الجهاد لمنفلوط والقوصية وديروط، ثم رئيسًا لمنطقة أسيوط، ثم زائرًا عامًا لشعب الصعيد. واختير عضوًا في مكتب الإرشاد برئاسة الإمام الشهيد حسن البنا في عام 1939 وحتى 1949، وعندما تحمل الإمام الهضيبي رحمه الله مسؤولية المرشد العام للإخوان، انتخب الشيخ أبو النصر عضوًا في مكتب الإرشاد الثاني، واستمر هذا الوضع حتى محنة 1954 عندما قام أعوان جمال عبد الناصر بتنفيذ مسرحية المنشية، والتي تم بمقتضاها الزج بجماعة الإخوان في السجون بعد محاكمات هزلية، وقد صدر الحكم على الشيخ أبو النصر بالأشغال الشاقة المؤبدة، قضى منها 18 سنة داخل السجن وخرج في أكتوبر 1972 أي بعد عام من خروج الأستاذ عمر التلمساني، والشيخ محمد حامد أبو النصر من مواليد 25 مارس 1913، وهو متزوج وله ولدان وبنت وزوجته توفيت منذ فترة، وهو يعتبر عميد عائلات أسيوط، ومنذ أن أخرج من السجن في عام 1972 وهو يشرف على أعماله الزراعية ويعيش في بلدته منفلوط التابعة لمحافظة أسيوط عاصمة الصعيد، والشيخ أبو النصر لم ينقطع يومًا عن الاتصال بالإخوان وبالأستاذ عمر التلمساني، وما كلف بأمر إلا وأسرع في تنفيذه، رغم بعد المسافة بين القاهرة وأسيوط وعندما سألنا الأستاذ أبا النصر، لماذا تم اختياره خلفًا للأستاذ التلمساني رغم وجود من هو أكبر منه سنًا؟ أجاب: الحقيقة أن الأخ الدكتور حسين كمال الدين هو أكبر مني بأيام ولكن الذي حدث بعد أن أفرج عنه انشغل وسافر إلى خارج القطر، وترك الإخوان في محنتهم. فلم يشاركهم الرأي ولا العيش، ولم يتقدم للمرحوم الأستاذ عمر التلمساني ليجعل نفسه تحت الطلب في المشورة والعمل من أجل جماعة الإخوان المسلمين، ومن هنا كان اختيار غالبية الإخوان لي على اعتبار أنني شاركت الإخوان في محنتهم ونفذت كل ما طلبه مني الأستاذ عمر التلمساني باعتباره المسؤول عن إدارة شئون الجماعة، ولم أتغيب لحظة واحدة عن مجريات الأمور، ولم تحل إقامتي في أقاصي الصعيد، من أن أكون بصورة مستمرة في قلب الأحداث، وعندي الكثير في هذا، والإخوان يعرفون تاريخ كل منهم، أما فيما يتعلق بقانون الجماعة الذي يجعل من أكبر الإخوان سنًا مسؤولا عن الجماعة فهذا القانون وضع ليواجه القيود القانونية الجائرة التي وضعت لكي يستحيل على الجماعة أن تنعقد أو تتشاور، فالأمر في هذا يقتضي سرعة الالتفاف حول الأكبر سنا، حتى لا يكون هناك مجال لأصابع الغير أن تعبث بوحدة الجماعة وقوتها، وإن شاء الله عندما تعود الجماعة سينتخب مرشد جديد ومكتب جديد وهيئة تأسيسية جديدة.
المرشد الفعلي!
والأستاذ أبو النصر أسمر اللون طويل، لهجته تحمل ملامح الصعيد، وصوته فيه لين وصرامة في نفس الوقت، وقد أثر فيه السجن كثيرًا من ناحية الصحة العامة، فقد ألقى كلمة الإخوان في حفل تأبين الأستاذ عمر وكان متكئًا على كرسي، وهو يصلي جالسًا من تأثير ما لاقاه من تعذيب في سجون عبد الناصر منذ 1954 وحتى 1972 وتنشر مذكراته الآن في جريدة «المسلمون» وستصدر في كتاب قريبًا، وهي تتعلق بعلاقة عبد الناصر بالإخوان المسلمين.
ونأتي إلى التساؤل المطروح الآن، وهو عن «موقع» الأستاذ مصطفى مشهور، وهل هو المرشد الفعلي، وهو الذي بيده الأمور في الجماعة، يقول الأستاذ مصطفى مشهور ردًا على ذلك، إن هذا الكلام غير صحيح، ولسنا ممن يرتضون مثل هذه الأوضاع والأساليب ثم إن منصب المرشد العام تكليف وتبعات قبل أن يكون تشريفًا، والموقع ليس مما يتنافس عليه كما صورت بعض الصحف والمجلات.
والحقيقة أن الحديث عن «موقع» متميز للأستاذ مصطفى مشهور أمر غريب، لأن الأستاذ مصطفى كان مرافقًا للأستاذ عمر، وكان يجوب مصر شمالًا وجنوبًا متحدثًا ومربيًا وداعيًا إلى الله، وكان يمارس عمله من مكتبه في مجلة الدعوة بجوار الأستاذ عمر، وكان يدلي كذلك بالأحاديث الصحفية ويكتب المقالات، ويسافر إلى الخارج، فلماذا لم يتحدث أحد في تلك الفترة عما يسمى الآن بالموقع المتميز؟! والذين يعرفون الأستاذ مصطفى يعلمون أنه لا يحب الشهرة ولا يريد الأضواء، وأنه يفضل العمل في مجال تربية الشباب وإرشادهم إلى طريق الله.
تحديات أمام الإخوان
والتحديات التي تواجه جماعة الإخوان في مصر كثيرة، لعل أهمها في نظرنا، أمران.. الأول هو الوجود القانوني للجماعة، والأمر الثاني هو الحفاظ على الثروة الضخمة من الشباب التي تحمل فكر الإخوان المسلمين والتي ظهرت بقوة أذهلت الكثيرين في جنازة الأستاذ عمر التلمساني، وبلغت نسبتها بين المشيعين حوالي 90% في الوقت الذي قدر فيه البعض عدد المشاركين في الجنازة بما يقرب من نصف المليون، وبالطبع فإن هناك من لم يتمكن من حضور الجنازة وهم أضعاف أضعاف من شاركوا فيها، وهؤلاء الشباب هم ثمرة جهاد وكفاح وتضحيات كثيرة قدمها الإخوان وعلى رأسهم فضيلة المرحوم الأستاذ عمر التلمساني، ونظرة إلى جماعة الإخوان في مصر فيما بين عامي 73 وحتى 1986، ففي عام 73 كان الإخوان ما بين سجين أو خارج من السجن يحاول أن يرتب أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية، وفي عام 1986 كان هناك نواب في مجلس الشعب وكانت المعركة الانتخابية في عام 1984، كانت تتحدث عن قوة وتأثير جماعة الإخوان المسلمين، في الشارع السياسي المصري.
فمهمة الأستاذ محمد حامد أبو النصر المرشد الرابع لجماعة الإخوان المسلمين، هي أن يحافظ على هؤلاء الشباب ويسعى جاهدًا لإثبات الوجود القانوني للجماعة.. وهو ما عبر عنه بقوله، عندما سألناه عن أول اهتماماته في المستقبل.
سيكون أول همي بإذن الله هو محاولة تربية الشباب على أصول الإسلام، الذي يقوم على طاعة الله تعالى والالتزام بأوامره ونواهيه، ثم حسن معاشرة الناس على الحب والخير للجميع.. وأما على الصعيد السياسي، فإننا سنحاول بكل الوسائل أن ندخل البرلمان ونشارك المخلصين في خدمة البلاد دون قيد أو شرط فالكل أبناء مصر والكل يسعى لرفاهية مصر... لا خلاف.. لا نزاع.. لا حرب شعواء، لا انتقاص من حقوق الرجال، بل التقدير للصالح العام والنقد الهادف البناء، الذي يجمع ولا يفرق، والذي يشيد ولا يحطم ثم إننا لن نتوانى عن المطالبة برجوع الجماعة بين محراب القضاء المقدس، حتى نستطيع أن نؤدي واجبنا لخدمة بلادنا.
علاقتنا بالوفد وطيدة حتى الآن!
وعن علاقة الإخوان بالأحزاب وبخاصة مستقبل علاقتهم بالوفد، فإن الشيخ أبو النصر يرى أن: علاقة الإخوان بالوفد علاقة وطيدة حتى الآن، لأن الوفد أقدم الأحزاب الشعبية وله تاريخه في خدمة البلاد ثم إنه الحزب الوحيد الذي تبنى فكرة الوحدة الوطنية. التي أتت بأطيب الثمرات للبلاد، والتي يؤمن بها الإخوان المسلمون، وما يشاع عن انضمام الإخوان لحزبي الأحرار والأمة، فهذا موضوع بحثه الإخوان المسلمون ورفضته القاعدة العريضة وانتهى، وهذا لا يمنع -والكلام للشيخ أبو النصر- أن تكون علاقتنا بجميع الأحزاب علاقة طيبة تسهم في خدمة البلاد.. وفيما يتعلق بمستقبل علاقاتنا بالوفد، فنحن ننتظر حكم القضاء في رجوع الجماعة، أو نجاحنا في تكوين حزب خاص للإخوان المسلمين، فلو قدر لنا هذه أو تلك، فستكون علاقاتنا بالوفد علاقة طيبة وكريمة لن تنفصم.
وحول سياسة الجماعة بعد الأستاذ عمر التلمساني، وهل ستتخذ طابعًا أكثر حدة في معالجة الأمور، يقول الأستاذ مصطفى مشهور إن وفاة الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله لا تعني بدء مرحلة جديدة تختلف فيها ممارسات الجماعة.. صحيح أن الأستاذ عمر تميز بأدبه الجم ولسانه العف وقلمه النزيه، مما انتزع الإعجاب والتقدير حتى ممن يتحاملون على الإخوان، ولكنه كان منفذًا لسياسة مستوحاة من تعاليم الإسلام، التي نحرص على الالتزام بها من بعده كل الالتزام. فالمسألة مبادئ ثابتة لا تتغير بتغير الرجال.
ندعو الله ليلًا ونهارًا
وقد أعلن الأستاذ محمد حامد أبو النصر في كلمة الإخوان في حفل تأبين الأستاذ التلمساني أن الإخوان لن يهدأ لهم بال، ولن تهدأ نفوسهم حتى نرى شجرة الإسلام قد نمت وترعرعت وتعمقت جذورها وثبت أصلها وارتفعت فروعها، وأتت بأطيب الثمار.. ومن أجل ثمارها الحق... ومن أجل ثمارها الحرية.. ومن أجل ثمارها العدل.. الحق للجميع، والحرية للجميع والعدالة للجميع، هكذا أسلوبنا وما يجب أن نسير عليه، وسنحاول بما أوتينا من قوة أن نؤكد وحدة الوطن العزيز، وسنحاول بكل ما لدينا من إمكانيات أن نوحد الصف العربي وأن نؤلف بين المسلمين في بقاع الأرض.
وقال: إننا نلجأ إلى الله ليلًا ونهارًا أن يعيد هذه الجماعة المظلومة، وأن يعيد نشاطها الذي حال دون ظهورها القانون الوضعي الجائر الظالم الذي أباح لكل الناس حرية الرأي والعقيدة وحرمها على الإخوان المسلمين.. إننا نشكو إلى الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، و«المجتمع» تتمنى التوفيق والسداد للأستاذ أبو النصر المرشد الرابع للإخوان المسلمين وتسأل الله أن يبارك فيه وفي جهوده وأن يجري على يديه الخير دائمًا لصالح الإسلام والمسلمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل