العنوان رسالة المسرح ودورها في الارتقاء بالمجتمع
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1996
مشاهدات 74
نشر في العدد 1209
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 23-يوليو-1996
- د. عبد الصبور شاهين: لو وجد العرض المسرحي الجيد الملتزم الذي يحترم ديني وأسرتي فسوف أكون أول من يشاهده
- فاروق جويدة: طغيان الجانب المادي، وضياع القدوة والمثال والقيمة، وراء هبوط الفنون واختلالها
- صافيناز كاظم: مسارحنا أصبحت أشبه «بملاهي الليل» وهذا تكريس للهجمة العلمانية
إذا كان العلم كثيرًا ما يصنع الحروب، فإن الفن كثيرًا ما يصنع السلام، وفي التجربة الحضارية الإسلامية، كان الدين هو الطاقة التي أثمرت ضمن ثمراتها، توحيد الأمة، وقيام الدولة، والإبداع في كل ميادين العلوم والفنون والآداب والمسرح إذا كان هو فن المكاشفة بمعنى إزاحة الأغطية، وكشف الأعماق وتفجير الصراع وإبراز الشخوص داخليًا وخارجيًا، فإن المسرح الآن قد أضحى اكتشافًا ماديًا بحثًا ضمن الدائرة الفنية المبهمة، تحولت الفنون إلى تجارة واستجداء واستخذاء وجنس وضياع، بدءًا من الكلمة، وانتهاء بالستار، الأمر الذي يجعل من الأهمية بمكان مناقشة هذه القضية.
ولا شك أن تراجع المسرح عن رسالته الحقيقية في المواجهة والمجابهة والحوار، إنما هو جزء من كل، فالفنون بصفة عامة، ضمن الإطار الثقافي «الذاهل» تواجه أشرس حملة علمانية، وأقوى موجة تجهيلية، كما يرى ذلك الشاعر الكبير فاروق جويدة، الذي يقول: «إن هناك محورين أساسيين لتكوين الإنسان: هما الدين والفنون».
فالدين له التصور والتقويم والضبط السلوكي والفكري، والفنون تمثل له عملية تمثل لهذه الأدوار من خلال التذوق والإحساس الصحيح برسالته في الحياة، وهذه الرسالة لاشك أنك تشاركني الرأي في أنها قد ضاعت ضياعًا مؤسفًا، بسبب طغيان الجانب المادي على حياة الناس، والذي أصبح يلعب الدور الأقوى والأخطر بدليل أن الحضارة اليوم هي حضارة «الماديات» وليست حضارة «الدين» أو «الفن» النتيجة أن الإنسان قد استغرقته هذه الماديات ابتداء بالطعام وانتهاء بالجنس.
الخلل القيمي:
جانب آخر هو أن الفنون إنما تنمو في مجتمعات القيم، وعندما تغيب القيمة، أو تختل في أية صورة من صورها، كفكرة أو قدوة أو سلوك أو أمل أو طموح، أقول عندما تتراجع القيمة أو تختل فإن النموذج الإنساني الرفيع يضيع حلمًا وتطبيقًا.
الأمر الثالث: نتيجة لهذه المكونات غير السوية لم يدرك كثير من المثقفين والفنانين دورهم الحقيقي في المكاشفة والعلاج والتعرية، والكثيرون منهم، نراهم قد انساقوا في مواكبة هذا الخلل، ولم يحاولوا التصدي لهذا المنحدر السلوكي الرهيب، ولكن هناك الكثير من الأعمال الجادة الناجحة، وخير دليل على ذلك، هو النجاح الكبير الذي تحققه مسرحياتكم الشعرية الجادة، إضافة إلى العديد من الأعمال الدرامية والمسرحية المعروضة الآن، ما رأيكم؟!
إن زهرة واحدة لا تصنع بستانًا، وإن شمعة واحدة لا تضيء بيتًا، المسرح التجاري يا سيدي بدأ يأكل المسرح الجاد، وفي المسرح التجاري حدث ولا حرج، ففيه كل الإسفاف، وباختصار فهو مسرح الكلمة فيه لغة السعر لا لغة القيم، أضف إلى ذلك المسرح السياحي، الذي بدأ ينتشر في فصول الصيف بالقاهرة والإسكندرية.
وهو مسرح الابتزاز، ومخاطبة الأجساد والجيوب، ولا مخرج من هذا الزيغ الثقافي والفني إلا بتضافر كل عناصر العمل الفني من نص إبداعي جيد، ومناخ ثقافي مناسب، وممثل قادر، وتوجه أممي مستنير، بدلًا من أكل الذات، بزعم مواجهة الإرهاب.
ويلفت الداعية الكبير الدكتور عبد الصبور شاهين انتباهنا إلى أننا لم ولن نخاصم العصر أبدًا، ولن نهرب منه، ولابد أن نجتهد في تقديم الأنموذج النابض العريق، الرامز لقيم الفضيلة والخير والطهر، ويضيف د. شاهين رغم أنني لا وقت عندي مطلقًا إلا أنني علمت أن هناك بعض العروض الجيدة مثل عرض دستور یا أسيادنا الذي يتعرض لنظام الفرد، وفرعونية الحكم، لولا ما يشوب العرض من همزات ولمزات جنسية، يجب أن يتحرر منها لتتم له جودته، وكذلك مسرحية أنتوا فين يا عرب التي تعالج قضية في منتهى الأهمية، وهي تفتت وتأكل الأنظمة العربية، ويقول الدكتور عبد الصبور: أذكر أنني قد قلت لك مرة في موضوع سابق لـ«المجتمع» لو وجد العرض المسرحي الجيد الملتزم الذي يحترمني وديني وأسرتي ويمتعني كإنسان متذوق سوف أكون أول من يقف في طابور التذاكر، وسوف أدعو لصانعي هذا العمل.
ورحم الله الشهيد سيد قطب الذي قال: الأدب والفن يشتركان في عملية التطهير والتغيير، شأنهما شأن كل حركة أخرى في موكب العقيدة الإسلامية الشامل.
ظاهرة مركبة:
أما المفكر الإسلامي الكبير د. محمد عمارة فيرى أن الحديث عن هبوط مستوى الأعمال الفنية، يقتضي الإشارة إلى عدد من الأسباب أهمها:
أولًا: سيادة المعيار المادي الذي يجعل السيادة لمن يدفع، وليس لمن يفهم.
ثانيًا: تحلل منظومة القيم لدى قطاع عريض من الجمهور، وذلك بسبب إشاعة أجهزة الإعلام الجمهورية، وخاصة التلفاز- للقيم الغربية والخارجة على حساب القيم الإسلامية، إشاعة للشهوات والملذات بدلًا من الترفيه الراقي والترويح البريء عن النفس.
ثالثًا: تراجع دور ومكانة الطبقة الوسطى في مجتمعاتنا العربية، وهي في كل أمة بمثابة العمود الفقري المؤتمن على قيم الأمة وأصولها ومشروعها الحضاري.
رابعًا: تبلد أحاسيس الأثرياء الجدد أغنياء الانفتاح، وعجزهم عن فهم المجازات والاستعارات والإشارات، الأمر الذي يضطر معه كاتب النص والممثل إلى التصريح، بدلًا من التلميح، مما جعل الفنان يهبط إلى المستوى الهابط بدلًا من أن يرتقي إلى المستوى الأرفع.
خامسًا: المناخ العام الذي هبط بمعنى «البطولة»، و«القدرة»، و«الأسوة» و«النجومية»، فصعد من يلعب برجله، وهبط من يفكر بعقله وعلت من تهز وسطها، ونزلت من تحفظ ملكاتها، فصار طبيعيًا أن تهبط البطولة في التمثيل والمسرحة بعد أن هبطت بطولات الحياة الواقعية.
سادسًا: ارتفاع التكلفة المالية لإنتاج الأفلام والمسرحيات والأعمال الفنية بصفة عامة، الأمر الذي فتح الباب لسيطرة رأس المال لدى «الجهلاء»، و«راغبي الربح السريع» فكانت سيطرتهم التامة على هذا الميدان الحيوي المهم في غيبة التوظيف السليم لرأس المال الإسلامي.
سابعًا: خشية القائمين على السياسة الفنية والإعلامية من إبراز القيم الإسلامية في الأعمال الفنية، إما مجاراة لموجة العداء لكل ما هو إسلامي، أو التزامًا بتجفيف المنابع الإسلامية في المجتمع، يحسبان ذلك علاجًا للغلو والعنف المنسوبين خطأ إلى الإسلام والإسلاميين، أو إيثارًا لإرضاء المؤسسات الدولية والدوائر الغربية ذات الهيمنة على كثير من مقدرات بلادنا والشديدة الحساسية لكل ما له علاقة بالإسلام.
ثامنًا: انصراف التيار الإسلامي- في مجمله- عن الاهتمام بالفنون والآداب، إما لأن شريحة من هذا التيار تحرم هذه الفنون، أو تستريب في إباحتها، وإما لأن شريحة أخرى قد استغرقها العمل السياسي فانصرفت عن الاهتمام بالفنون والآداب وعلى محور آخر لتأصيل هذه الظاهرة المسفة من وجهة نظر الناقدة الإسلامية «صافي ناز كاظم» التي ترى أن المشهد الثقافي ككل، هو جزء من المسرح الفكري والسياسي والثقافي والإعلامي.
وترى أن «السوق» مكتظة الآن بما يمكن أن نسميه فنون الضغط الاجتماعي، حيث البطالة والغلاء الفاحش، والانسداد السياسي، وطاغوتية النظم الفردية، والنفاق الاجتماعي، والاستغلال والقيود، وتجار المبادئ والأدعياء، هذه كلها ثمار هذه «الضغوط» قد أصبحت بالتبعية هي عيوب الفنان ذاته، وبالتالي فإن الفن الطامح أو الرافض، قد أصبح أندر من الكبريت الأحمر.
والفنان الذي يمتلك خطًا فكريًا متكاملًا الآن، قد أصبح يؤثر الانسحاب، وأنا هنا لا أعني الفنانين التائبين فهؤلاء قد تابوا عن المعصية أما غيرهم فهم في طريقهم إلى التوبة من الإسفاف والتفاهة.
ولدى عدد من أسماء المخرجين والممثلين الكبار، إما أقلعوا عن هذه المستنقعات أو أنهم في طريقهم إلى ذلك، وتؤكد الناقدة الكبيرة صافي ناز كاظم أن معظم المسارح قد أصبحت أشبه «بملاهي الليل» التي تبدو أنها الطريق الأسهل للمتعة الرخيصة لمن يستطيع أن يدفع، ولست أدري هل أصبحت سمة الفنون والآداب وأهلها من أحداث، وإلا فبماذا نفسر هذا التجاهل والتعامي لهذه الأحداث الكبار التي مرت بنا، والتي أعادت تشكيلنا من جديد.
لا يمكن أبدًا أن يكون الفن بهذا الشكل ضميرًا للذوق العام أو الخاص، إنه فن الاستجداء و«الاستخذاء» الذي يلجأ إلى دغدغة الغرائز ومنافقة الحكام وتحويل كل شيء إلى تجارة. وتشير الأستاذة صافيناز كاظم بأصبع الاتهام إلى أن هذا كله مقصود لذاته، لأنه تكريس للهجمة العلمانية في صورة من صور الفاحشة المنظمة، والزحام الذي نشاهده على المسارح، ما هو إلا سياحة صيفية لبعض السائحين الذين يلجئون إلى الطريق الأقرب بدلًا من أوروبا وغيرها، والمسرح بهذا الشكل بدلًا من أن يكون أداة من أدوات التركيب الثقافي قد أصبح أداة من أدوات اللهو المحرم والمجرم، إنه يا سيدي قد أصبح بكل وضوح أداة دعارة، ناهيك عن المطلب الخطير الذي وقعت فيه الفنون جميعًا في الآونة الأخيرة، حين ضحت بنفسها عندما أصبحت أبواق دعاية لوزارات الداخلية.
ماما أمريكا:
وتستدرك الأستاذة صافيناز، فتقول: لكن الأمر لا يخلو من بعض الأعمال الجادة الهادفة، وأنا أرى أن مسرحية «ماما أمريكا» هي الوحيدة الموجودة على الساحة الآن، وأنا قد كتبت قريبًا مقالًا بعنوان ماما أمريكا ونقاط الالتقاء مع الفن الإسلامي أشرت فيه إلى الأهداف التي تلتقي فيها هذه المسرحية مع الفنون الإسلامية من مجابهة الأنظمة الطاغوتية، ومواجهة هيمنة الشخص الواحد والانعتاق من انسحاق المواطن والوطن، والنظرة الكلية في ظل النظام العالمي الجديد، أقصد في ظل «الظلام» العالمي الجديد.
تم نظم هذه القصيدة في رثاء المرحوم الفقيد صالح عبد الرحمن العبدلي تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته
للشاعر الأديب: سليمان الجار الله
ربِّ رَحْمَاكَ فَالْحَوادِثُ صَارَتْ *** كُلَّ يَوْمٍ تجيي دون تأني
كُلِّ يَوْمٍ فيه نَوَدَعُ شَهمًا ***حَمَلُوهُ لِقبره المستكن
صَالِحُ العَبْدَلِي لازال حيا *** في قُلُوبِ قَدْ شَيْعَتَهُ بِحُزْنٍ
بعد أن كان والأحبة جَمْعًا *** في نعيم براحة المطمئن
خالي البَالِ لَمْ يُعَكرْهُ شيء *** أمن بينَ أهْلِهِ متهني
جاءه الأمرُ مِنْ لَدُن خالق *** الكونِ فَلَبُى وقال رب أعني
بَعْدَ تَلكَ القصور والأنس *** والعز توارى عَنْ كُلِّ خَلِ وَخَدْنِ
ترك المال والبنين وجاها *** كانَ مِن قَبْلُ مُنْيَةَ الْمُتَمَنِّي
ورقاها وسمعة تنفح الطيب *** عن العطر والروائح تغني
كان في الناس أريحيا كريمًا *** وجوادًا بالمال مِنْ دُونِ مَنْ
فاضل فاض عفة ووفاءً *** وَنَفَا ظَاهِرًا وصَفْوَةَ ذِهْنِ
ودعوه والكُلُّ باكٍ عَلَيْهِ *** مِنْ ذَويه مَا بَيْنَ زَوْج وابن
كم فقير بكى بكاء بنيه *** قائلًا يا لحسرتي يالغبني
غابَ مَنْ يَرْحَمُ الفقير إلهي *** رب أسكنه في جَنَائِنِ عَدْنٍ
فَلَقَدْ كانَ للمَسَاكِينِ عَوْنا *** رَبُّ فارحمهُ كُنْ لَه خَيْرَ عَوْنِ
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل