العنوان المجتمع الثقافي.. العدد 1276
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 30-نوفمبر-1997
مشاهدات 102
نشر في العدد 1276
نشر في الصفحة 52
الأحد 30-نوفمبر-1997
رسالة دكتوراه حول: الشخصية الدينية في المسرح المعاصر
بقلم: هناء محمد
حصل الباحث حسن علي حسن دبا على رسالة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى من كلية الألسن جامعة عين شمس حول الشخصية الدينية في المسرح المعاصر في الفترة من١٩٤٥م إلى ١٩٨٠م.
في البداية يتحدث الباحث عن الشخصية المسرحية قائلًا:
إن من بين كل عناصر الفن المسرحي تبرز تلك الشخصية التي تظل مالكة لعناصر البقاء في ذاكرة الشعوب مهما تقادم عليها الزمن، واختلفت العصور، وتغيرت المذاهب الفكرية والاتجاهات الفنية، ذلك أن الشخصية المسرحية ترتبط بالإنسان فتعكس صورته في بنائها الدرامي، أو تحمل آماله والأمه، وقد تخرج من إطار الخيال فتبدو أمام القارئ أو المشاهد شخصية حقيقية يلتقي بها في حياته وفكره. وتهدف هذه الدراسة إلى استطلاع الشخصية الدينية في المسرح المعاصر «المسرحية النثرية»، وقد تمت دراسة الملامح والأصول الفكرية التي عكستها تلك الشخصية، كما بحثت الدراسة الصورة المسرحية التي صور الكاتب المسرحي الشخصية الدينية عليها.
ويؤكد الباحث أن هناك ارتباطًا تاريخيًا بين المسرح والدين منذ نشأة المسرح الأولى، واستمرار هذا الارتباط عبر التاريخ، وكانت الشخصية الدينية هي الشخصية الأكثر بروزًا والأقوى ظهورًا، والأوفر حظًا باهتمام المتلقي للعمل المسرحي.
لذلك كان حريًا أن يفرق الباحث بين ملامح الشخصيتين التاريخية والدينية، فحدد ملامح الشخصية الدينية بتلك الشخصية المسرحية التي ارتبطت عضويًا بالدين، فأصبح ملمحًا أساسيًا في تكوينها لا ينفصل عنها، ثم قام الباحث بدراسة مسحية للمسرح المعاصر المكتوب، ليرى إلى أي حد تأصلت هذه الشخصية الدينية في أدبنا المسرحي.
ولقد بدأ الباحث دراسته بالتاريخ الذي انتهت فيه الحرب العالمية الثانية، لأن هذه الفترة كانت فترة خصبة في الإنتاج المسرحي والأعمال الإبداعية التي حفرت مجرى واضحًا في الأدب المسرحي، وجعل حدًا زمنيًا للدراسة ينتهي عام ١٩٨٠م. وحصرت الدراسة الامتداد المكاني للشخصية الدينية المسرحية على مصر، لأن الريادة الحقيقية لفن المسرح قد حملت عبئها مصر.
أقسام الدراسة:
ولقد قسمت الدراسة إلى تمهيد وبابين في كل باب فصلان، ثم الخاتمة.
تناول التمهيد عرض نشأة فن المسرح وارتباطه بالدين ارتباطًا وثيقًا. فعرضت للعصر الفرعوني، ثم الإغريقي، ثم الروماني، وتحدثت عن العلاقة بين المسيحية والمسرح التي اختلفت عن علاقة الإسلام بالمسرح، كما تعرضت الدراسة إلى المسرحية الدينية في الأدب العربي، ثم علاقة المسرح بالدين في الآداب الأخرى، خاصة تلك العلاقة التي أثرت على الأدب المسرحي ونشأته في الأدب العربي المعاصر.
اهتمت الدراسة بالشخصية الدينية المسرحية من خلال نموذجين النموذج الإيجابي، والنموذج السلبي، فمن خلال النموذج الإيجابي للشخصية درست عدة جوانب فكرية، ارتبطت بها الشخصية الدينية هي: الإيمان بالله، والخوف منه، والجهاد في سبيل الله، مقاومة الظلم وكراهيته، القدوة الحسنة. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا في الفصل الأول.
ثم تعرضت في الفصل الثاني لدراسة النموذج السلبي للشخصية الدينية المسرحية، ذلك النموذج الذي يسلك مسالك بعيدة عن الدين الذي ارتبط به وقد سبق بتمهيد يبين دور الغرب والاستعمار في إبعاد الدين عن التأثير في المجتمع.
أما الباب الثاني فقد انقسم إلى فصلين تناول الفصل الأول التصوير المسرحي للشخصية الدينية من خلال النموذج الإيجابي، وصنفت شخصيات النموذج الإيجابي في الإطار المسرحي الذي اشتملت عليه بين دور البطولة والشخصية المحركة للحدث، والشخصية الظل والشخصية الأداة.
وتناول الفصل الثاني النموذج السلبي للشخصية الدينية، حيث ظهرت هذه الشخصية محلًا للسخرية، في صورة هزلية، كما أن بعض هذه الشخصيات كانت شخصيات ثانوية.
ولقد ربط الباحث بين الشخصية الدينية في نموذجها السلبي، وبين دوافع بعض كتاب المسرحية واتجاهاتهم التي أرادت إبعاد الدين عن المجتمع، فقدمت الشخصية الدينية على هذه الصورة السلبية لتكون محلًا للاحتقار، فيغيب دورها الفاعل في المجتمع.
كما رصد في الفصل نفسه اتجاهًا مسرحيًا آخر، كان باكثير رائدًا له، حيث صور شخصيات هذا النموذج السلبي تصويرًا جعلها في الموقف الأضعف، وانتهى تطورها في العمل المسرحي بالسقوط انتصارًا للخير الذي دفع باكثير للانتصار له انطلاقًا من ثقافته الإسلامية الأصيلة..
الحياة الثقافية في الكويت القديمة:
أقام مركز المشكاة للدراسات بالكويت ندوة ثقافية مؤخرًا بعنوان «الحياة الثقافية في الكويت القديمة» حاضر فيها كل من الأستاذ الدكتور يعقوب الغنيم - وزير التربية الأسبق.. والشيخ محمد بن ناصر العجمي الباحث الشرعي بوزارة الأوقاف، وسعادة الأستاذ بدر ناصِر المطيري الوكيل المساعد بوزارة الأوقاف، وأدار الندوة الشاعر عواد العنزي، وقد حظيت الندوة برعاية معالي وزير التربية الدكتور عبد الله الغنيم.
وقد تحدث الأستاذ الدكتور يعقوب الغنيم عن الحياة الأدبية في الكويت القديمة، فأشار إلى مفهوم الأدب الكويتي القديم وأن المقصود به هنا الأدب الذي واكب نشأة الكويت واستمر إلى سنة ١٩٥٠م التي توفي فيها أمير الكويت الأسبق الشيخ أحمد الجابر، وبين أن الفترة ما بين ١٩٥٠- ١٩٦١م عام الاستقلال تعد فترة انتقال من القديم إلى الحديث، وأشار إلى وهم كثير من الباحثين في تحديد بداية نشأة الكويت في نحو عام ١٧١٦م والصحيح أنها تسبق هذا التاريخ بقرن كامل كما تنطق بذلك الشواهد التاريخية التي كشفت عنها الدراسات الحديثة، وقد تحدث المحاضر عن دور المؤسسات الأهلية في إثراء الحركة الثقافية في الكويت، وأشار إلى أبرز هذه المؤسسات، وهي المدرسة المباركية (۱۹۱۲م) والجمعية الخيرية العربية (۱۹۱۳م)، والمكتبة الأهلية (۱۹۲۲م). والنادي الأدبي (۱۹۲۲م). وأشار إلى دور المصلحين الذين زاروا الكويت في دعم المسيرة الثقافية من أمثال محمد رشيد رضا وعبد العزيز الثعالبي ومحمد الشنقيطي، وكذلك ظهور فئة من الشباب الكويتي المتنور الذي كان يتابع الصحف والمجلات العربية، لاسيما المصرية - مما هيأ الفرصة لمشاركات كويتية في هذا الميدان، فكان ظهور مجلة «الكويت» عام ۱۹۲۸م على يد الشيخ المؤرخ عبد العزيز الرشيد، ثم تناول بالحديث جملة من الأنشطة الثقافية التي أعقبت فترة التأسيس كظهور عدد من المجلات البعثة ١٩٤٦م - كاظمة ٤٨ - البعث (١٩٥٠) وبروز عدد من الشعراء أمثال صقر الشبيب وعبد اللطيف النصف وداود الجراح وغيره كما توالى ظهور الفنون الأدبية الحديثة كالمقالة، والبحث الأدبي والقصة والرواية.
وانتقل الحديث بعد ذلك إلى المحاضر الثاني وهو فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العجمي الذي تحدث بدوره عن الحياة العلمية الشرعية في الكويت القديمة، وقد لخص ذلك في أربعة عناصر:
الأول: دور بعض علماء الكويت في إثراء الحياة العلمية واستعرض في ذلك جهود أربعة من علماء الكويت وهم علامة الكويت عبد الله الخلف الدخيان ومؤرخ الكويت عبد العزيز الرشيد، والعالم المصلح يوسف القناعي، والشيخ مساعد العازمي.
الثاني: شهادة العلماء الذين زاروا الكويت بحرص أهلها على العلم، واستعرض في ذلك شهادة المؤرخ عبد الرحمن بن عبد الله السويدي البغدادي الذي زار الكويت سنة (١١٨٦هـ) والعلامة محمد رشيد رضا سنة (١٣٣٠هـ)، والشيخ عبد العزيز الثعالبي التونسي.
الثالث: دور وجهاء الكويت في إثراء الحركة العلمية، وأشاد بجهود بعض المحسنين أمثال الشملان علي بن سيف. وفرحان بن فهد الخالد ومرزوق بن داود البدر.
الرابع: نسخ المخطوطات في الكويت واستعرض جهود النساخ كناسخ موطأ الإمام مالك مسيعيد بن أحمد سنة (١٦٨٢م)، والشيخ محمد بن فارس وشقيقه حمد، وعبد اللطيف بن عبد الرحمن المطوع.
ثم تحدث بعد ذلك سعادة الأستاذ بدر المطيري عن جهود الخيرين في دعم المسيرة الثقافية قديمًا حيث رصد نماذج من العطاء الكويتي في هذا المضمار، فمن ذلك أن جميع الأنشطة الثقافية اعتمدت على الجهود التي كانت تقوم اعتمادًا على تبرعات جماعية حيث لم يكن يوجد المتبرع الفرد الذي يتكفل بتكاليف المؤسسة باستثناء صور قليلة كالجمعية الخيرية التي تكفل بها فرحان الخالد وإخوانه، وأكد المحاضر أن دور المحسنة الكويتية كان لا يقل بحال من الأحوال عن شقيقها الرجل حيث تبين من إحصاء الحجج الوقفية للأعمال الخيرية أن المرأة قد أسهمت بما نسبته ٤٨,٨٪ من هذه الأعمال.
ثم استعرض المحاضر بعض الوثائق المتصلة بالموضوع مثل حجة وقفية لمدرسة أهلية قديمة والحجة الوقفية للجمعية الخيرية العربية والتي كتبها الشيخ عبد الله الخلف، وتقرير قس أمريكي عن زيارة رشيد رضا للكويت..
واحة الشعر
عندما ينتصر الصبر
تحية إلى الشيخ المجاهد أحمد ياسين الذي عاد مبتسمًا
شعر: محمد علي الطبلاوي
مِن خَلِفِ جدران السلاسل عودي *** يا بَسْمًة طافًتْ بكلِ حُدُود
يا بسمة الشيخ المهيب تحيةُ *** من نبض إيماني ولحنِ نشيدي
يا أيها الجبلُ الأشم على الذُرا *** اْرجعَت للتاريخ عز جدودي
ياسيُن مهما صغت شعرًا لن أَفي *** حق المجاهدِ من خلال قصيدي
ماضر أن كنت القعيد فكُلهم *** لك مركٌب حملوكَ فوق الجيدِ
ماضر أن كنتَ القَعِيدَ بسجنهم *** فدماؤك الحرّى بكل وَريدِ
عَلَمْتَهم حب الشهادة مثلما *** علمتهُم مَغزى حياة الصيد
علمتهم شرعَ الإله وهديهُ *** ورسائل «البناء» و«المودودي»
وسلكتَ دربَ الحق تبني أمة *** رَبيتهُم وبدأت في التشييد
فكتائبُ القسَام صارت قُوة *** قَد أَرْهَبَتْ بِالحق جُند يهود
وحماسُ شَبُت وامتطت أجيادها *** صالتْ وجالتْ في سماء البيدِ
أخذوك من بين الأحبَة عُنوة *** فذهبتَ في شَمَم كما الجُلْمودِ
ما لنت يومًا أو أخذت برخصٍة *** أني لمثلك أن يخاف يهودي
يَاسين لخصْتَ المسافة في الدُجى *** وأنرت دَرْبَ الصبر بالتَحْمِيدِ
أخجلتهم وقرعت تافه رأيهم *** فرصيدُك الشرعي خيرُ رصيدِ
ما العجزُ أن تبقى قعيدًا في الورى *** العجزُ أن تحيا حياة عبيدِ
العجز أن ترضى الدنية مرة *** العجز أن تبتاع وُدْ يهودِ
العجز أن ترضى بشبر واحد *** من أرضنا وتبيع حق جُدودي
العجز شكواك العدو لحبه *** وصديقه ونصيره المعْهودِ
ورجعتَ في أنف تقود كتائبًا *** وحشدتُ للإسلام خَيرَ حشودِ
وقرأت آيات الجهاد محرضًا *** وغرستها في جيلنا المنشُود
أعْلَنَتْها فسرت إلى كل الدُنيَ *** وتناقلتْ من كثرة الترْديد:
ستحرر الأقصى بسيف رجالِنَا *** لَنْ يرجع الأقصى بمين عُهود(*)
بوركت من شيخ قريب اَلمجُتني *** ورعَتكَ عينُ الله للتوحيد
(*) مين عهود: عهود كاذبة.
أثر الإسلام في مجتمع خراسان وما وراء النهر
بقلم: د. عبد الباري محمد الطاهر
هذه صفحة من تاريخ الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى، تلك الجمهوريات الإسلامية التي عادت للازدهار والإشراق في عالم اليوم، وكانت من قبل بلادًا قد أضاءت العالم بالإسلام الذي وصل إليها على أكتاف الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، وكانت تلك البلاد تسمى خراسان وما وراء النهر في العصور الإسلامية الأولى.
من «الفرس» و«الترك» كان يتألف مجتمع خراسان وما وراء النهر قبل الإسلام، وهذان العنصران يجعلان نهر جيحون حدًا فاصلًا بينهما، فالفرس في الجنوب منه والترك في شماله والنزاع بين الجنسين لا يكاد ينقطع، فتارة يقتحم الفرس نهر جيحون متجهين إلى بلاد الترك، وتارة أخرى يندفع الترك عبر هذا النهر فيسيطرون على بعض بلاد الفرس.
وكان النزاع المستمر بين العنصرين سببًا في خسارات فادحة بينهما، ولم تتسم علاقتهما بالود إلا في فترات وجيزة تصل إلى حد مصاهرة ملوك البلدان بعضهم بعضًا، ثم ما تلبث علاقة الود أن تختفي ويحل محلها الخصام والحرب الضروس والاعتداء والنهب المتبادل بينهما.
وفي ضوء ذلك ظل العنصران الفرس والترك متباعدين ومختلفين في المواطن واللغة والعادات والتقاليد والمعتقدات، ولم تستطع فترات الود أو السلام أو حتى فترات الاعتداء والحرب والسيطرة أن تغير من لغة الشعبين، أو عاداتهم، أو معتقداتهم، حتى جاء عنصر ثالث إليهم هم العرب يحملون دينًا جديدًا هو الإسلام، فماذا حدث؟
اتجه المسلمون الفاتحون نحو خراسان منذ عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وامتدت الفتوحات الإسلامية إلى نهر جيحون فعبرته، واستقر بعض صحابة رسول الله، صلي الله عليه وسلم في البلاد المفتوحة رغبة في نشر الدين الإسلامي، وولاية أمر المسلمين هناك، ومن أمثال هؤلاء بريدة ابن الحصيب، والحكم بن عمرو الغفاري، وقثم ابن العباس ابن عم النبي صلي الله عليه وسلم، وغيرهم رضي الله عنهم، كما لحق بهم التابعون مثل الربيع بن زياد، وعطاء بن السائب الليثي، ويحيى بن يعمر، وغيرهم رضوان الله عليهم، وسكن هؤلاء بلدان خراسان وما وراء النهر المختلفة، ومات بعضهم في هذه البلدان، تاركين آثارهم تحكي ما قدموه للإسلام والمسلمين من خير.
ولم يكن بعض أفراد الصحابة أو التابعين هم المهاجرون إلى تلك المنطقة فقط، بل هاجرت قبائل وأسر عربية كقبيلة الأزد، وقبائل بكر وتميم قيس، وبعض الأسر الكبيرة التي أرسلها زياد بين أبيه إلى مرو، وأسكنهم فيها، وامتدت الهجرات العربية إلى أنحاء المنطقة، وأطلق المهاجرون - المسلمون على مواطنهم التي وصلوا إليها أسماء مواطن أو قبائل أو أشخاص عربية، كالحيرة في نيسابور، ودمشق الصغيرة، والبصرة الصغرى في بعض نواحي نيسابور أيضًا، وبنانة - وهي اسم قبيلة عربية في إحدى نواحي مرو - والرملة - وهي إحدى مدن فلسطين - وقد أطلقوها على ناحية من مدينة سرخس، وواسط، وهي في الأصل مدينة بناها الحجاج بن يوسف الثقفي بين الكوفة والبصرة - وقد أطلقت على نحو ثلاثة عشرين موضعًا في هذه المنطقة.
هذا غير المساجد التي سميت بأسماء عربية واضحة، مثل: «جامع قتيبة» الذي بناه القائد - المسلم قتيبة بن مسلم الباهلي في مدينة سمرقند ومسجد الشام الموجود في مدينة بخارى من بلاد ما وراء النهر.
ولا تزال بعض القرى إلى يومنا هذا تسمى أسماء عربية مثل عرب خانة، وعربليار، وعرب شلاق وعرب مزار.. ومن أكثر الشواهد وضوحًا في العصر الحديث وجود جالية عربية قوامها بضعة آلاف شخص تعيش منذ عدة قرون في جمهورية أوزبكستان، ولا تزال محتفظة بلغتها ومعظم تقاليدها العربية، ويرى بعض الباحثين أن أصل هؤلاء العرب يرجع إلى أيام الفتوحات الإسلامية الأولى لهذه المنطقة، تلك الفتوحات التي قادها قتيبة بن مسلم الباهلي مع نهاية القرن الهجري الأول، وكان لهذه الهجرات العربية الإسلامية القديمة نتائج غاية في الأهمية يمكن إيجازها فيما يلي:
ساعدت الهجرات العربية الإسلامية المكثفة لبلاد خراسان وما وراء النهر على إنشاء بيئة لغوية أسهمت في تعلم اللغة العربية، حتى غدت سيدة لغات المنطقة، وتوارت أمامها اللغتان الفارسية والتركية، وتلاشت اللهجات المحلية.
وقد ساعد على نشر اللغة العربية في المنطقة كذلك الوازع الديني عند أصحاب البلاد المفتوحة، حيث رأوا ضرورة تعلم تلك اللغة التي يتعبدون بها، ويقرأون بها القرآن الكريم، وما هي إلا سنوات حتى تحول المجتمع إلى مجتمع عربي اللسان عربي الثقافة، فصنفت الكتب باللغة العربية في جميع العلوم والمعارف بل صنفت كتب في علوم اللغة العربية ذاتها، وفي معاجمها وأصبحت هذه الكتب مرجع العلماء ومنهل الباحثين في أنحاء العالم إلى يومنا هذا.
رسخت الهجرات العربية الإسلامية إلى هذه المنطقة مبادئ الدين الإسلامي، فقد اجتمع الناس على دين واحد، ولغة واحدة، وتعرف سكان البلاد الأصليون على عقيدة التوحيد، وانصهروا في بوتقة الإسلام التي جعلت المساواة من أهم مبادئها، ولم يكن ذلك المبدأ معروفًا، أو مطبقًا عند الفرس أو الترك.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13)
وقال صلي الله عليه وسلم: «كلكم لآدم وآدم من تراب... لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى».
وهكذا أحدث الإسلام تطورًا كبيرًا في هذا المجتمع، وكان التغيير الاجتماعي الذي حول المجتمع من عناصر متباينة متناحرة إلى إخوة متحابين متعاطفين متراحمين عرفوا جميعًا بالمسلمين، فصفهم صفًا واحدًا في الصلاة، وفي الجهاد، وفي العلم، وجعلهم أمة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم.
ومن هذه المنطقة انطلق المفكرون المسلمون ينهلون من الإسلام، ويملؤون الدنيا علمًا وفكرًا وعطاء، حتى كتبت أسماؤهم بمداد الذهب في نواح عديدة من هذا العالم الذي نعيشه، فأصحاب الكتب الستة في الحديث، على سبيل المثال - من أبناء هذه المنطقة، والبيروني، وابن سينا والطبري، وغيرهم من العلماء التجريبيين من أبناء هذه البلاد أيضًا.
كان انتقال المسلمين العرب إلى خراسان، وما وراء النهر «جمهوريات آسيا الوسطى حاليًا» إيذانًا بتذويب الحواجز النفسية بين الناس، فقد كانت مبادئ الدين الإسلامي التي تدعو إلى التسامح، وكذلك اللغة العربية التي أقبل عليها العجم يتعلمونها وينطقون بها، سببًا في محو الفوارق والفواصل بين أبناء هذه البلاد.
وأصبحت العناصر البشرية من فرس وترك وعرب شعبًا واحدًا في إطار الدين واللغة.
وبقي الحاجز الطبيعي بين خراسان وما وراء النهر، وهو نهر جيحون ذلك النهر الذي كان مانعًا مائيًا من إغارات الفرس على الترك أو العكس، فتمكن المسلمون من إذابة هذا الحاجز أيضًا، حيث جعلوا المنطقة كلها من الناحية الإدارية إقليمًا واحدًا ولم يعد النهر فاصلًا بين عنصرين متحاربين متناحرين، بل أصبح ممرًا مائيًا لأخوين يربطهما الإسلام برباط العقيدة الوثيق.
وكان ذوبان هذا الفاصل امتدادًا للاتجاه الذي يزيل الفواصل بين البلدان المفتوحة، لتكوين أمة واحدة، تنفيذًا لقول الله العظيم: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (الحج: 52)
وما كاد يقترب القرن الأول على الانتهاء حتى أصبح مجتمع خراسان وما وراء النهر المكون من أجناس ثلاثة «فرس وترك وعرب» يعرف باسم مجتمع المسلمين وانمحت العنصرية، وظهر واضحًا التلاحم والتعاون بينهم، ورسم الدين الإسلامي، واللغة العربية معالم المجتمع الجديد الذي هو أمة واحدة هي أمة الإسلام.
وأخيرًا.. ما أحوج المجتمع الإسلامي المعاصر الذي يضع الحدود والفواصل بين أبنائه أن يدرك أن المسلمين الأوائل كانوا يذيبون هذه الحدود، طبيعية كانت أو نفسية، ويرفعون راية الإسلام عالية، ويقفون جميعًا تحت هذه الراية متحابين متعاونين مجاهدين من أجل نصرة هذا الدين، وكانت مشاعرهم واحدة، وأهدافهم واحدة وتطلعاتهم واحدة، وخططهم واحدة..
قصة قصيرة: الطريق الطويل
بقلم: نواف عبدالرحمن الجديمي
تدافعت الأسئلة على رأسه المنهوك، وقد تعبت قدماه من الوقوف في هذا الطابور الطويل، لكن فرحته تدفعه إلى الأمام، فقد حان قطاف الشهر نظر إلى الشيك الموقع في يده، ما أحلاها من ورقة، لكم طال انتظارها، عاودته الأسئلة من جديد، ماذا ستفعل بهذا الراتب هل سينتهي في نصف الشهر كما هو معتاد أم سيبقى مدة أطول في هذا الشهر عليه التزامات إضافية مدرسة ابنه تطلب قسطها الفصلي، ابنه الكبير محمد يطلب بعض الكتب الجامعية أم العيال تطلب فستانًا جديدًا بمناسبة زفاف أخيها بعد أسبوع، حياة مملة الكل يطلب ولا أحد يعطي، وصل دوره إلى شباك الصرف، لم تأخذ العملية وقتًا طويلًا. دقيقتان أو ثلاث وانتهى الأمر، «تفضل خمسمائة جنيه» وبخفة امتدت يده إليها ووضعها في جيبه وأدار له ظهر المجن.
خرج بخطوات وليدة حيرى واتجه إلى بقايا سيارة تسير على الأرض تلك السيارة التي كلما رآها ابتسم ابتسامة صفراء تعبيرًا عن فرحته بها، إن هذه السيارة أكبر سنًا من بعض أولاده، ويذكره مرآها بالسنوات الخمس عشرة التي قضاها برفقتها، حتى صارت جزءًا لا يتجزأ من حياته، وتذكر السنوات الخمس الأولى التي قضاها في تسديد أقساط هذه السيارة والتي كان يقتطعها من فؤاده قبل أن يأخذها من جيبه.
قاد سيارته في طريق طويل متجهًا إلى بيته في ذلك الحي البعيد على أطراف المدينة، يا له من حي متهالك يا ترى من أنشأه، هل هو صلاح الدين الأيوبي، أم نابليون بونابرت عندها أطلق ضحكة مفتعلة محاولًا طرد الكآبة التي سيطرت عليه من حين ركوبه عاودته الأسئلة من جديد، يا ترى ماذا ستفعل في هذا المبلغ يا أبا محمد هل تشتري به حاجيات البيت في البداية، أم تعطي الجزار ما استدنته منه على مدى ثلاثة شهور، أم تدفع لمدرسة الابن قسطها الفصلي، أم أم أم...؟!
يا إلهي ما أشقاها من حياة، لم أستطع على مدى خمس وعشرين سنة من العمل المتواصل أن أبقي لأولادي بعض المال يستعينون به على حوادث الدهر وصروفه.
ازدحمت الأفكار في رأس أبي محمد، حتى غاب عن عالمه إلى عالم من الخيال يسلي نفسه في هذا الطريق الطويل، ولم ينتبه إلا وسيارته قد انحرفت إلى اليمين بشدة، حاول تدارك الموقف دون جدوى ارتطمت سيارته بسيارة كانت بمحاذاتها، توقفت السيارتان على جانب الطريق نزل صاحب السيارة الأخرى من سيارته وهو يرغي ويزيد، هاتفًا بأعلى صوته، مستعينًا بقاموس السباب والشتائم، دارت الأحداث بسرعة، تجمع الناس من كل صوب وحدب، ضج المكان بالأصوات المرتفعة، الكل يسأل والكل يجيب إلا أبا محمد فقد كان ينظر إلى سيارته بعينين مشدوهتين، لم يكن الحادث بسيطًا ولم يطل الانتظار، جاءت سيارة المرور، دار حديث طويل، كيف حصل الحادث؟!! من المخطئ؟! من رأى الحادث الكل يتكلم. والكل رأى الحادث، إلا أبا محمد فقد جلس القرفصاء وأسند ظهره إلى سيارته، ووضع يده على رأسه، وراح في دوامة من الأسئلة المحيرة.
ازدادت سرعة الأحداث، قطع رجل الأمن ضجيج المكان، رفع صوته قائلًا: أين صاحب السيارة، انشق الناس يمينًا وشمالًا، اتجهت الأنظار إلى أبي محمد، أخرج رجل الأمن ورقة رسمية وكتب فيها تحسب غرامة مالية على صاحب السيارة المتسببة في الحادث مقدارها خمسمائة جنيه، على أن يتم سدادها حالًا، وإن امتنع عن الدفع فيؤخذ إلى السجن إلى حين توفير المبلغ. التوقيع» قام رجل الأمن بتسليم الورقة إلى أبي محمد الذي نظر إليها بحدة، ولم يزد عن إخراجه المال من جيبه ودفعه إلى رجل الأمن. رفع أبو محمد رأسه إلى السماء، بعد أن اغرورقت عيناه بالدموع، وقال بأعلى صوته «افرجها يارب»..