; رسالة إلى الشعوب الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان رسالة إلى الشعوب الإسلامية

الكاتب المستشار محمد المأمون الهضيبي

تاريخ النشر السبت 28-ديسمبر-2002

مشاهدات 57

نشر في العدد 1532

نشر في الصفحة 34

السبت 28-ديسمبر-2002

ضرورة امتلاك الشعوب الإسلامية للقوة التي تعينها على تطبيق شرع ربها ونشر رسالة العدل وبسط السلام دون خوف أو إعاقة

هذا خطاب من قلب مفعم بحب المسلمين، يسعده الخير لهم ويؤلمه أي ضرر ينزل بساحتهم. وصاحبه إذ يعيش الواقع، ويبصر ما يحيق بالشعوب الإسلامية من مكاره، وما يسلط عليها من وسائل القهر وأدوات الهدم ليضرع إلى الله تعالى أن يرفع شأنها، ويرد كيد أعدائها ويعزها بدينها، ويحقق أمالها، وهو في الوقت ذاته يذكر الأمة أن تتدير قول ربها ﴿يَا آيةا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (سورة محمد: آية: 7)، فهم لا بد أن يحققوا نصر الله، باتباع شريعته، والاستقامة على طريقته ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ (سورة الجن: آية: 16)

وحتى يتم ذلك يلزم أن تعي هذه الشعوب أمورًا عدة أولها: الثقة في معية الله، والعمل على اكتسابها بتحقيق متطلباتها من الإيمان والتقوى والإحسان والصبر قال تعالى في بحر المشركين بمعية الله للمؤمنين ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (سورة الأنفال: آية: 19) وفي شأن تحققها عن طريق الإحسان قال تعالى ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة البقرة: آية: 195)، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (سورة العنكبوت: آية: 69) وفي معية المتقين يقول تعالى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة البقرة: آية: 194)، ﴿ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة آل عمران، آية: 76) وفي معيته للصابرين يقول تعالى ﴿يَا آيةا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة البقرة: آية: 153)، ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة البقرة: آية: 249)

والثقة في نصر الله ومعيته -إن عرفت الأمة الطريق إلى ذلك- تهون الشدة وتسهل الصعاب فلا تستبطئ النصر، وقد طمأن الرسول ﷺ بها أبا بكر ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة التوبة: آية: 40) والوعد باق ومستمر ﴿كَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الروم: آية: 47).

ثانيها: ضرورة الثقة بالنفس المعتمدة على ربها، ومنع تسرب الوهن إليها، بالتخلص من حب الدنيا وكراهية الموت، وباليقين بأن المؤمن بعون الله وتأييده هو الأعلى قال تعالى ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة آل عمران: آية: 139)، وبالاستجابة لنداء القرآن ﴿يَا آيةا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة الأنفال: آية: 46) والتعالي على الأراجيف والتمثل بقول الحق ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ(173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ(174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة آل عمران: آية: 173:175) هذا في الوقت الذي هون فيه الله من غدر أعدائهم وقلل من شأنهم كما في قوله ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (سورة النور: آية: 579).

وكل ذلك -كما هو واضح- يعطي الثقة الكاملة لهذه الشعوب، في نفسها، ودينها ونصر الله لها، كما يبث في النفوس القوة الحقيقية الواعية الهادفة البناءة، التي تبعد عنها شبح الحرب النفسية مهما تجددت وتلونت أساليب هذه الحرب ضدهم، وتكسبهم المهابة في عيون عدوهم وتمكنهم من أداء رسالتهم، وتبليغ دعوتهم ونجاحهم في عمارة الكون، وحسن خلافتهم فيه، ونشر العدل، وبسط السلام في ربوع الدنيا.

ثالثها: امتلاك القوة، في كل شيء، في الجسم والعقل وفي الابتكار والإنتاج، وفي التصنيع والزراعة، وفي الطب والذرة. إلخ.

وبعبارة جامعة امتلاك الشعوب الإسلامية للقوة التي تعينها على تطبيق شرع ربها، ونشر رسالة العدل، وبسط السلام في دنيا الناس أجمعين دون خوف أو إعاقة لهم من أحد عن تحقيق المراد.

وينبغي أن تكون هذه القوة على أفضل وأحدث وأكثر ما تكون تقدمًا وتفوقًا، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ (سورة الأنفال: آية: 60).

كما ينبغي أن تكون في كل المجالات، وعلى جميع الصور، لتصبح الأمة بسبب هذه الشمولية، وهذا التفوق مهيبة الجانب يخشى بأسها، فلا يطمع فيها عدو، بل يعمل لها حسابًا وألف حساب، وبهذا يستقر الأمن للعالمين.

رابعها: توافر الاعتدال والاعتدال هو الوسطية التي وصفت بها هذه الأمة، وهو العدل الذي قامت عليه السموات والأرض والحياة، فلم يدم حرها، ولا استمر زمهريرها، بل كان وسطًا ليعمر الكون، ولا كان واحد من الليل أو النهار سرمدًا، وتعم هذه الوسطية كل مظاهر الكون، ويربي الإسلام عليها الإنسان ليصلح لعمارة هذا الكون ففي جانب التكوين الفكري والنفسي يقول الرسول ﷺ «أمرني ربي بتسع: الإخلاص في السر والعلانية والعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى. إلخ، وفي جانب حاجة البدن من الزينة والطعام نهى عن الإسراف الذي هو مجاوزة الوسطية والعدل، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (سورة الأعراف: آية: 31)، وفي جانب الإنفاق أشاد بهذه الصفة فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ (سورة الفرقان: آية: 67)، وحتى في جانب التوجه إلى الله بالقربات حذر من الغلو وهو من الإسراف فجاء في الحديث «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا ابقى ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه»، ونهى ﷺ عن الوصال في الصوم ورغب في تعجيل الفطر للصائم وتأخير السحور وانكر ﷺ على النفر الثلاثة الذين عرفوا عبادته فكأنهم تقالوها قائلين إن رسول الله ﷺ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقرروا أن يزيدوا في عباداتهم بمواصلة الصيام وقيام الليل وترك التزوج فعاب فعلهم وردهم إلى القصد والاعتدال: «أما إني والله لأخشاكم لله واتقاكم لله، وإني أصوم وافطر وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، وهذه سنتي ومن رغب عن سنتي فليس مني، ونهى الشرع عن الإسراف في الوضوء ولو كان الوضوء من نهر جار، ونقل إلينا القرآن ما وقع فيه من قبلنا من الغلوة فقال تعالى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ﴾ (سورة المائدة: آية: 77) وقال عنهم أيضًا ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة المائدة: آية: 66).

وهذه الوسطية ينبغي أن تنشأ عليها الأمة فتتخذ القصد في كل حياتها ونشاطاتها، وذلك لا يكون إلا في ظلال فقه الشعوب الإسلامية الناضج الواعي بدينهم وتبصرهم لروحه، وإيمانهم برسالته، والتزامهم بشرعه وتطبيقهم لعدالته، وهذا هو ميزان الإسلام الذي ينبغي ألا تحيد عنه الشعوب الإسلامية ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (سورة المائدة: آية: 112:113) والشرع فقط هو الذي يهدي هذه الشعوب إلى الفقه بهذا الاعتدال والتمسك بهذا الميزان ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ (سورة الإسراء: آية: 9).

وتوافر هذا الاعتدال، ووجود هذا الميزان يقي الشعوب الإسلامية الغلو والشطط ويحمي أفرادها من الانحراف إفراطًا أو تفريطًا، وكما يقي الأمة من الإفراط فيما يأتون من الأعمال دنيوية وأخروية فإنه يقيهم التفريط في المطلوب منهم، فلا يحجمون عن إثراء الأمة في جوانب المعرفة ومعالي الأمور وتوفير الحياة الكريمة، ولا يفرطون في حقوقهم التي تكفل المواطنة الصحيحة، كما ينزع الوهن والخوف من قلوبهم، ويزرع المهابة منهم في قلوب أعدائهم إذ إنهم يملكون قوة تردع الطغاة، فيثقون في نصر الله لهم لا يرهبهم بطش فيستذلوا، ولا يغريهم نصر فيظلموا.

فعلى الشعوب أن تهتم كل الاهتمام ببذل النصيحة لحكامها وأن يكون ذلك بالطرق السلمية الشرعية المهذبة التي لا توفر الصدر ولا تثير الضغينة أو تدعو إلى الفتنة أو الفرقة، ومن الطرق السلمية ما يمكن أن يكون له تأثير قوي ونتيجة مضمونة وصالحة، وما قد تعتبر ضغطًا مؤثرًا دون تطرف أو خروج عن القصد والاعتدال، واتباع هذا المسلك يحقق أفضل النتائج مما يعين على التخلص من القيود على الحريات، وعلى نوال الحقوق بالطرق السليمة الهادئة والهادفة المشروعة، التي لا عنف فيها، ولا تخاذل، بل ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة﴾ (سورة النحل: آية: 125) التي تحقق الغاية، دونما خسائر أو تدمير أو مخالفات شرعية تشوه صورة هذه الشعوب المؤهلة لقيادة الدنيا وأهلها مثلما قادها أسلافهم الصالحون من شعوب هذه الأمة.

 وعلى كل مسلم أن يستشعر مسئوليته تجاه إخوانه المسلمين في شتى بقاع الأرض فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، وأن نتعامل مع قضايا المسلمين بما هي أهل له، إعمالًا لقول النبي ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (رواه مسلم).

 هذا الترابط والتأخي من شانه أن يبرز عظمة الإسلام وأن يؤدي إلى إعلاء كلمته.

 ونحن «الإخوان المسلمين» باعتبارنا جماعة من المسلمين: نناشد الشعوب الإسلامية قاطبة بذل جهدها وتوحيد صفوفها، ونبذ خلافاتها، واتجاهها جميعًا -برغبة صادقة، وعمل جاد- لرفع شأنها ورد كيد أعدائها، وإعزاز دينها، ولن يتم لها ذلك -فيما نرى- إلا إذا:

 اجتمعت قلوبها على طاعة ربها.

والتقت جهودها على محبته.

وتوحدت صفوفها على دعوته.

 وتعاهدت شعوبها على نصرة شريعته.

وساعتها:

يوثق الله -بقدرته- رابطتها، ويديم -في حبه- ودها ويهديها -بفضله- سبلها، ويملأ -بنوره الذي لا يخبو- صدورها، كما يشرح هذه الصدور بفيض الإيمان به وجميل التوكل عليه، ويحييها بمعرفته، ويميتها في نصرة دينه على الشهادة في سبيله.

 وبذلك تتحقق كل آمالها التي نرجو لها

والحمد لله أولًا وآخرًا ودائمًا وأبدًا.

 الثقة في الله ومعيته تهون الشدة وتسهل الصعاب فلا نستبطئ النصر.

 ينبغي أن تنشأ الأمة على الوسطية فتتخذ القصد في كل حياتها ونشاطاتها.

الرابط المختصر :