; رسالة إلى الله | مجلة المجتمع

العنوان رسالة إلى الله

الكاتب د. نجيب الرفاعي

تاريخ النشر الأحد 15-مارس-1992

مشاهدات 55

نشر في العدد 993

نشر في الصفحة 50

الأحد 15-مارس-1992

الحرية والعبرة من الابتلاء

ها هو يهل علينا شهر رمضان الثاني، ونحن هنا في الكويت نستنشق عبير الحرية بعدما كنا مأسورين [سبعة] أشهر، والحرية لا يعيها تمامًا إلا من عاش تحت الظلم والكبت والطغيان، نسأل الله أن يكمل فرحتنا برمضان بعودة جميع المأسورين.

 

إن ما مر في الكويت لهو سنة من سنن الله؛ فالابتلاء تارة يكون بالخير والانفتاح على الدنيا، وتارة يكون بالشر كالكوارث والحروب. قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (الأنبياء:35).

قال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله: لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدار، فإنها ما أبرزت إلا ما هو مستحق وصفها، وواجب نعتها. قال:

طُبِعت على كدرٍ وأنت تريدها

صفوًا من الأقذار والأكدار

إن اللياليَ لم تُحسن إلى أحدٍ

إلا أساءت إليه بعد إحسان

 

وأوضح صاحب كتاب «بدائع السلك في طبائع الملك» محمد بن الأزرق الأندلسي (896 هـ): إن شيوع المعصية -وخصوصًا من السلطان ومن يليه- هو سبب وجود الشدائد العامة والابتلاء بمصائبها، كما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعًا: «إذا فشا في هذه الأمة خمس حل بهم خمس: إذا أكلوا الربا كانت الزلزلة والخسف، وإذا جار السلطان قحط المطر، وإذا تعدى على الذمة كانت الدولة لغيره، وإذا ضيعت الزكاة ماتت البهائم، وإذا كثر الزنى كان الموت». وأفادنا بأن الرجوع إلى الله -تعالى- بالتوبة مما أوجب وقوع الشدة الخاصة أو العامة هو الكفيل بتعجيل الفرج منها، وتبديل العسر بها يسرًا، كما وقع لقوم يونس -عليه السلام- لما تابوا من الكفر. قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ﴾ (يونس:98).

 

تأمل -عزيزي القارئ- هذه القصة العجيبة التي وقعت لأحد خلفاء بني العباس، والتي أجدها مشابهة لما حل بنا هنا في الكويت:

لما اشتدت المحنة بالقائم بأمر الله حينما بغى عليه البساسيري كتب إلى مكة شاكيًا ما ناله منه ما نصه:

«بسم الله الرحمن الرحيم.. إلى الله العظيم.. من عبده المسكين. اللهم إنك عالم بالسرائر، ومطلع على مكنونات الضمائر، اللهم إنك غني بعلمك واطلاعك على أمور خلقك عن إعلامي لك، وهذا عبد من عبيدك، قد كفر نعمتك وما شكرها، وألغى العواقب وما ذكرها، أطغاه حلمك، وتجبر بآياتك؛ حتى تعدى علينا بغيًا، وأساء إلينا عتوًّا وعدوانًا. اللهم قل الناصر، واعتز الظالم، وأنت المطلع العالم، والمنصف الحاكم، بك نستعين عليه، وإليك نهرب من يديه، فقد تعزز بالمخلوقين، ونحن نستعين بالله رب العالمين. اللهم إنا حاكمناه إليك، وتوكلنا في إنصافنا منه عليك، ورفعنا ظلامتنا إلى حلمك، وثقتنا في كشفها بكرمك، فاحكم بيننا بالحق، وأنت خير الحاكمين، وأظهر قدرتك فيه، وأرنا ما نرتجيه؛ فقد أخذته العزة بالإثم، اللهم فاسلبه عزه، وملكنا -بقدرتك- ناصيته، يا أرحم الراحمين. وصل اللهم على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين وسلم تسليمًا».

 

قال: فلما وصل الكتاب إلى مكة، وعُلق على باب الكعبة، ودُعي بما فيه، ذُبح البساسيري في ذلك اليوم، وهُزم جيشه على يد الملك طغرل بك ابن ميكال الغزي صاحب خراسان، وأُعيد الخليفة إلى ما كان من حاله، ورجع إلى داره.

 

ورد في معجم الصدفي للقاضي عياض: كانت فتنة البساسيري وهو أرسلان التركي وقيامه ببغداد على أمير المؤمنين القائم بأمر الله، وحشده العرب مع قريش بن بدران العقيلي إلى بغداد ودخولهم إياها، وانتهاب دار الخليفة، وأسره لأمير المؤمنين القائم بأمر الله، ودعاؤه بالمنابر لصاحب مصر، وإخراج أمير المؤمنين إلى الجونية آخر سنة 450 هـ إلى أن خلصه الله من يده، وأظفر به، ورده إلى خلافته على يد الملك طغرل بك أبي طالب محمد بن ميكال الغزي صاحب خراسان آخر سنة 451 هـ.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1123

75

الثلاثاء 01-نوفمبر-1994

الإمام الشافعي والتغيير

نشر في العدد 2147

138

الثلاثاء 01-سبتمبر-2020

الأفكار المقبورة..

نشر في العدد 403

74

الثلاثاء 11-يوليو-1978

التاريخ يتكلم (403)