العنوان رسالة إلى راحلة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يوليو-1993
مشاهدات 19
نشر في العدد 1058
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 20-يوليو-1993
رسالة إلى راحلة
أختي في الله،
يا من تعرّفتُ عليكِ لفترة قصيرة لكنها جعلتني أستشعر الأمل في هذه الدنيا، وأدركُ
أنَّ ثَمَّةَ نساءً صالحاتٍ يقتفين أثر السلف الصالح. لقد سرّني التعرف عليكِ،
فاتخذتُكِ مستودعاً لسري وملاذاً لحل مشاكلي، ثم سرعان ما فقدتُكِ، ولا حول ولا
قوة إلا بالله العلي العظيم.
أختي الراحلة
إلى الدار الآخرة، أسأل الله تعالى أن يتغمدكِ بواسع رحمته وعظيم فضله، وأن يكلأ
أولادكِ بعنايته ورعايته؛ إنه أكرم مسؤول. لقد أعطيتِنا درساً في حياتكِ ودرساً في
مماتكِ، وهذا شأن الأخيار - الأخيار كما نحسبكِ والله حسيبكِ. كنتِ في حياتكِ
مثالاً للزهد والتقوى وحسن الخلق، وفي موتكِ اتعظنا بأن الموت قريب لا يفرق بين
صغير وكبير، وأن الأجل آتٍ لا محالة، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَیۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَیۡرِ﴾
ذهبتِ أيتها
المرأة الواعية الناصحة، وتركتِ خلفكِ أختاً تبكي فراقكِ، وتتمنى ضَمَّ أبنائكِ
إليها لتعوضهم حبكِ وحنانكِ. ذهبتِ وتركتني في حيرة وذهول لولا مسحة من عقل ودين.
لقد فقّهتِنا علماً وأدباً وخلقاً، وحفظاً لكتاب الله ونحن في غفلة سادرون. كنتُ
أستمد القوة من علاقتي بكِ، فالإنسان يحتاج الرفقة الصالحة التي قلّ وجودها في جيل
اليوم الذي يتمسك بالقشور والمظاهر، أما أنتِ فكنتِ نموذجاً فريداً يذكرنا بعبق
السلف الصالح.
أختي الفضلى، لم
يبقَ منكِ سوى ذكرى طيبة ودعوات صالحة أتقرب بها إلى الله حباً فيكِ وفيه، وأرجو
أن تكوني الآن في أنهار الجنة ورياضها تنعمين. إني أعزي نفسي فيكِ قبل أي شخص آخر،
فأنا التي افتقدتُكِ أكثر من الجميع إلا أولادكِ؛ فلا أحد يعلم مقدار الرابطة التي
تشدني إليكِ. ذكراكِ الطيبة لا تفارق لساني، كنتُ أستعذب الحديث عنكِ حباً
وإعجاباً، لكني الآن يشجيني الحديث وأحس بمرارة لا يعلمها إلا الله، فكثير من
البشر لا يصدق درجة الحب بين أختين في الله.
يا عزيزتي
القريبة البعيدة، الحاضرة الغالية؛ كنتُ أود جمع رسائلي المتفرقة في كتيب أهديكِ
إياه، وما تصورتُ أني سأكتبها رسالة إليكِ وأنتِ تحت الثرى. فعسى الله أن يجمعني
بكِ في جنة الخلد، ويجعلنا من المتحابين بجلاله يوم يكون ﴿ٱلۡأَخِلَّاۤءُ
یَوۡمَىِٕذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِینَ﴾.
عزيزتي الراحلة،
وكم تؤلمني كلمة "راحلة"؛ كنتُ أشتاق لسماع صوتكِ عبر الهاتف، فنعم
السند كنتِ ونعم المستشار الأمين. والآن، أصبح مجرد رؤية الهاتف يثير شجني، فعسى
الله أن يربط على قلبي، ويمكّنني من تقديم بعض الحسنات هدية لكِ ترفع درجاتكِ.
وعسى أن تكوني قد غفرتِ لي إزعاجي وما سببته لكِ من حرج بإقحامكِ في مشاكلي
الخاصة، ولا أنسى ذلك اليوم الذي جئتِني فيه رغم مشاغلكِ وبعد المسافة، فجزاكِ
الله عني خير الجزاء؛ فقد زرتِ أختاً في الله وسعيتِ في حاجتها، ولكِ أجر الساعي
كما وعدنا نبينا الكريم.
يا سليلة
الصالحات، رحلتِ من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة بإذن الله. رحلتِ بعد أن علمتِنا أن
العلم ليس بمجرد الشهادات، بل بالتعلم والمتابعة الأصيلة، ومجاورة أهله، وغشيان
مجالس الذكر مع التطبيق العملي. ذهبتِ وخلفتِ وراءكِ من كنَّ يستكثرنَ عليكِ زوجاً
ذا علم، وما عرفنَ قدركِ الحقيقي. يا لسخافة العقول أمام حقيقة الموت التي توقظ
الغافل ليعلم أن قيمة الإنسان بعلمه وتقواه، لا بجاه الدنيا الزائل. فإلى الملتقى
في الجنان بحول الله وقوته، إنه أكرم مسؤول.
أم البراء - السعودية
انظر أيضا:
وفاء لا مثيل له!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل