; قراءة أكاديمية لواقع الإسلامي في السنغال (2-2).. رغم الإنجازات.. العقبات تملأ الطريق | مجلة المجتمع

العنوان قراءة أكاديمية لواقع الإسلامي في السنغال (2-2).. رغم الإنجازات.. العقبات تملأ الطريق

الكاتب محمد سعيد باه

تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2012

مشاهدات 71

نشر في العدد 2029

نشر في الصفحة 36

السبت 01-ديسمبر-2012

  • حالة التشرذم التي يعاني منها التيار الإسلامي في السنغال تقف وراء عجزه عن إيجاد حالة من التعبئة العامة في المناسبات السياسية.
  • التيار الإصلاحي في السنغال يحتاج إلى تبني خطاب جديد يتسم بالمرونة والواقعية والاتساع ووضوح الرؤية.
  • الفشل العلماني والتغيرات الدولية التي تتجسد في «الربيع العربي» تجعل الفرصة مواتية أمام التيار الإسلامي ليكون له موضع قدم في صنع السياسة في السنغال.

في العدد السابق استعرضنا جهود الحركة الإسلامية وتطور فعلها على مدى تاريخ العمل الإسلامي في السنغال، ورغم هذا التاريخ وهذه المحاولات التي ذكرناها، فإن هناك مفارقة واقعية تتجسد في نتائج مقارنة بسيطة بين التيار الإسلامي والتيار الشيوعي الذي انحصر مده كثيرًا منذ تحطيم جدار برلين، فضلًا عن الرفض الاجتماعي الذي جوبه به، ومع كل ذلك استطاع الوصول إلى بعض المكاسب؛ كتحقيق وجود معتبر ومستمر داخل البرلمان، إلى جانب المشاركة في صنع القرار السياسي ولو بصورة جزئية، وتسلم حقائب وزارية في حكومات متعاقبة منذ بداية الانفراج في آخر عهد الحكم الاشتراكي وبداية الحكم الليبرالي.

في مقابل هذا، نجد أن التيار الإسلامي لا يتحرك إلا على استحياء، ولا يكاد يخطو إلى الأمام حتى يتراجع خطوات رغم ما يمتلكه من رصيد تاريخي، لم يحسن توظيفه حتى الآن بصورة ذكية، إلى جانب العمق الاجتماعي الذي يمكن أن يكون بمثابة رديف لإنجاح أي مشروع سياسي إصلاحي على أساس الإسلام، ومع ذلك ظل يتحرك على الهامش باستثناء الاختراق المحدود الذي حققته «حركة الإصلاح للتنمية الاجتماعية» بدخول عدد من أعضائها إلى المجالس البلدية والمحلية ابتداء من انتخابات ٢٠٠٢م ثم الوصول إلى البرلمان في دورة ۲۰۰۷م، إلى جانب حضور قوي داخل الشارع السياسي في صفوف المعارضة التي قامت فيها بدور واضح ومؤثر مما جعلها تشارك بفعالية في إلحاق المعارضة الهزيمة بـ الحزب الديمقراطي السنغالي في مارس ۲۰۱۲م، وتقوى هذا الحضور بالمكاسب التي حققها التيار في الانتخابات البرلمانية في شهر يوليو؛ ما جعل وسائل الإعلام تسلط الضوء على هذه المكاسب وتصف الحالة بالاختراق الإسلامي.

قبل الحديث عن آفاق العمل السياسي للتيار الإسلامي السنغالي على ضوء كثير من المعطيات  التاريخية والمحاولات المتكررة التي قام بها هذا التيار لاختراق الساحة السياسية نشير إلى بعض العوامل التي نرى أنها تمثل جانب التقصير في أدائه السياسي:

الفشل في استثمار الهامش الكبير من الحريات وإمكانية المناورة من النظام العلماني رغم ضراوة معاداة بعض رموزه لكل ما يمت إلى الدين بصلة، فضلًا عن الثغرات الكثيرة الموجودة في هذا النظام  والتي يمكن تحويلها إلى فرص والتسلل عبرها بهدف التمركز السياسي وبالتالي توظيف وترجمة الثقل الاجتماعي الذي يمتلكه التيار الإسلامي السنغالي في إطار الشق السياسي من مشروعه الإصلاحي، إلى مكاسب حقيقية. 

العجز عن مد جسور التواصل مع ما يسمى بالقوى الدينية التقليدية، انطلاقا من فكرة السعي إلى استثمار النفوذ الواسع الذي تحظى به المشيخة التقليدية لدى مختلف الشرائح الاجتماعية، على غرار ما ظلت تفعله القوى السياسية العلمانية التي لم تكن لتصل إلى القوى الاجتماعية لاستغلال أصواتها في كل استحقاق انتخابي منذ أكثر من نصف قرن، لولا تزلفها لدى المراكز الدينية.

حالة التشرذم التي لا يزال يعيشها التيار الإسلامي الإصلاحي، والتي كانت دائمًا وراء عجزه عن إيجاد حالة من التعبئة العامة في المناسبات السياسية التي كانت تتطلب قدرًا من الالتفاف حول الصوت الإسلامي، بدلًا من هذا الاحتشاد رأينا هذا التيار يسلك طرائق قددًا؛ ما جعله يفقد كثيرًا من وزنه في الشارع، وقد وصل الأمر إلى مستوى التشاحن كما حدث أثناء الانتخابات البرلمانية عام ۲۰۰۷م، حين قام بعض مكونات التيار الإسلامي بالتحالف مع قوى علمانية، ووصلت حدة التنافر إلى أن قام البعض بشن حملة دعائية مضادة لحملة حزب محسوب على التيار الإسلامي.

ملامح القادم

ورغم قتامة هذه اللوحة، فإن التيار الإسلامي يمتلك وزنًا حقيقيًا لا يزال في حالة التنامي بما يجعله أكبر قوة فكرية واجتماعية منظمة، وهو ما يمكنه من طرح البدائل القوية التي يمكن أن تجد لها صدى في أنحاء المجتمع بخلاف الطرح العلماني الذي سيظل بعيدًا عن العقلية العامة، باعتباره مجرد نسخ مستورة لا يقبلها الذوق العام بخلاف النموذج الذي يبشر به التيار الإسلامي.

كي يكون التيار الإسلامي قادرًا على النهوض بدور مؤثر على المستوى السياسي، عليه أن يقوم بعدد من الخطوات الجوهرية، منها أن يقيم نفسه بوضوح وأمانة، ويقوم بمراجعة شاملة لمسيرته منذ انبلاج الصحوة الإسلامية حتى اندلاع الثورة «الربيع العربي» في العالم الإسلامي، ليرى أين نجح؟ وأين زلت القدم؟ ولماذا؟ وأن يمتلك القدرة والجرأة الكافية لنقد النموذج العلماني الذي تمت تجربته حتى الآن وبصورة علمية منهجية وليس الاكتفاء بمجرد الدعوى بأن هذا النموذج فاشل ولا يمكن أن ينهض به الوطن. 

بمعنى أن يواجه التيار الإسلامي نفسه بصدق وأمانة بعيدا عن نهج جلد الذات أو التستر على العيوب مجادلين بأن تلك عورات وما هي بعورة، مع طرح البدائل المحددة، وحسن تسويق مشاريع إصلاحية شاملة تجد رواجًا لدى كل طبقات الشعب بدلًا من الانكفاء؛ أي أن تكون موجهة إلى شريحة بعينها، وتتوج ذلك بتبني خطاب جديد يتسم بالمرونة والواقعية والاتساع ووضوح الرؤية.

 يتطلب ذلك أيضًا أن يسد التيار الإسلامي كثيرًا من الثغرات في مناهجه فيما يخص القضايا المصيرية إستراتيجية التغيير تأهيل الشباب، مناهج التدافع مع القوى المخاصمة، التغلغل في عمق بعض المكونات من النسيج الاجتماعي، ترتيب الأولويات ...» وبالتالي إنتاج لون جديد من الأدبيات والخطاب على المستوى السياسي يستجيب المتطلبات المرحلة المقبلة يمكنه الصمود أمام العواصف القادمة.

القيام بقراءة دقيقة للتطورات الجارية في العالم الإسلامي من خلال ما عرف به الربيع العربي»، ووضع رؤية جديدة للاستفادة من الظرف المواتي الذي أوجدته هذه التحولات الجذرية دون إغفال لمطلب إلقاء نظرة فاحصة فيما يتراكم من النذر داخل العالم الغربي. 

وقبل هذا وبعده، فإن التيار الإسلامي السنغالي بكل مكوناته مطالب ببذل كل ما يملك من طاقة - مهما كلفه ذلك من تضحيات وابتلاءات - من أجل الوصول إلى صيغ توافقية ولو بأضعف الإيمان تجعله قادرا على ترجمة ما يملكه من الرصيد والتاريخ والقرب من الجماهير، إلى وجود حقيقي على الأرض بما يتيح له المشاركة في صنع القرار السياسي الذي سيسند العمل الإصلاحي العام، ويحمي مكتسباته من أن تطاله الأيدي التي دأبت على العبث بما يحققه التيار الإسلامي من منجزات ضمن المشروع الإصلاحي الذي ظلت أجيال من أبناء هذه الأمة تتوارثه.  

الرابط المختصر :