; رقعة الشطرنج- على هامش حادث السفارة الأمريكية | مجلة المجتمع

العنوان رقعة الشطرنج- على هامش حادث السفارة الأمريكية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-نوفمبر-1979

مشاهدات 67

نشر في العدد 459

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 20-نوفمبر-1979

لا يستطلع الإنسان إلى المزيد من الأدلة ليضيف إلى القناعة القائلة بأن أحداث السفارة الأمريكية في طهران قد أبعدت الرئيس الأمريكي كارتر عن البيت الأبيض أكثر من أي حدث آخر طيلة تربع کارتر على عرش البيت الأبيض، وهنا لسنا بحاجة إلى الحديث عن أثر هذا الحدث على الوضع الداخلي للولايات المتحدة، فهناك كثير من الأسئلة قد أثيرت على المستوى الداخلي في العاصمة الإيرانية

● فعندما احتل الطلبة الإيرانيون مبنى السفارة الأمريكية في عاصمتهم أصدروا من جملة بياناتهم بيانًا ندد بعملاء أمريكا من أعضاء الحكومة الإيرانية.. ثم تسرب حديث آخر يشير بأصبع الاتهام -صراحة- إلى أشخاص من الحكومة كانوا على صلة طيلة الشهر الماضي بكبار الرجال المساعدين للرئيس كارتر. 

● وبالرجوع إلى استقالة الوزارة الإيرانية بعد صدور بيانات الطلبة يلاحظ المراقب أن الاجتماعات التي عقدت بين رئيس الوزراء السيد مهدي بازركان مع سياسي أمريكي بارز في الجزائر قد برزت في بيانات الطلبة الإيرانيين مقترنة بحديث إيراني ثوري محض يتهم الدكتور ابراهيم يزدي وزير الخارجية في حكومة بازركان بالعمالة للأمريكان.

● وإذا رجعنا إلى الاتهامات التي كان يكيلها السيد بازركان لرجال الدين في طهران لنربط تلك التصريحات بتصريحات رجال الدين مؤخرًا، والتي تتهم عناصر من الحكومة السابقة بالعمالة الأمريكية وقفنا على حقيقتين: 

الأولى: أن الوسط السياسي في العاصمة الإيرانية كان يعيش حالة بين المد والجزر.. وذلك بين رجال الثورة المتمثلين بشخص الخميني، وبين من أسماهم طباطبائي الناطق الرسمي باسم مجلس الوزراء المستقيل بالعلمانيين المدنيين، وهو يقصد بذلك نفسه ضمن الثالوث «بازركان - يزدي - طباطبائي»، والذي يجعلنا نقف على الهوية النوعية لعمالة هذا الثالوث للأمريكان ما تردد في الآونة الأخيرة على لسان حسين الخميني «الحفيد» والذي قال صراحة بصدد اتهامه بعض رجالة الحكومة السابقة: أن الدكتور يازدي هو رجل أمریکا في إيران. إذًا فالمد والجزر الذي كان يدور وراء كواليس الحكم الجديد في إيران ما هو إلا بسبب التحرك الأمريكي عبر الرجال الذين أشارت إليهم بيانات ثورية في الآونة الأخيرة.

الثانية: وهي تتعلق بحادث السفارة الأمريكية مباشرة، حيث إن القاموس السياسي لا يمكن أن يفسر الحادث إلا على صعيدين هما:

1 - الصعيد الخارجي: فحادث السفارة هو نموذج مكرر عن حادث السفارة الأمريكية في بكين عام ١٩٠٠ ذلك الذي جعل الصين تعزل نفسها عن الهيمنة الأمريكية وثقافتها طيلة ثلاثة أرباع القرن الحالي، ولعل الحادثة أريد منها أن تقطع كل ما لأمريكا من مصلحة في إيران فالجسر الذي هدم في الأيام الأخيرة لا يمكن ترميمه أبدًا بوجود الهيئة الحاكمة حاليًا في طهران.

2 - الصعيد الداخلي: ولعل عملية السفارة هي بمثابة ضربة قوية قصمت ظهر عملاء أمریکا داخل إیران، ويؤيد هذا ما ذكره وزير الخارجية الجديد السيد أبو الحسن بني صدر عندما قال: «إن الجناح اليساري في الثورة الإسلامية سيستلم السلطة، ذلك أن الوضع بات يحتاج إلى عملية جراحية لا يستطيع أحد سواه القيام بها». 

وعند هذه النقطة يمكن لأي مراقب أن يضع الأسئلة الآتية والتي ستنتظر جوابها من الواقع السياسي في إیران خلال أسابيع قليلة ماضية وهي كما يلي: 

س 1 - هل كان اليمين الأميركي الذي كشف عنه بني صدر وبيانات الطلاب وحسين الخميني متمثلًا في الثورة الإيرانية عندما كانت الثورة في مخاضها؟؟

س ٢ - وهل هناك غير بازركان ويزدي والدكتور طباطبائي من رجال أمريكا الصرحاء -كما ذكر بعض رجال المجلس الثوري- على المسرح السياسي الإيراني حتى الآن؟

س ۳ - هل كان الثالوث الإيراني – الأمريكي «بازركان - يازدي - طباطبائي» مرتبطين بالسفارة الأمريكية التي وصفت بأنها وكر للجاسوسية في إيران، أَم أن ارتباطهم كان بالبيت الأبيض والخارجية الأمريكية مباشرة؟؟

س ٤ - ماذا يقصد السيد أبو الحسن بني صدر عندما أعرب عن اعتقاده بأن الجناح اليساري في الثورة الإسلامية سوف يستلم السلطة، وأن الوضع الإيراني بات يحتاج إلى عملية جراحية لا يستطيع أن يقوم بها سوى اليساريين؟؟

س 5- هل سيعمل اليسار الذي تحدث عن بني صدر لإيران والمسلمين في الثورة الإسلامية، أم أنه سيتخذ أيضًا من سفارات الدول اليسارية منهجه في هذه المرة؟؟

إن الحديث عن اليمين واليسار والمد والجزر بينهما أمر طويل عرفه العرب و عرفته سائر الشعوب المظلومة والبلدان المقهورة، ونحن لا نريد هنا أن نستعرض تاريخ الظلم اليميني الصليبي واليساري الملحد على هذه الصفحات فالأمر ذو شجون والحديث يطول. 

لكن: 

يبقى هناك سؤال: 

ماذا ستفعل الولايات المتحدة في مستقبلها القريب كردة فعل سريعة تجاه إیران؟؟ إن الحديث عن القبض على المصالح الإيرانية في الولايات المتحدة حديث بات قديما، فالأمريكيون يفكرون الآن بالطريق الأقصر، وهو أن الخصم يجب إزاحته فورًا وهنا يتذكر الإنسان الطريقة البشعة التي واجهت بها الاستخبارات الأمريكية الملك فيصل بعد إعلانه عن عزمه على تنفيذ حظر نفطي شامل عن أمريكا رغبة منه في عودة القدس إلى الملكية الشرعية للعرب. 

نعم: الأمر ليس بغريب، فالأمريكان الذين قتلوا الملك فيصل بعد أيام قليلة من تصريحاته التي أزعجت البيت الأبيض واليهودي كيسنجر، سيفكرون تمامًا بالطريقة نفسها، ولعلنا ما زلنا نذكر أن الذي قتل ملك السعودية هو أقرب المقربين إليه.. ترى هل راهنت حكومة كارتر على الفوز بالانتخابات مرة أخرى؟ إذا كان الرهان قد حصل، فإن کارتر إذًا سيظل يبحث عن الفاعل الحقيقي لما حدث في السفارة الأمريكية في طهران، وعند ذلك سيكون لنا حوار آخر حول عملاء أمريكا في هذه المنطقة من العالم. 

الرابط المختصر :