; روحانية الداعية ما السبل إلى الروحانية؟ (الحلقة الأولى) | مجلة المجتمع

العنوان روحانية الداعية ما السبل إلى الروحانية؟ (الحلقة الأولى)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يونيو-1984

مشاهدات 60

نشر في العدد 674

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 05-يونيو-1984

بعد أن علمت -أخي الداعية- أن الإيمان، والإخلاص، والجرأة، والصبر والتفاؤل... هي أصول أساسية في تكوين الداعية النفسي، وفي إعداده الدعوى... وبعد أن عرفت أن هذه المواصفات لا يمكن أن تجتمع إلا في مؤمن ذاق حلاوة الإيمان، وكرس نفسه للإسلام، ومضى إلى غايته حتى يأذن الله له بالنصر، أو يلقى الله عز وجل وهو في طريق المحنة والصراع والمصابرة.

بعد أن علمت كل هذا أتابع معك المسيرة على الدرب لأنقلك إلى محطة إذا وضعت رحالك فيها تنسمت نسائم الإيمان، وتزودت بزاد التقوى، وأشرقت نفسك بإشراقات الروحانية، وأصبحت الإنسان الصالح، والمؤمن التقي، والمسلم الورع، والرجل المخلص... بل إذا مشيت في مشيتك هون، وإذا تكلمت ففي كلامك تأثير، وإذا عملت ففي ملك قدوة، وإذا ظهرت ففي ملامحك جاذبية، وإذا نظرت ففي نظراتك إشراف...

وهذه المحطة إن أحكم الأخذ عنها، والتربية فيها، والمجاهدة منها... كانت مصدر فيوضات الداعية، ومبعث إشراقاته الروحية، وموطن توجيهاته التربوية... بل كانت المحرك الأول لتحسسه في المسؤولية والموجه الأفضل في سلوكه طريق الاستقامة، والمنبه الأكبر على الخطأ والاعوجاج... فإذا خلا الداعية من معالم الروحانية الشاملة فقد خلت حياته من كل أثر وتأثير وعطاء، وتخبط في دياجير العجب والنفاق والرياء، وتعثر في أوحال الغرور والأنانية والكبرياء، وسعى جهده في أن يدعو لشخصه لا لله، وأن يبني أمجادًا لنفسه لا للإسلام، وأن يعمل لدنياه لا للآخرة...

ومن هنا يكون الانزلاق، ويكون السقوط، وتكون الطاقة.

فإذا كانت الروحانية بهذه الأهمية:

* فما هو السبيل إليها؟

* وما هي الروافد التي تغذيها؟

* وما هو أثرها في البناء والإصلاح والتغيير؟

كل هذه التساؤلات سوف تجد -أخي الداعية- الإجابة الشافية عليها، بل تجد إن شاء الله ما ينير لك الطريق في الوصول إليها... وعلى الله قصد السبيل، ومنه نستمد العون...

أما ما السبل إلى هذه الروحانية؟

فالقرآن الكريم في نظرته الكلية إلى الكون والحياة والإنسان قد وضح لنا المنهج العملي في إعداد الإنسان روحيًا، وتكوينه إيمانيًا، وتربيته نفسيًا:

- قال تعالى في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾  (الأنفال: 29)...

- وقال سبحانه في سورة الحديد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾  (الحديد: 28).

- وقال جل جلاله في سورة الطلاق: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (الطلاق: 2).

فلنتأمل في هذه الآيات فماذا نجد؟

نجد أن تقوى الله عز وجل هي أساس الفيوضات والأنوار والعطاء...

* فبتقوى الله عز وجل يميز المؤمن بين الغث والسمين، ويفرق بين الحق والباطل...

* وبتقوى الله جل جلاله يجعل الله للمتقي نورًا يمشي به في الناس فيهتدون بهداه، ويستنيرون بنوره.

* وبتقوى الله سبحانه يجد المتقي المخرج مهما واجه من مأزق، ومهما لقي من عقبات... يقول «سيد قطب» رحمه الله في الظلال في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ (الأنفال: 29) «هذا هو الزاد، وهذه هي عدة الطريق... زاد التقوى التي تحيي القلوب وتوقظها، تستجيش فيها أجهزة الحذر والحيطة والتوقي... وعدة النور الهادي الذي يكشف منحنيات الطريق ودروبه على مد البصر، فلا تغبشه الشبهات التي تحجب الرؤية الكاملة الصحيحة... ثم هو زاد المغفرة للخطايا، الزاد المطمئن الذي يسكب الهدوء والقرار... وزاد الأمل في فضل الله العظيم يوم تنفد الأزواج، وتقصر الأعمال...

إنها حقيقة: إن تقوى الله تجعل في القلب فرقانًا يكشف له منعرجات الطريق، ولكن هذه الحقيقة -ككل حقائق العقيدة- لا يعرفها إلا من ذاقها فعلًا!!

إن الوصف لا ينقل مذاق هذه الحقيقة لمن لم يذقها!!

إن الأمور تظل متشابكة في الحس والعقل، والطريق تظل متشابكة في النظر والفكر، والباطل يظل متلبسًا بالحق عند مفارقة الطريق وتظل الحجة تفحم ولكن لا تقنع، ويظل الجدل عبثًا، والمناقشة جهدًا ضائعًا... ذلك ما لم تكن هي التقوى... فإذا كانت استنار العقل، ووضح الحق، وتكشف الطريق، واطمأن القلب، واستراح الضمير، واستقرت القدم، وثبتت على الطريق!!

إن الحق في ذاته لا يخفى على الفطرة... ولكنه الهوى هو الذي يحول بين الحق والفطرة... الهوى هو الذي ينشر الغبش، ويحجب الرؤية ويعمي المسالك، ويخفي الدروب...والهوى لا تدفعه الحجة إنما تدفعه التقوى... تدفعه مخافة الله، ومراقبته في الستر والعلن...

ومن ثم هذا الفرقان الذي ينير البصيرة، ويرفع اللبس، ويكشف الطريق...».

* فإذا كان للتقوى هذه الأهمية البالغة... فما هي حقيقتها؟ وكيف الوصول إليها؟

أما ما هي حقيقة التقوى؟

فهي نتيجة حتمية، وثمرة طبيعية للشعور الإيماني العميق الذي يتصل بمراقبة الله عز وجل، والخشية منه، والخوف من غضبه وعقابه، والطمع بعفوه وثوابه...

أو هي -كما عرفها العلماء- «ألّا يراك الله حيث نهاك، وألّا يفقدك حيث أمرك». أو هي -كما قال البعض-: «اتقاء عذاب الله بصالح العمل، والخشية منه في السر والعلن». ومن هنا كان اهتمام القرآن الكريم بفضيلة التقوى، بل كان يأمر بها، ويحض عليها... في كثير من الآيات البينات، حتى أن القارئ لكتاب الله عز وجل لا يكاد يمر على قراءة صفحة أو بضع آيات... إلا ويجد لفظة التقوى منسابة في الذكر الحكيم هنا وهناك!!

ومن هنا كان اهتمام الصحابة والسلف الصالح بالتقوى، حيث كانوا يتحققون بها، ويجتهدون لها، ويسألون عنها... فقد ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل: «أبي بن كعب عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: بلى. قال: فذلك التقوى!!».

وبناءً على هذا المعنى الذي أورده «أبي بن كعب» في إجابته لعمر رضي الله عنهما يقول «سيد قطب» رحمه الله في الظلال: «فذلك التقوى، حساسية في الضمير، وشفافية في الشعور، وخشية مستمرة، وحذر دائم، وتوقٍّ لأشواك الطريق... طريق الحياة... الذي تتجاذبه أشواك الرغائب والشهوات، وأشواك المطامع والمطامح، وأشواك المخاوف والهواجس وأشواك الرجاء الكاذب فيمن لا يملك رجاء... والخوف الكاذب ممن لا يملك نفعًا ولا ضرًا، وعشرات غيرها من الأشواك...»

ويكفي التقوى فضلًا وتأثيرًا... إنها منبع الفضائل الاجتماعية كلها، والسبيل الوحيد في اتقاء المفاسد والشرور والآثام... بل هي الركن الأساسي في تكوين الفرد النفسي والخلقي... لمواجهة سراء الحياة وضرائها، وتمييزه بين طيباتها وخبائثها، وصبره على محنها ومصائبها...

تلك هي حقيقة التقوى، وتلك هي أثرها الفعال في تربية الأفراد، وتكوين الجماعات... وعن أهم الوسائل في إذكائها وتنميتها، ترسيخها في قلب الداعية ونفسيته، وتغلغلها في أعماق أحاسيسه ومشاعره فذلك ما نتحدث عنه في هذه الفقرة حيث أرى أن هذه السبل والوسائل مرتبة كما يلي:

أ- المعاهدة:

 الأصل في قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (النحل: 91). 

وكيفية المعاهدة: يخلو المؤمن بينه وبين ربه ويقول لها: إنك يا نفس أعطيت العهد لله في الوقفات اليومية التي تقفين فيها بين يدي الله سبحانه، وتناجيه بلسان عربي مبين: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. (الفاتحة: 5-7).

أليس -يا نفس- في هذه المناجاة إقرار منك: على أن لا تعبدي إلا الله، وألا تستعيني إلا به، وعلى أن تلتزمي طريق الله المستقيم الذي لا يعتريه العوج ولا الالتواء... ألا وهو طريق الإسلام، وعلى أن تحيدي عن طريق الذين ضلوا وغضب الله عليهم من الملل الأخرى؟!!

فإذا كان الأمر كذلك فحذار -يا نفس- أن تخوني بالعهد بعد أن جعلت الله عليك رقيبًا، وحذار أن تتنكبي عن الصراط الذي رسمه الإسلام بعد أن جعلت الله عليك شهيدا، وحذار أن تتبعي سبيل أقوام ضلوا وأضلوا... بعد أن جعلت الله عليك كفيلًا... حذار -يا نفس- من الكفر بعد الإيمان، وحذار من الضلال بعد الهدى، وحذار من الفسوق بعد الالتزام... من نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا...

وبتقدير -أخي الداعية- أنك إذا شارطت نفسك كل يوم على أن تلتزم هذه المواثيق التي تعطيها كل يوم وليلة أكثر من سبع عشرة مرة، ثم تحملها حملًا على الوفاء والتنفيذ... فإنك -ولا شك- تتدرج نحو التقوى، وتسير في طريق الروحانية، وتصل في نهاية المطاف إلى منازل المتقين الأبرار...

ب- المراقبة:

 الأصل فيها قوله تبارك وتعالى في سورة الشعراء: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (الشعراء: 218 – 219). 

وقوله صلوات الله وسلامه عليه لما سئل عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» رواه مسلم -والمراقبة معناها- كما دلت عليه الآية والحديث استحضار عظمة الله سبحانه وتعالى في كل الأوقات والأحوال، ومراقبته جل جلاله في السر والعلن...

* وكيفية المراقبة: أن يراقب المؤمن نفسه قبل البدء بالعمل، وفي أثنائه... هل كان تحركه للعمل والطاعة من أجل حظوظ النفس، وابتغاء الثناء والذكر... أم كان المحرك لها مرضاة الله، وابتغاء ثوابه؟!!

 فإن كان لله جل جلاله مشى فيها وأمضاه، وإن كان لهوى النفس أحجم عنها وتركها وعقد النية والعزم على أن يستأنف طاعته فيما بعد على أسمى ما يكون من التجرد والإخلاص ورضوان الله سبحانه...

ولعمري هذا هو الإخلاص بعينه، والتجرد بذاته، والتحرر الكامل من مزالق النفاق والرياء...

يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله: «رحم الله عبدًا وقف عند نيته وهمه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر...».

* ومراقبة العبد لله أنواع: مراقبته في الطاعة تكون والتجرد والإخلاص، ومراقبته في المعصية تكون بالتوبة والندم والإقلاع...، ومراقبته في المباح تكون بمراعاة الأدب والشكر على النعم...، ومراقبته في المعصية تكون بالرضا بالقدر، والتذرع بالصبر.. وبتقدير -أخي الداعية- أنك إذا راقبت الله عز وجل على هذا المستوى من الملاحظة والمراقبة... ثم عزمت على المضي فيها والمواظبة عليها... فإنك -ولا شك- تتدرج نحو التقوى، وتسير في طريق الروحانية، وتصل في نهاية المطاف إلى منازل المتقين الأبرار...

(يتبع في العدد القادم)

 

الرابط المختصر :