العنوان ركن تكوين الداعية.. صبر الداعية «٤»
الكاتب عبدالله ناصح علوان
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1984
مشاهدات 60
نشر في العدد 663
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 20-مارس-1984
الصبر هو قوة نفسية إيجابية فعالة، تدفع المتحلى بها إلى مقاومة كل أسباب الخور، والضعف والاستكانة، والاستسلام .... وتحمله على الصمود والثبات أمام الفتن والمغريات، وأمام المِحَن والمكاره والأحداث، إلى أن يأذن الله له بالنصر، أو أن يلقى الله عز وجل وهو عنه راض لكونه أدى ما عليه من تبليغ رسالة، وحمل أمانة.. وعلى الداعية حين يبلغ دعوة الله أن يضع في حسبانه هذه الابتداءات:
- أن يضع بحسبانه الاتهامات الكاذبة، والأقاويل الباطلة للحط من شأنه، والتقليل من اعتباره.
- أن يضع بحسبانه السجن والاعتقال والتعذيب،وكل اعتداء يمسه ماديًا، ويصيبه جسميًا.
-أن يضع بحسبانه إخراجه من وظائفه، ومصادرة أملاكه، واقتطاع كسبه ورزقه.
-أن يضع بحسبانه تهجيره من بلده، ومفارقته لأهله وأولاده، وابتعاده عن أصدقائه وأحبائه.
- أن يضع بحسبانه إغراءه بالمنصب والوظيفة وفتنته بالمال والجاه و إغواءه بالجنس والنساء، وقد يلبس هذا الإغواء ثوب الزواج في كثير من الأحيان.
-وأخيرًا أن يضع بحسبانه الاستشهاد والشهادة في سبيل الإسلام والدعوة إلى الله، وإعلاء كلمة الله.
فحين يضع الداعية نصب عينيه كل هذه الاحتمالات من ضروب الأذى والاضطهاد والشدة.
فلا يجد في سبيل ما يلقاه من محنة وابتلاء أي حرج أو غضاضة أو يأس أو انهزامية؛ لأن من طبيعة الدعاة الصادقين، والعلماء المخلصين أن يتعرضوا لأنواع الأذى، وضروب الاضطهاد.. وحسبهم في ذلك قدوة قائد دعوتهم، و رائد رسالتهم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فإنه عليه الصلاة والسلام أعطى الدعاة إلى الله في كل زمان ومكان القدوة العملية في الصبر والاحتمال والأسوة الحسنة في الصمود والثبات.
فإن المشركين في مكة سلكوا مع النبي صلى الله عليه وسلم مسالك شتى في الأذى، وأساليب متنوعة في الاضطهاد؛ ليصدوه عن دعوته.
ويثنوه عن أداء رسالته فما استكان وما خضع:
- سلكوا معه طريق الإغراء بالمال والرياسة والجاه، فما استكان وما خضع.
-سلكوا معه طريق الضغط العائلي، والتأثير الطائفي، فما استكان وما خضع.
-سلكوا معه طريق الاستهزاء والسخرية والاتهام، فما استكان وما خضع.
-سلكوا معه طريق المقاطعة الاقتصادية الشاملة له ولمن أزره، فما استكان وما خضع.
وقرروا أخيرًا اغتياله وملاحقته، فما استكان وما خضع.
وبعد أن أذن الله له بالهجرة حاربوه بحملات متعددة، وحروب طاحنة؛ليستأصلوا دعوته واتباعه فما كان ذلك يرده عن تبليغ الدعوة ونشرها في الأرض، وظهورها على الدين كله.
وظل عليه الصلاة والسلام صابرًا داعيًا مجاهدًا محتسبًا، ماضيًا في طريق إعزاز دين الله حتى جاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجًا؛ وتحقق ذلك بفضل صبره وثباته صلوات الله وسلامه عليه، وفضل تضحيته وجهاده صلى الله عليه وسلم، إلا فليتخذ الدعاة من مواقف صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم قدوة وأسوة إن أرادوا أن يبنوا لأمتهم مجدًا، ولبلاد الإسلام عزاء وللمسلمين وحدة وقوة ومكانة؟!! وصدق الله العظيم القائل: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الاحزاب:۲۱)
وعلى الدعاة أن يعلموا أن من سنة الله في الأنبياء والمصلحين والدعاة والعلماء... أنيتعرضوا في تبليغهم للدعوة، وهداية الناس إلى الخير لأنواع من الابتلاء والاضطهاد، ولأصناف من المحن والشدائد؛ لكونهم يغيرون واقعًا مريرًا.
ويواجهون فئات من الطواغيت المستبدين الظالمين، ويتعرضون لأقوام خبئت سرائرهم وأعمالهم، لا يرعون في مؤمن إلا ولا ذمة.
ومن الطبيعي -وهذا شأنهم- أن يواجهوا الصراع والمقاومة والابتلاء في أمة الانتكاس والجهالة والضلال.. ومن الطبيعي أيضًا أن تعرف حقيقتهم -بعد المحنة - إن كانوا صادقين في تبليغ الدعوة أو كانوا خوارين منهزمين.
وهذا ما بينه القرآن الكريم أو في بيان: قال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُون وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (سورة العنكبوت: ١-٢)
وقال عز من قاتل في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (سورة البقرة: ٢١٤).
وقال القرآن الكريم على لسان لقمان الحكيم وهو يعظ ابنه:﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (سورة لقمان: ۱۷) وهذا أيضًا ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم
في مواطن عدة:
-روى الترمذي وابن ماجه وابن حبان والحكم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قلنا يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلاه الله على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة».
-وروى مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات».
-وروى البخاري في صحيحه أنه لما اشتد إيذاء قريش على ضعفاء المؤمنين جاؤوا إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد بردة في ظل الكعبة يقولون: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال لهم: النبي صلى الله عليه وسلم: «قد كان من قبلكم يؤخذ بالرجل، فيُحفر له في الأرض فيجعل فيها فيؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد مادون لحمه وعظمه؛ فما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون!!».
ولما علم الرعيل الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان هذه التوصيات القرآنية، والتوجيهات النبوية في إعداد المؤمن، والصبر على المحنة والابتلاء أعدوا للثبات والصبر والتضحية نفوسًا مؤمنة لا تجزع أمام أحداث الليالي، وقلوبًا صامدة لا ترتعد من نوازل الأيام.
لذا رأيناهم بعد أن فهموا رسالة المسلم ومسؤولية الداعية، ومهمة المجاهد،انطلقوا في ميادين الدعوة إلى الله غير عابثين بما يعترضهم من عقبات، وغير مكترثين بما يلقونه من مصائب وأهوال!!
وحسبنا الآن أن تذكر بعض الأمثلة التاريخية ليعرف الداعية جليًا ما كان يلقاه أباؤنا البواسل الأمجاد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذى واضطهاد في سبيل الرسالة الإسلامية والدعوة الربانية.. عسى جيل الإسلام اليوم وعلى الأخص الشباب أن ينهجوا في الصبر نهجهم، وأن يسلكوا في التضحية والثبات دربهم لتحيا لهم في الكون دعوتهم، وتعود لهم في الدنيا عزتهم وكرامتهم، وتقوم على سواعدهم الفتية دولة القرآن و وحدة الإسلام، وأمجاد التاريخ.
- فهذا بلال رضي الله عنه المؤمن الصابر لقى في سبيل الدعوة ألوانًا من العذاب، وأصنافًا من البلاء، فكلما اشتدت عليه وطأة الألم، ونزلت به الاحن السود، و وضعت على بطنه الحجارة الثقيلة في وهج الظهيرة المحرق ليترك دينه؛ ازداد إيمانًا وتثبيتًا وهتف من الأعماق «أحد أحد، فرد صمد»!!
وهذا عمار وأمه سمية، وأبوه ياسر رضي الله عنهم جميعًا: قد تحملوا في سبيل إسلامهم مالم يتحمله إنسان، وما إن علم بنو مخزوم بإسلامهم حتى انقضوا عليهم يذيقونهم أشد العذاب، ليفتنوهم عن دينهم ويرجعوهم كفارًا بعد أن هداهم الله إلى الإسلام.. وفي بطحاء مكة حيث ترسل الشمس شواظًا من لهب قضى آل ياسر
أيامًا في عذاب مقيم.
ومر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يعذبون، وسمع ياسرًا يئن في قيوده وهو يقول: الدهر هكذا !! فنظر الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى السماء ونادى: «أبشروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة».
وسمع آل ياسر النداء، فهدأت نفوسهم وسكنت قلوبهم، فلما أتاهم أبو جهل لعنه الله كان استهزاؤهم بالموت، وعلوهم على الحياة أعظم مارأى الناس، لقد استشهدت سمية رضي الله عنها وكانت أول شهيدة في الإسلام، ثم تبعها ياسر وكان أول من استشهد من الرجال، بقى عمار يغالب العذاب، ويصابر الألم حتى بلغ به الجهد كل مبلغ؛ واضطر أن يتلفظ ظاهرًا بكلمة الكفر حتى كفوا عنه و أطلقوه، ولكن قلبه الطاهر بقى عامرًا باليقين والإيمان، ونزل في حقه قوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (سورة النحل:104)
-وهذا مصعب بن عمير رضي الله عنه:نشأ في الترف و ربي في الرفاهية والنعمة، اسمعوا إلى قصة إسلامه وابتلائه كما يرويها ابن سعد في طبقاته: «كان مصعب بن عمير فتي مكة شبابًا وجمالًا، وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه مليئة كثيرة المال تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وأرقه، وكان أعطر أهل مكة يلبس الحضرمي من الفعال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام في دار الأرقم بن أبي الأرقم، فدخل عليه وأسلم وصدق به، وخرج فكتم إسلامه خوفًا من أمه وقومه، ولما كشفوا أمره، أخذوه فحبسوه فلم يزل محبوسًا حتى خرج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى، ثم رجع مع المسلمين حين رجعوا ...».
يقول خباب بن الأرت: «هاجرنا مع رسول الله صلى الله علؤه وسلم نبتغي وجه الله، فوجب أمرنا على الله، فمنا من مضى ولم يأكل من أجره شيئًا منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا بردة، قال: فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من الاذخر» «١»
ولقد وقف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على هذا الفتى، وهو مقتول مسجى في بردة، فقال له والدموع تزدحم في عينيه: لقد رأيتك بمكة، وما بها أحد أرق حلة، ولا أحسن لمة منك، ثم أنت شعث الرأس في بردة، وقرأ عليه هذه الآية: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:۲۲)
ولا شك أن هذه الظاهرة من الإيمان والثبات والصبر والمصابرة قد تعلموها وأخذوها من سيد الدعاة، وإمام المجاهدين صلوات الله وسلامه عليه فقد أعطاهم القدوة العملية في صبره وثباته والأسوة الحسنة في تضحيته وجهاده.. وسبق أن ألمحنا عن مواقفه الخالدة صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة وبعدها.
ولقد سار على الدرب التابعون ومن تبعهم بإحسان إلى عصرنا هذا كأمثال الإمام أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، ومنذر بن سعيد وسعيد المسيب، و والي بن طاووس، والإمام حسن البنا، والشهيد سيد قطب، والشيخ مروان حديد والشيخ عبد العزيز البدري، والشيخ موفق سيرجيه....ومئات غيرهم....بل ألوف ...فقد ضربوا أروع الأمثال في صبرهم وثباتهم، وجرأتهم وصعودهم-رحمهم الله- ، وأعلى منزلتهم، وسلامًا عليهم في الخالدين.
والذي أخلص إليه بعد ما تقدم
إن الذين يتصدون للدعوة، ويسيرون في طريق الإصلاح والتغيير والهداية، لابد أن يتعرضوا للمحنة، ولابد أن يواجهوا بأساء الحياة وضراءها، و يخطىء من يظن أن طريق الدعوة دائمًا محفوف بالورود والرياحين، ومفروش بالزينات والسجاجيد، ومزدحم بالمودعين والمستقبلين.
بل على الداعية أن يعلم أن الطريق مفروشة على الغالب بالصخور الكبيرة العاتية، والأشواك اليابسة المؤذية، والأشقياء العتاة المجرمين؛ فإن لم يكن معتادًا على الثبات والاحتمال متروضًا على الصبر والمصابرة... فإنه ينهزم في أول لحظات المحنة، ويتقهقر في أول لمحات البلاء... ويقعد مع القاعدين اليائسين المثبطين.
وما أحسن ما قاله الطغرائي في لاميته:
حب السلامة يثني هم صاحبه عن المعالي ويغري المرء بالكسل فإن
جنحت إليه فاتخذ نفقًا في الأرض أو سلمًا في الجو فاعتزل
وفي هذا المعنى يقول أبو الطيب المتنبي:
ذريني أقل مالًا ينال من العلا فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل
تريدين إدراك المعالي رخيصة ولابد دون الشهد من إبر النحل
وصدق من قال:
وإذا كانت النفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجسام
أما عن تفاؤل الداعية فسنتولى الحديث عنه في العدد القادم من هذه المجلة إن شاء الله فإلى العدد القادم والسلام عليكم ورحمة الله.
»1«الاذخر: نبات طيب الرائحة