العنوان رمضان العراقيين بين حقب ثلاث
الكاتب محمد صادق أمين
تاريخ النشر السبت 07-أكتوبر-2006
مشاهدات 79
نشر في العدد 1722
نشر في الصفحة 40
السبت 07-أكتوبر-2006
قبل الحرب الإيرانية، كانت موائد الخير والبر تنتشر بالمساجد، وبعدها انحسرت المظاهر الرمضانية
أثناء الحصار، خيم الجوع والخوف ونقص الأموال والأنفس والثمرات
واليوم، رمضان مخضب بالدم مفعم بأخبار المساجد المغتصبة والمصاحف المحروقة والعائلات المهجرة
لرمضان على الدنيا إطلالة تضفي عليها بهاء وتعطي للأيام طعما خاصًا، وتمنح القلب سرورًا وحبورًا، ولكل بلد من بلاد المسلمين طقوس خاصة لاستقبال الشهر الفضيل تختلف من بلد إلى آخر ومن مدينة إلى مدينة.
ولرمضان عند العراقيين خصوصية تتناسب ومقام الشهر الفضيل، وتختلف من محافظة إلى أخرى في بعض حيثياتها وتفاصيلها، ولعل أهم معلم من معالم الخصوصية يتجسد في مائدة الإفطار حيث تتفنن ربة البيت العراقية -وهي في الأعم الأغلب ربة بيت محترفة- في إعداد مائدة الإفطار -فالعراق بلد نفطي وفي البلدان النفطية لا تحتاج المرأة للعمل، إذ لا يوجد دافع اقتصادي يدفعها للعمل- طبعًا هذا في عراق أيام زمان.
ومع اجتماع الأسرة المتكامل على مائدة الإفطار بشكل يومي -وهذا لا يتاح إلا في رمضان- تتفنن ربة البيت في تزيين المائدة ب«السلاطات» قبل كل شيء.
وعندنا منها أنواع أشهرها «الجاجيك»، وهي عبارة عن سلاطة الخيار بالثوم واللبن، يأتي بعد ذلك العصير أو باللفظ العراقي «الشربت» وهو في الأغلب عصير الزبيب أو التمر هندي، وشوربة العدس تكاد تكون سمة مميزة للمائدة في معظم أنحاء العراق.
وبها يبدأ العراقيون إفطارهم بعد التمر وشرب الماء وقبل الصلاة، ولابد من وجود المشويات خلال الشهر الفضيل حتى في البيوت الفقيرة على الأقل في الأسبوع مرة واحدة، وهو ما يحصل عليه الفقير حتمًا بسبب كثرة عمل الخير خلال الأيام الفضيلة.
وفي رمضان تنشط الحركة الاقتصادية لتزايد الاستهلاك من جهة ولقرب موعد العيد من جهة أخرى، وحيثما تتحرك دائرة من دوائر الاقتصاد والعمل تتحرك معها بقية الدوائر.
تقارب اجتماعي
وفي رمضان تنشط الحركة الاجتماعية فتتزاور الأسر بعد صلاة التراويح في «تعليلات» رمضانية يمتد بعضها إلى وقت السحور، وتكثر دعوات الإفطار بين الأقارب والأصدقاء، وتمتد في المساجد موائد الخير والبر وينشط أهل الخير وتكثر الصدقات.
وللأطفال حظ في رمضان كما للكبار، حيث يحتفل الأهل بالطفل الذي يكمل يومًا كاملًا من الصوم خصوصًا إذا كان ذلك لأول مرة حيث ينهال عليه الثناء من كل مكان وتكاد لا تمر مناسبة دون أن يذكر فيها ويثنى عليه، وهو الأمر الذي يشد أزره ويدفعه للمواصلة.
فرحة الأطفال
ثم للأطفال في رمضان ألعاب رمضانية بعد الإفطار، حيث يحملون الشموع في علب «المعجون» بعد أن تثقب من الأسفل، ويدورون في الشوارع ويرددون بعض الأغاني التراثية ومن أشهرها على الإطلاق: «الماجينة» والتي يبدأ موعدها على الأغلب بعد منتصف رمضان ويدور خلالها الأطفال على أهل المنطقة «الدربونة» الذين يحملون أكياس الأطفال بما يملكون من حلويات العيد والكرزات والنقود أحيانًا: تعبيرًا عن صلة الرحم المتميزة التي يعرف بها العراقيون.
ومن معالم رمضان الخالدة في الأذهان قرع الطبول في وقت السحور، حيث ما زالت تلك العادة جارية -رغم تبدل الزمن وتوافر مكبرات الصوت في المساجد- ويدور الطبال على الأحياء، مناديًا الناس للقيام للسحور وهو في الأغلب «طبال بن طبال»، إذ إنها من المهن المتوارثة عند البغداديين على الأخص.
رمضان بين الأمس واليوم
ولعل القليل الذي ذكرته من التقاليد الرمضانية يعد اليوم من الذكريات العراقية، فهي مظاهر وظواهر ضاعت معالمها بالتدريج منذ عقدين من الزمن بسبب الظرف غير الطبيعي الذي نعيشه -نحن العراقيين-، فكل شيء تغير في حياتنا بسبب الحروب التي نشأ فيها جيل كامل لم يعرف ولم يسمع سوى بويلات الحرب وأدبياتها.
فمع إطلالة الحرب العراقية الإيرانية ضاعت كل معالم البهجة في حياة العراقيين، وما جلبته تلك الحرب المشؤومة من ويلات كوارث على مناحي الحياة المختلفة، فلم يعد للسرور طريق إلى نفوسنا بعد أن غاب الآباء الأبناء والإخوة والأزواج في «مطحنة» الحرب حيث لم نكن نعرف حينها ما معنى الحرب ولا لماذا نحارب!
وحين رجع الشباب العراقي من الحرب في صناديق خشبية أدركنا حينها معنى الحرب غابت عن حياتنا من لحظتها معالم البهجة وبشائر السرور، ومع استمرار الحرب استمر تسرب الفرح من قلوبنا لسبب بسيط هو أن بيت عراقي خرج منه واحد واثنان وثلاثة إلى الحرب، وفي اللحظة ومع كل قرعة باب تخلع قلوب الأمهات والآباء، خوفًا من خبر لابد أن يصل بين لحظة وأخرى، وما يمر علينا شهر إلا ونفقد من العشيرة أو المحلة واحدًا أو أكثر صديقًا أو قريبًا أو ابن عم أو خال.
وبعد انتهاء تلك الأيام العصيبة، لم نكد نتنفس الصعداء ولم نكد نستنشق عبير السلام بعد حتى داهمتنا الحرب من جديد من حيث لا نحتسب، فلم يكن على البال غزو الكويت الجارة الشقيقة المساندة لنا في حربنا الأولى.
الحرب الجديدة التي وضعنا الغزو إزاءها كانت في مواجهة حلف أمريكي دولي لا يستسيغ العقل ولا يصدق المنطق أن نواجه وحدنا مثله، ولم ندرك حجم المصيبة والمأزق الذي وضعنا فيه إلا حين بدأت الطائرات تنزل القنابل الذكية المخضبة باليورانيوم المنضب على مدننا كالمطر، فتحول العراق في أقل من أسبوع إلى بلد فقير بلا ماء ولا كهرباء ولا هاتف ولا مواصلات، وعدنا إلى زمن الاحتطاب فما تركنا في الحي شجرة إلا وحولناها إلى طعام لنيران مواقد التدفئة والطبخ.
بعد الحرب الضروس بدأ فصل الحصار، فخيم علينا الجوع والخوف ونقص الأموال والأنفس والثمرات حتى بلغ ضحاياه من الأطفال والرضع مليون طفل.
تفكيك أسري
وبعد أن كان رمضان يزورنا وعندنا الطعام لكننا لا نجد الشهية صار يزورنا ونحن لا نملك لا الطعام ولا الشهية، وغابت مع الحصار مظاهر المائدة الرمضانية التي وصفناها باللوحة الفنية، فبات السعيد فينا من عنده منه لون واحد دون أن يمد إلى الناس يد العوز والفاقة.
وغابت في هذا الخضم المظاهر الرمضانية وتولدت فينا أمراض اجتماعية بسبب الفقر، فبسببه تقطعت الأرحام ولم يعد الجيران يتزاورون وباتت العلاقة بين الآباء والأبناء وبين الإخوة والأخوات والصحب والجيران تحكمها المصالح المادية والعلائق الدنيوية.
يومها كنا نظن في أنفسنا أننا في قمة ما يمكن أن تبتلى به أمة، كنا ننظر إلى المستقبل المجهول يحدونا الأمل بقول الله تعالى ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 6)، كنا ننتظر الفرج بفارغ الصبر ولم نكن ندري أن أيامًا أشد هولًا تترصدنا، تقف على أبواب بيوتنا.
وسقطت بغداد من جديد على يد التتار الجدد، وعاد رمضان على العراق ونحن في حقبة جديدة هي حقبة الاحتلال حقبة الحرب الأهلية غير المعلنة حقبة التهجير والعنف الطائفي، رمضاننا مخضب بالدم مطعم بأخبار المساجد المغتصبة والمصاحف المحترقة والعائلات المهجرة، وما عاد في قوس صبرنا من منزع.